27 نوفمبر 2014 آخر تحديث للموقع :
: القسم  
: كلمة البحث
 
ركن المقالات فقه الدعوة
من أساليب التربية في القرآن الكريم ضرب المثل
تاريخ النشر: الأربعاء 20 ربيع الأول 1432هـ - 23 فبراير 2011    عدد القراءات: 1810

الدكتور عثمان قدري مكانسي
 
     يقول الله تعالى :
    (( وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) ))(1) .
     ويقول سبحانه : (( وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ ))(2) ،
     ويقول سبحانه : (( كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ))(3) .
     فلماذا هذه الأمثال المضروبة في القرآن وما فائدتها ؟
     إنها تُضرَب :
1ـ لتقريب الفكرة إلى الأفهام .
2ـ وتوضيح مقاصدها .
3ـ ولاتخاذ العظة والعبرة .
     ـ ومن هذه الأمثلة التي ضربها الله عزّ وجلّ قوله سبحانه :
     ((أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي
السَّمَاءِ (24)
     تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)
     وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26)
     يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27) ))(4) .
     فكيف قرّب الله الفكرة إلى الأفهام ؟
     الكلمة الطيبة (( لا إله إلا الله )) ، والشجرة الطيبة (( المؤمن )) ، وكلمة الإيمان في قلب المؤمن ، وعمله يصعد إلى السماء وينال بركته وثوابه في كل وقت .
     والكلمة الخبيثة (( الكفر )) ، كشجرة (( الحنظل )) الخبيثة استؤصلت من جذورها ، واقتلعت من الأرض لعدم ثبات أصلها ، وكذلك كلمة الكفر لا ثبات لها ولا فرع ولا بركة ، والكافر لا يصعد عمله إلى السماء ولا يُقبل .
     فالله تعالى يثبت المؤمن في الدنيا وفي حساب القبر عند سؤال الملكين ، ويضل الكافر في الحياة الدنيا وعند سؤال الملكين في القبر .
     ـ ومن هذه الأمثلة التي ضربها الله عزّ وجلّ قوله جل شأنه :
 ((وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ
     فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)
     وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113) ))(5) .
     فكيف نتخذ العظة والعبرة ؟
     هناك قرية كان أهلها في أمن واستقرار وسعادة ونعيم ، تأتيها الخيرات من كل جهة ، فلم يشكر أهلها ربهم على ما آتاهم من خير ورزق ، فسلبهم الله نعمة الأمان والاطمئنان وأذاقهم آلام الخوف والجوع والحرمان ، بسبب كفرهم ومعاصيهم .
     وهذا مثل أهل مكة الذين آمنهم الله بالبيت العتيق ، يقصده الناس جميعاً ، ولهم تجارتان في الصيف للشام والشتاء لليمن ، فلما جاءهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدعوهم إلى الإيمان بالله كفروا به وعصَوه . . فإن لم يتوبوا إلى الله ، فجزاؤهم سيكون كجزاء أهل القرية المضروب بها المثل .
     ـ ومن هذه الأمثلة التي ضربها الله عزّ وجل قوله سبحانه :
     (( مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41)
        إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42)
        وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43)))(6) .
     فكيف وضح الله الصورة وبيّن مقاصدَها ؟ .
     إنّ الذين اتخذوا آلهة من دون الله يعتمدون عليها ويرجون نفعها كمثل العنكبوت ، بيتها لا يغني عنها في حرٍّ ولا بردٍ ولا مطرٍ ولا أذى . ولو علم هؤلاء الكفار تفاهة ما يعبدونه ما تخذوها آلهة ، وسيجازيهم الله تعالى على كفرهم .
     وهذه الأمثال يضربها الله تعالى ليقربها إلى أفهام الناس ، ولا يعقلها إلا أصحاب العقول والأفئدة السليمة .
     ـ ومن هذه الأمثلة قوله سبحانه وتعالى :
      (( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ
          قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ؟! (78)
          قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79)
         الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) ))(7)
فكيف نتخذ العبرة والعظة ؟ .
     استبعد الكافرُ عودته بعد الموت إلى الحياة والبعث ، حين أمسك بالعظم الرميم وفتته ، ونسي أنا أنشأناه من نطفة ميتةٍ وركبنا فيها الحياة ، ونسي خلقه العجيب وبدأَه الغريب ، وقاسَ قدرة الله تعالى على قدرتنا الضعيفة .
     فقل يا رسول الله إن الذي أنشأها أوّل مرة ، لا يصعب عليه إعادة خلقها ثانيةً ، فالذي يقدر على البداءة قادر على الإعادة ، يعلم كيف يخلق ويبدع ، فلا يصعب عليه بعث الأجساد بعد الفناء.
      ألا ترى أن بعض الأشجار الخضراء كالمرخ والعفار ، تقدح الشرر الذي يحرقها . وصدق الشاعر حين قال :
جمْعُ النقيضين من أسرار قدرته           هذا السحاب به نارٌ به ماءٌ
     ـ ومن الأمثلة التي ضربها القرآن قوله عزّ وجل :
     ((ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10)
        وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) ))(8) .
     فكيف نتخذ العبرة والعظة ؟
     إذا فرّق الدين بين اثنين ، فدخل المسلم الجنّة ، لم يدخلها الثاني ، ولو كان قريبه وصاحبه وزوجته ، بل دخل النار . فلا يغني في الآخرة أحدٌ عن قريب ولا نسيب ، فزوجتا النبيين الكريمين نوح ولوط لما عصتا كان نصيبهما النار يوم القيامة ، ولا ينفعهما زوجاهما من عذاب الله شيئاً .
      وهذه (( آسيا بنت مزاحم )) زوجة فرعون كفرت به ، وهي أقرب الناس إليه ، وآمنت بموسى فلما علم فرعون أمر بقتلها ، فنجاها الله منه فهي في الجنّة تتنعّمُ . فهل ضرَّها أنها زوجة أكفر الكفار ، مَن ادّعى الألوهيّة ، وعصى الله ؟ لا ، فلكلٍ عملُه . وهذه (( مريم )) الطاهرة البتول أم عيسى عليهما السلام شريفة عفيفة ، لا كما زعم اليهود زناها ، فقد نفخ جبريل بفتحة ثوبها ، فوصلت النفخة إلى مكان عفافها ، فحملت بعيسى عليه السلام ، وكانت مؤمنة بكتب ربها ورسله ، وكانت من القانتين ، فما ضرَّها أقاويل اليهود وادعاءاتهم . . .
     ـ ومن الأمثلة القرآنية كذلك قول الله تعالى :
    (( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ ه
       َلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (29) ))(9)
فكيف نقرّب الفكرة إلى الأفهام ؟ .
     هذا عبدٌ مملوك لرجال سيئي الأخلاق بينهم اختلاف وتنازع ، وكل واحد منهم يأمره بأمر يخالف أمر الآخر ، فكيف تكون حاله معهم ؟!.
     وهذا عبد مملوك لرجل واحد حسن الأخلاق ، يخدمه بإخلاص وتفانٍ ولا يلقى من سيده إلا الإحسان .
     هل يستوي هذان المملوكان في حسن الحال ؟ بكل تأكيد لا . . فكذلك الذي يعبد الله الواحد الأحد ولا يشرك معه أحداً في أحسن حالٍ ، أما الذي يعبد آلهة شتى ، فهو موزّع بين الأهواء والمفاسد والمفاتن .
     ـ ومن الأمثلة القرآنية التي ضربها الله عزّ وجل قوله سبحانه :
        (( أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا
           وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ
           كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ
          فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
           كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17)))(10) .
     فكيف وضح لنا سبحانه أن النافع يبقى ، وما لا ينتفع به يزول ؟.
     هنا مثلان للحقِّ والباطل ، للدعوة الباقية المفيدة ، والدعوة الذاهبة مع الريح :
أـ    إن الماء لينزل من السماء فتسيل به الاودية ، وهو يلمُّ في طريقه غثاء يطفو على وجهه في صورة الزبد ، وهو نافش منتفخ ، ولكنه بعدُ غثاء ، والماء من تحته سارب ساكن هادئ ، ولكنّه الماء الذي يحمل الخير والحياة .
ب ـ كذلك يقع الخبَثُ في المعادن التي تُذاب لتصاغ منها حلية كالذهب والفضة ، أو آنية كالحديد والرصاص ، فإنّ الخبث يطفو ، ولكنّه بعدُ خبثٌ يذهب ، ويبقى المعدن في نقاء .
ذلك مثل الحق والباطل ، فالباطل يطفو ، ويعلو ، ويبدو رابياً منتفخاً ، ولا يلبث أن يذهب جُفاء مطروحاً ، لا حقيقة له ولا تماسك ، والحق يظل هادئاً ساكناً ، ولكنه الباقي في الأرض كالماء المحيي ، والمعدن الصريح(11) .
     . . فضربُ المثل ، وضَّح فكرة ، وأزال إبهاماً ، وقربَّ بعيداً ، وجلّى غموضاً ، فللّه الحمدُ هو العليم العلاّم .



(1)    سورة الزمر ، الآية : 27 .
(2)   سورة الفرقان ، الآية : 39 .
(3)   سورة الرعد ، الآية : 17 .
(4)    سورة إبراهيم ، الآيات : 24 ـ 27 .
(5)   سورة النحل ، الآيتان : 112 ، 113 .
(6)   سورة العنكبوت ، الآيات : 41 ـ 43 .
(7)   سورة يس ، الآيات : 78 ـ 80 .
(8)   سورة التحريم ، الآيتان : 10 ، 11 .
(9)   سورة الزمر ، الآية : 29 .
(10)  سورة الرعد ، الآية : 17 .
(11)  من الظلال للشهيد سيد قطب رحمه الله .
 
 

 
  •