30 يوليو 2014 آخر تحديث للموقع :
: القسم  
: كلمة البحث
 
ركن تراجم العلماء علماء دعاة مربون
الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي
تاريخ النشر: الثلاثاء 23 رمضان 1431هـ - 31 أغسطس 2010    عدد القراءات: 1687

جمع وتحرير : صلاح الدين محمد سلو


ولادته ونشأته:
   ولد عام 1929م في قرية جيلكا التابعة لجزيرة بوطان (ابن عمر) الواقعة داخل حدود تركيا في شمال العراق. ولقد كان والده ملا رمضان لشدّة حبه لأهل الصلاح وأئمّة التقوى، أنه حين ولد له هذا الابن، أحب أن يسميه باسم عَلَم من أعلامهم ورباني زاهد مشهور منهم، هو الفضيل بن عياض رضي الله عنه، فأسمى أستاذنا (محمد فضيل).
   ثم إنه حمله وذهب به إلى أستاذه العالم الجليل والمرشد التقي الصالح الشيخ سعيد، المشهور بالـ(شيخ سَيدا)أي الشيخ الأستاذ ـ إذ كان أستاذ علماء البلاد، وكان شيخ الطريقة النقشبندية هناك ـ أخذ ابنه إلى الشيخ ليدعو له، ولينال من بركته. فدعا له الشيخ سيدا وأسماه (سعيداً).
   وقد كان بعض مشايخ الأكراد يسمُّون أولاد الخُلَّص من تلامذتهم، وممن يؤثِرونهم ويفضِّلونهم، بأسماء أنفسهم، ويعدُّون ذلك علامة على شدَّة محبتهم لهم، ومبلغ قربهم منهم،  وقد كان الآباء يسرُّون بذلك أبلغ السرور.
   هاجر مع والده المرحوم ملا رمضان إلى دمشق،- الذي لم يسلم له من الأولاد الذكور غيره- وله من العمر أربع سنوات. وقد كان معه في سفره هذا ابنه الوحيد (محمد سعيد) الذي كان الشيخ رحمه الله يعدُّه أعظم رأس مال له، فعكف على تربيته بجدّ، وتعهَّده بالرعاية الفائقة، بإطعامه من الحلال الذي يكسبه من كدِّ يده، والإكثار من التضرُّع إلى الله تعالى بأن ينبته نباتاً حسنا، ويجعله قُرَّة عين له، فكان أن أرسل ابنه هذا - وهو في السادسة من عمره - إلى امرأة فاضلة كانت تعلِّم الصغار قراءة القرآن الكريم، فقرأ عليها، وشغف حبّاً بتلاوة القرآن في أول تلقِّيه له .
   وقد ذكر في بعض دروسه أن السِّر في جمال أسلوبه يعود إلى كتاب الله تعالى؛ إذ استقام لسانه على الفصاحة منذ صغره بفضل الإكثار من تلاوته، وقال: لقد كنت أختم القرآن في اليومين والثلاثة أيام؛ فاستقام لساني، وتعوَّد على جَرْس القرآن وصار تذوُّق الفصاحة العربية مَلَكة عندي منذ الصغر بفضل هذا القرآن.
   كانت النشأة الأولى لفضيلة شيخنا العلاّمة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، تربية علمية ووجدانية تلقاها من والده المرحوم الشيخ ملا رمضان البوطي، ولقد كان لهذه النشأة الدور الأبرز في تكوين شخصيته العلمية والفكرية والروحية، فهو في الحقيقة امتداد للنهج الذي كان عليه والده في العلم والسلوك. فلما قارب سنَّ البلوغ، كان الأستاذ الذي سيتلقّى عليه العلم في انتظاره،  ذلك الأستاذ هو الرجل العَلمَ، الشيخ حسن حبنَّكة الميداني رحمه الله تعالى.
     أخذ الشيخ ملا رمضان بيد ابنه السعيد إلى جامع منجك، الذي يقع في الجزماتية بحي الميدان في دمشق، حيث معهد الشيخ حسن حبنكة رحمه الله، الذي كان يسمّى معهد التوجيه الإسلامي، وقال له قبل ذلك :
     اعلم يا بني أنني لو عرفت أن الطّريق الموصل إلى الله يكمن في كسح القمامة من الطّرق، لجعلت منك زبّالاً، ولكنني نظرت فوجدت أن الطريق الموصل إلى الله هو العلم به وبدينه، فمن أجل ذلك قرّرت أن أسلك بك هذا الطريق.
   ولا شكّ أن لأستاذه المباشر الشيخ حسن حبنّكة الميداني دوراً بارزاً في تنشأته العلمية والنفسية والروحية، ولئن كان ذلك غير واضح في كتاباته، فهو ظاهر في شخصيّته، فقد كان شيخه منصرفاً عن تأليف الكتب إلى العناية بصناعة الرجال، الذين يحملون همّ الأمّة وأمانة العلم ، فكان قائماً على تربيتهم بأحسن وجه، يربّيهم بحاله قبل قاله. وحسبنا دليلاً على عظم هذا التأثير، الإهداء الذي صدّر به الأستاذ السعيد الأطروحة العلمية التي تقدّم بها لنيل درجة الدكتوراه من الأزهر، وهي (ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية)، فقد كتب في الإهداء: " إلى مَن منحني من علمه وفضله وتوجيهه، ما بصّرني بدروب الحياة، وأنار أمامي معالم الطريق، المربي الكبير الشيخ حسن حبنكة الميداني.. ...أستاذي ".

 
دراسته وشهاداته:
ـ أنهى دراسته الثانوية الشرعية في معهد التوجيه الإسلامي بدمشق، والتحق عام 1953 بكلية الشريعة في جامعة الأزهر، وحصل على شهادة العالمية منها عام 1955. والتحق في العام الذي يليه بكلية اللغة العربية من جامعة الأزهر، ونال دبلوم التربية في نهاية ذلك العام.
ـ عين معيداً في كلية الشريعة بجامعة دمشق عام 1960 وأوفد إلى كلية الشريعة من جامعة الأزهر للحصول على الدكتوراه في أصول الشريعة الإسلامية وحصل على هذه الشهادة عام 1965 في كتابه المعنون [ ضوابط المصلحة ].
ـ يتقن اللغة التركية والكردية ويلمّ باللغة الإنكليزية.
أعماله ومناصبه:
ـ تولّى الأستاذ في السنوات الأولى من تدريسه في الجامعة تدريس مادّة علوم القرآن في قسم الآداب بجامعة اللاذقية ، مقرراً كتابه (من روائع القرآن).
ـ عين مدرساً في كلية الشريعة بجامعة دمشق عام 1965 ثم وكيلاً لها، ثم عميداً لها.
ـ ترأس قسم العقائد والأديان في كلية الشريعة بجامعة دمشق إلى أن بلغ سنّ التقاعد، ولا يزال يحاضر فيها إلى الآن.
ـ يحاضر بشكل شبه يومي في مساجد دمشق وغيرها من المحافظات السورية ويحضُرُ محاضراتِه آلافٌ من الرجال والنساء.
ـ اشترك ـ ولا يزال ـ في مؤتمرات وندوات عالمية كثيرة تتناول مختلف وجوه الثقافة الإسلامية في عدد من الدول العربية والإسلامية والأوربية والأمريكية.
ـ عضو في المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية في عمّان، الأردن.
ـ وعضو أيضاً في المجلس الأعلى لأكاديمية أكسفورد في إنكلترا.
ـ وعضو المجلس الاستشاري الأعلى لمؤسسة طابة بأبو ظبي.
مؤلفاته:
    لقلم شيخنا طبيعة واحدة لا تختلف، من جهة قوة الحجة ونصاعتها، وقوة الأسلوب وجزالته، و إشراقة البيان وحلاوته، ولشيخنا ما لا يقل عن خمسين مؤلفاً في علوم الشريعة والآداب، والفلسفة والاجتماع ومشكلات الحضارة وغيرها. ومنها:
1- المرأة بين طغيان النظام الغربيّ ولطائف التشريع الربانيّ، وله ترجمة باللغة الإنجليزية.
2- الإسلام والعصر.
3- ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلاميّة - وهو الأطروحة التي نال بها شيخنا درجة الأستاذيّة "الدكتوراه" من كلية الشريعة والقانون في جامعة الأزهر.
4- أوربة من التقنية إلى الروحانية ـ مشكلة الجسر المقطوع.
5- برنامج: دراسات قرآنية.
6- شخصيات استوقفتني.
7- شرح وتحليل الحكم العطائية (لابن عطاء الله السكندري).
8- كبرى اليقينيات الكونية.
9- السلفية مرحلة زمنية مباركة وليست مذهبا إسلاميا.
10- اللامذهبية أخطر بدعة تهدد الشريعة الإسلامية.
11- هذه مشكلاتهم.
12- وهذه مشكلاتنا.
13- كلمات في مناسبات.
14- مشورات اجتماعية من حصاد الانترنت.
15- مع الناس مشورات وفتاوى.
16- منهج الحضارة الإنسانية في القرآن.
17- هذا ما قلته أمام بعض الرؤساء والملوك.
18- يغالطونك إذ يقولون.
19- من الفكر والقلب.
20- ترجمة رواية مموزين.
21- لا يأتيه الباطل، وهو كشف لأباطيل يختلقها ويلصقها بعضهم بكتاب الله عزّ وجلّ، صدر عام 2007.
22- فقه السيرة النبوية.
23- الحب في القرآن ودور الحب في حياة الإنسان.
24- الإسلام ملاذ كل المجتمعات الإنسانية، لماذا؟ وكيف؟
25- سلسلة أبحاث في القمة.
26- الجهاد في الإسلام كيف نفهمه وكيف نمارسه.
ـ يكتب في عدد من الصحف والمجلات في موضوعات إسلامية وقضايا مستجدة، ومنها ردود على كثير من الأسئلة التي يتلقاها والتي تتعلق بفتاوى أو مشورات تهمّ الناس، وتشارك في حل مشاكلهم.
برامج إذاعية وتلفزيونية:
1- لا يأتيه الباطل، على قناة شام وقناة صانعو القرار.
2- دراسات قرآنية، على القناة الفضائية السورية.
3- شرح كتاب كبرى اليقينيات الكونية، ضمن برنامج الكلم الطيب، على قناة الرسالة.
4- مشاهد وعبر، على قناة الرسالة.
5- فقه السيرة، على قناة اقرأ.
6- شرح الحكم العطائية، على قناة صوفية.
صفاته وميزاته:
أهم من يمثل التوجه المحافظ على مذاهب أهل السنة الأربعة وعقيدة أهل السنة وفق منهج الأشاعرة والماتريدية، يشبهه الكثيرون بالغزالي وذلك لهدوء أسلوبه وقوة حجته في آن واحد، وهو الذي انتهج نهجه في كتابه [ أوهام المادية الجدلية ].
 مؤلّفات الغزالي بلا شكّ هي المصدر الأول، بل المدرسة الأولى التي تلقّى الأستاذ منها أصول أفكاره ومنهجه العلمي والروحي ،فكتاب إحياء علوم الدين وتهافت الفلاسفة     والمستصفى وغيرها من كتب الغزالي مصادر أساسية في كتاباته، ونفَس الغزالي يلوح في كل ما يكتب وما يقول. 
كان شيخنا يرى، ولا يزال من رأيه، أن من واجبه وواجب علماء المسلمين، أن يكونوا متيقِّظين لكل فكر جديد يطرح، وكلِّ تيّار جديد يفِد، من أجل أن يحصِّنوا عقيدة المسلمين، ويردُّوا عنهم كلّ ما يعكِّر عليهم صفاء عقيدتهم، أو يزعزع ثقتهم بدينهم. وذلك من خلال دراسة كلّ ما يفد ونقده بالمعايير العلمية، والموازين المنطقية، لبيان النافع فيه من الفاسد، ليأخذ الناس ما يأخذون منها بعد ذلك عن بيِّنة، وليتركوا ما يتركون عن بيِّنة.
      ومن ذلك نظريات التطوُّر فقد قام بنقدها، وكشف زيفها، وقد استعان في ذلك بكلام المتخصِّصين في علم الأحياء. وقد كتب نقده هذا في كتابيه كبرى اليقينيّات الكونية، والعقيدة الإسلامية والفكر المعاصر.
   وإن صراعه مع أصحاب الفكر العلماني، ونقده العلمي لآرائهم ودعاواهم لا يزال مستمرّاً، فهو يتابع آراءهم وينتقدها في كلّ مناسبة، وكتبه – في الغالب - ردود على أصحاب الاتّجاه العلماني. فـ ( فقه السيرة النبوية، وهذه مشكلاتهم، وحوار حول مشكلات حضارية، والمرأة بين طغيان النظام الغربي ولطائف التشريع الربّاني، وقضايا ساخنة)نماذج لردوده القويّة عليهم.
  وقد غدا اليوم الموجِّه الفكري الأبرز، والمرجع العلمي الأول في دمشق، بل في سورية كلِّها، وصار هو اللِّسان الناطق باسم أهل العلم، والمنافح الأول عن الدين وحقائقه فيها.
    بل إن تأثيره قد تجاوز حدود بلده وامتدّ إلى شرق العالم الإسلامي وغربه، فصارت كتبه تدرّس في الجامعات والمعاهد العلمية في مختلف الأمصار والأقطار، من اليابان وماليزيا إلى المغرب العربي .
       على أن هناك شيئاً خفياً، هو سبب هذا الألق، الذي يبدو في عمله في إبراز الحقيقة، ذلك هو الدفء، بل الحرارة المتّقدة التي ينطوي عليها قلبه، و لواعج الحب التي تضطرم في فؤاده، وهي علامة على حياة القلب وقوّة الروح، إذ تجد كلامه في عرض الحقائق، مغموساً بهذه الروح، ومشحوناً بطاقة غير عادية تفعل في النفس فعلها العجيب، فلا تكاد تقرأ سطراً ممّا يكتب، أو تسمع جملة ممّا يقول، إلا وتلمس فيها هذه السِّمة. وكأن المادة التي صيغ منها وجوده كلّه قد عجنت بهذه الروح وامتزجت بها، فصار كل ما يصدر عنها حاملاً لخصائصها وسماتها.
    كان والده يعلم، وعلَّم ابنه كذلك أن السبيل إلى النجاح في مجال العمل الإسلامي والدّعوة إلى الله، يتطلّب أمرين اثنين، هما رأسمال الدّاعية، وهما العلم والحبّ، أو العقل والقلب، وقد تربىّ الأستاذ على الاثنين معاً، فقد تمكّن في العلم، وتشرّب فؤاده هذا الحب، فكان العلم بمثابة الجسد، وكان الحبّ بمثابة الرُّوح التي تسكب فيه فتبثّ فيه الحركة والتأثير، وتعينه على اختراق المصاعب، والوصول إلى فتح مغاليق القلوب.
     وتجد الأستاذ يكرِّر في كتاباته وفي دروسه – وربّما تراه ينقل هذا عن والده- يقول:"إن المركب لا يسير بعجلة واحدة، بل لابدّ له من عجلتين"أو أن الطَّير لا يحلِّق بجناح واحد، بل لا بدّ له من جناحين؛ فالعلم جناح، والتزكية هي الجناح الآخر الذي يكفل للداعية أن يحلِّق.
    وإن الأستاذ ليحرص أن يذكّر طلبة العلم، والمنتسبين إلى دوحته ،على ضرورة الإكثار من مطالعة كتب الرقائق، كالرسالة القشيرية والإحياء وقوت القلوب لأبي طالب المكّي، ويؤكِّد على ضرورة التزام المسلمين جميعاً بالأوراد والأذكار، وخاصّة الدُّعاة وأهل العلم، لأن الإسلام علم وعاطفة، وعقل وقلب، وجسد وروح، وكما أن الطائر لا يطير بجناح واحد، والمركب لا يسير بعجلة واحدة؛ فكذلك الإسلام الحقيقي لا يكون إلا بالعلم الذي هو غذاء العقل والفكر، والذكر الذي هو غذاء الروح، وحياة القلب.
أخيرا: لقد شهد أهل العلم وطلبته الذين صحبوا شيخنا البوطي وتلقوا عنه – ومنهم كاتب هذه الترجمة – أنه حفظه الله – ببيانه وأسلوبه وسلوكه - من الذين تُحفر أسماؤهم في قلوب الناس وتستولي على ضمائرهم وعقولهم، ويصبحون ملء مشاعر الناس ووجدانهم، ويتباهى بهم التاريخ، ويفتخر بهم إذ تتألّق أسماؤهم في سمائه كالنجوم التي يهتدي بها السائرون في بيداء الحياة المظلمة، وكالمصابيح التي يستضيء بها الساري فتضيء له بين يديه، وتبصِّره بمنعرجات الطريق. هؤلاء هم المجدِّدون الذين يجدِّدون للناس عقولهم ويزيلون ما علق بها من الغواشي والأوهام، ثم يجلون مرايا عقولهم ويزيلون ما علق بها من الصدأ ويحلِّقون بها في سماء المعرفة، وهؤلاء هم شموس القلوب التي هي أسطع ضياء وأبهى جمالاً و أسنى كمالاً من الشمس في رائعة النهار. وهؤلاء هم المجدِّدون الذين لا يخلق ذكرهم على توالي السنون وتعاقب الأعصار.
المصادر :
- الأستاذ السعيد، د. محمد جنيد الديرشوي. [ لم يطبع ] .
- موقع الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي.
www.bouti.com/
- ويكيبيديا، الموسوعة الحرة .
 
منقول
 
 

 
  •