مشكلتك ليست هنا


|||عدد مرات المشاهدة4096 زيارة|عدد مرات الطباعة1 طباعة|0 تعليق

كاتب المقال: د. محمّد أيمن الجمّال

 

مخالفي أخي والواجب عليّ أن أتعامل معه بإحدى طريقتي التعامل إمّا بأن أراعيَ خلافه أو أنكر عليه.

 

لكن ليس من المطلوب منّي أن أقنعه بمذهب (أو رأي) فقيه آخر.

 

ليس من المطلوب أن أحمل الناس على رأي يحتمل الصواب والخطأ.

 

وإن رأيتُ أنّ أدلّتي أقوى فأخي كذلك يرى أنّ أدلّته أقوى.

 

وإن رأيتُ أنّ العالِـمَ الذي أتّبعه أفضل أو أتقى أو أعلم من العالم الذي يقلّده أخي فلا يجب تقليد الأفضل باتّفاق العلماء، بل يجوز تقليد المفضول مع وجود الأفضل، فلا يحقّ لي أن أنكر على أخي اختياره اتّباع ذلك العالم أيًّا كان بلدُهُ أو رأيُهُ.

 

إذا كنتُ مقتنعًا بفكرة توحيد الأمّة وأرى أنّه واجب الوقت، فهذا لا يعني أن ألزِمَ الناسَ بقولي ومنهجي، بل يعني أن أتنازل لهم في سبيل تحقيق تلك الوحدة.

 

على أنّ توحيد الأمّة لا يكون بتوحيد فكرها، ولا بتوحيد آرائها الفقهيّة، واجتهاداتها النظريّة، ولا يكون أيضًا بتوحيد آرائها الاعتقاديّة التي اختلف فيها العلماء قديمًا وحديثًا، واختلف فيها السلف والخلف، فهذه كانت من مسائل الخلاف وستبقى على مرّ التاريخ، بل يكون بتوحيد اتّجاهها، وتوحيد قلوبها، وتوحيد أولويّاتها.

 

وإن كنتُ سأنكر على أخي لكون قولِهِ ضعيف المأخذ، أو لكونه قولاً يُخالف الإجماع فيجب أن أتحلّى بآداب الإنكار وشروطه.

 

فلا يصحّ إنكار الرأي الفقهيّ المخالف، وإن كان مأخذه ضعيفًا إذا كان الإنكار سيؤدّي إلى ما هو أشدّ منه.

 

ولا بدّ أن يكون الإنكار بالكلمة الطيّبة والقول الحسن فقد أمر الله تعالى نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم بها في معرض حديثه عن مناقشة الكفّار والمشركين؛ فقال تعالى: (دْعُ إِلَى? سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ? وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ? إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ? وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (سورة النحل: 125).

 

وفي نهاية الآية السابقة إشارة مهمّة إلى عدم نسبة الفلاح للنفس، وعدم الإيقان بالهداية، وعدم القطع بالضلال لمن تُنكر عليه، وعدم نسبته إلى البدعة أو الفسق، فقولُهُ الذي يقولُهُ هو قول علماء كبار في الغالب، وهو مجرّد ناقل، فنسبتُهُ إلى البدعة أو الضلالة هو اتّهامٌ لأولئك العلماء بها، وليس اتّهامًا لأخيك الناقل له فحسب.

 

وفي نسبة الهداية لنفسك، والظنّ بأنّك الناجي دونَهُ تزكية للنفس نهى الله سبحانه عنها حين قال: (فلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (سورة النجم: 32).

 

ولا ينبغي لك أن تنسب مخالفك إلى الكذب أو الضلال لتكون أنت على حقّ، أو يكون قولك أولى بالاتّباع، بل قد يكون الأدب مع مخالفك، والتأنّي في طرح الموضوع أدعى للإقناع.

 

ولا حاجة لرفع الصوت أكثر ممّا يحتاج إليه سامعك، فإنّ هذا من الإيذاء الذي لا ينبغي، وهو نوعٌ من التسلّط لا ترضاه لنفسك فلا ينبغي أن ترضاه على غيرك أيضًا.

 

ومن المطلوب أن تعرف قبل الإنكار أنّ المسألة التي تُنكر فيها ليست مسألة اجتهاديّة خلافيّة بين العلماء، فما كان كذلك لا يجوز الإنكار فيه أصلاً.

 

ومن القواعد التي ينبغي لطالب العلم أن يأخذ بها: التعاون مع غيره من طلاب العلم فيما يتّفقون عليه، وأن يعذر أحدهم مخالفَهُ ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فالتماسُ الأعذارِ سُنّة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهو أولى بالمسلم من تفريق الصف وإيغار الصدور وتنمية العداوة.

 

إنّ مشكلتك الحقيقيّة ليست مع مخالفك في الرأي الفقهيّ أو الاعتقاديّ الفرعيّ، الذي لا تعتقد فيه إلاّ الإخلاص، وإرادة وجه الله تعالى، وسعيَهُ إلى تطبيق أوامره، واجتهادَهُ في فعل الأتقى لله تعالى، وهم أكثر من تخالفهم، بل مشكلتك في الذي يُخالفك في دينك ويعمل لردّك عنه، ويسعى لإبعاد الناس عن الله تعالى بالإفساد في الأرض، فهذا أولى أن تُصرف الطاقات في جهادِهِ، وأن تُجيّش أدلّتك لردّه عن إفساده وعدوانه.

 

مشكلتك ليست مع من يأخذ بقولٍ معتبرٍ عند السلف أو الخلف في مسألة من المسائل، بل مع من يُنكر قول السلف والخلف، ويرى أنّ الدين كلّه مجرّد أكاذيب وافتراءات.

 

مشكلتك ليست مع من يُثبت الهلال بقول واحدٍ من الأئمّة، بل مع من لا يصوم رمضان أصلاً ولا يُثبتُ له حرمة.

 

مشكلتك ليست مع من يضع يديه في أعلى صدره أو أسفل بطنه، إنّما مشكلتك مع من يُفجّر المسجد، أو مع من يُكفر المصلّين ويحكم بردّتهم.

 

واقعنا يفرض علينا أن نتقبّل من نعتقد أنّه يريد لنا الصلاح ولأمّتنا الإصلاح، فلا نعترض عليه ما دام لقوله دليل أو حجّة، أمّا من يُريد لنفسِهِ دون الأمّة صلاحًا في الحال والمآل، ومن يسعى للانتقام من الأمّة كلّها بعد تضليلها وتبديعها وتفسيقها؛ فهذا ينبغي الوقوف في وجه أفكاره والردّ عليها ومناقشتها بالحجّة والبرهان والدليل.

 

إنّنا لا نتعامل مع المخالفين لنا من المتربّصين بالأمّة شرًّا من العلمانيين والطغاة والبغاة كما نتعامل مع إخواننا المخالفين لنا، فحقّ إخواننا أن نعذرهم، وحقّ أولئك أن ننكر عليهم وأن نمنعهم عن باطلهم وغيّهم، كما أنّ المتربّصين بالأمّة شرًّا يُخالفوننا في أصولنا وثوابتنا، ويُريدون نقض عرى الإسلام عروة عروة؛ فكيف نعاملهم كما نُعامل من نثق بدينه وتقواه، لكننا نراه قد أخطأ الطريق، وزلّ عن جادّة الصواب؟