التولي يوم الزحف


|||عدد مرات المشاهدة102 زيارة|0 تعليق

كاتب المقال: الشيخ عبد الوهاب خلاف

 

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا يا رسول الله: وما هنَّ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حَرَّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) [البخاري 2766 ، مسلم 145].

في هذا الوقت الذي تزحف فيه الجيوش العربيَّة في أرض فلسطين، لتدفع الظلم والعدوان عن عرب فلسطين، وتستردَّ بلادهم المغصوبة وحقوقهم المسلوبة، أرى حقاً عليَّ أن أشرح هذا الحديث النبوي الكريم، الذي بيَّن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات الجرائم وأكبر المهلكات، وعدَّ منها التولي يوم الزحف، لننبه المسلمين إلى ما أراده الرسول صلى الله عليه وسلم بالتولي يوم الزحف، وإلى حكم الإسلام في التولي يوم الزحف.

وأصل معنى الزحف: السير البطيء على الركبتين، وتسميه العامة السَّحف، والمراد به هنا زحف الجيوش الكثيرة المتراصَّة للقاء عدوهم، كأنهم لكثرتهم وتجمعهم يَزحفون، ومنه قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ] {الأنفال:15}.

وأصل معنى التولي يوم الزحف: الفرار من القتال وإعطاء الجندي ظهره للعدو، ومنه قوله تعالى: [وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ] {الأنفال:16}. والمراد به هنا الإعراض عن معاونة الجيوش الزاحفة، وعن شدِّ أزرهم في كل ما يحتاجون إليه.

فالجندي في ميدان القتال إذا فرَّ من وجه العدو وولاه ظهره، فقد تولَّى يومَ الزحف، والقادر على أن يَنتظم في سلك الجنود ويقف في وجه العدو مع المقاتلين إذا جَبُن ولم يتقدَّم، فقد تولى يوم الزحف.

ومن استطاع أن يجهِّز جندياً بسلاحه ولم يفعلْ، أو استطاع أن يُواسي الجنود بطِبِّه وعلمه ولم يقمْ بما يستطيعه، أو قدر على أن يعين الجند بعلمه أو بماله أو نجدته ولم يفعل، وكل من استطاع أن يساهم بمجهود لمؤازرة الجيوش الزاحفة ومُعاونتهم لينتصروا على عدوهم، ولم يقم بما يستطيعه، فهو في حكم من تولى يوم الزحف، لأنَّه أعرض عن القيام بواجب فيه معونة للجيوش على القتال.

والثبات في وجه العدو، والنصر على العدو، أسبابه عديدة، ووسائله كثيرة، منها ما هو في ميدان القتال، ومنها ما هو في خارج الميدان، فكل من باشر سبباً من أسباب النصر، أو مهَّد وسيلة من وسائله، فهو جُندي مجاهد، وكل من قصَّر في واجب في ميدان القتال أو في خارجه فهو مُتولٍّ ومُعرض يوم الزحف، وربما كان جهاد الذين في خارج الميدان أعون على النصر من جهاد من في الميدان، وربما كان تقصير من في خارج الميدان أشد خطراً وضرراً من تقصير مَن في الميدان.

فالجهاد يشملُ كلَّ عَون على النصر في أي مرحلة، والتولي يشمل كلَّ إعراض عن القيام بما يقتضيه النصر في أي مرحلة.

وعلى هذا يجب أن يُفهم كل ما ورد في القرآن والسنة من الحثِّ على الجهاد، وكل ما ورد فيهما من النهي عن التولي يوم الزحف، ويؤيد هذا ما رواه زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا) [أخرجه البخاري ومسلم].

بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ التولي يوم الزحف من أمهات المحرَّمات، ودلَّ على ذلك صلى الله عليه وسلم ما بعده من الموبقات، أي: المهلكات المدمرات، وقرْنه بالشرك والسحر، وقتل النفس بغير حق، وأكبر الآثام والكبائر. 

وقد عدَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث سبعَ جرائم، وسمَّاها السبع الموبقات، وليست الجرائم المهلكات هي هذه السبع وحدَها، بل توجد عدة جرائم أخرى، هي جرائم مهلكات، ولكن هذه السبع هي أمهات المهلكات، وكل جريمة منها إثم كلي تندرج تحته أفراد من الجرائم، وكل جريمة منها جرثومة تنتشر منها عدة مُوبقات، وسأبيِّن الحكمة البالغة والغاية السامية التي قصد إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدِّ هذه السبع، والسر في وصفها بأنَّها المهلكات.

من المتَّفق عليه بين العلماء أنَّ كلَّ أمة لها ضروريات لا تقوم حياتها إلا بها، وحاجيات لا تسهل حياتها ولا يَرتفع عنها الحرج إلا بها، وكماليات لا تجمل حياتها ولا تحسن إلا بها.

وقد قرَّروا أنَّ الإخلال بضروري من ضروريات الأمَّة يخلُّ بحياتها ويؤدي بها على أن تعمَّها الفوضى ويسودها الهرج؛ وأنَّ الإخلال بحاجِيٍّ من حاجيَّات الأمة يخل بيسر حياتها ويؤدي بها إلى العسر والحرج، وأنَّ الإخلال بكماليٍّ من كماليات الأمَّة يذهب بجمال حياتها، ويجعلها في نظر ذوي العقول السليمة حياة غير كاملة.

واتفقوا على أنَّ الضروري لكل أمَّة حفظ أمور خمسة: الدين، والنفس، والمال، والعقل، والعرض، فحفظ كل واحد من هذه الخمس واجب حَتْمٌ في كلِّ أمة، لأنَّه حفظ ضروري من ضرورياتها، وتضييع كلِّ واحد من هذه الخمسة محرَّم من أكبر الكبائر؛ لأنَّه تضييع لضروري من ضروريات الأمَّة، وفي تضييعه إخلال بحياة الأمَّة.

ومن أنعم النظر في السبع الموبقات التي عدَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الصحيح، يتبيَّن أنَّها جرائم تخلُّ بضروريات الأمَّة وبحياتها، ويفهم السر في أنَّه صلى الله عليه وسلم سمَّاها المهلكات، لأنَّها تخلُّ بحياة الأمَّة فهي مُهْلكة للأفراد والجماعات.

فالشرك بالله هدم لأساس الدين وهو التوحيد، والمشرك لا دينَ له، ولا تتحقَّق مع الشرك عقيدة صحيحة، ولهذا سمَّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أحاديثه أكبر الكبائر، ووصفه الله تعالى أنَّه ظلمٌ عظيم، وقال سبحانه: [إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ] {النساء:116}.

والتولي يوم الزحف جُبْنٌ عن حماية الدين والمتدينين، وأي دين وأي قانون وأي حق لابدَّ له من قوَّة تدفع عنه عدوان أعدائه، وتزيل العقبات من طريق نشره والدعوة له، وبغير هذه القوَّة يكون الدين والحق عرضة للخطر والضياع؛ لأنَّ كل دين له أعداء، فإن لم توجد القوَّة التي تحميه من أعدائه قَضَوا عليه وعلى من دَانوا به.

فالأمر باجتناب الشرك غايته حفظ أساس الدين وهو التوحيد.

والأمر باجتناب التولي يوم الزحف غايته المحافظة على الدين والمتدينين، بحمايتهم ودفع العدوان عليهم، فمرجع هذين إلى حفظ الضروري الأول من ضروريات الأمة وهو الدين.

وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق يخلُّ بالأمن، ويُهدِّد حياة الناس، ولهذا قال تعالى: [وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] {البقرة:179}. وقال عزَّ شأنه: [مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا] {المائدة:32}.

ويكون قتل النفس بحق في حالتين: إحداهما أن تقتل قصاصاً أو حدَّاً، وثانيتهما أن تقتل دفاعاً عن نفس أو عِرْض أو مال.

فالأمر باجتناب قتل النفس بغير حق غايته كفالة الأمن على النفوس، ومرجعه إلى حفظ الضروري الثاني للأمة وهو حياة الأفراد.

وأكل الربا، وأكل مال اليتيم فيهما اعتداء على مال الغير وأكله بالباطل، فالأمر باجتنابهما يَرجع إلى حفظ الضروري الثالث من ضروريات الأمة وهو المال، سوءاً أكان مال ضعيف كاليتيم أو مال غيره.

والأمر باجتناب السحر مَرجعه إلى حفظ العقل وحفظ الدين؛ لأنَّ السحر إذا كان ضرباً من الشعوذة وخِفَّة اليد والتفنُّن في الاحتيال، فهذا يخشى منه على العقل؛ لأنَّه يحدث اضطراباً في الأعصاب، ولهذا زعم المشركون أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل مسحور، وإذا كان ضرباً من استخدام شياطين الجنِّ بأنواع من الرياضات الشيطانية فهذا يخشى منه على الدين، لأنَّه يؤدي إلى زلزلة العقيدة وضعف الإيمان بالأسباب والمسببات والركون إلى هذا الجانب الخيالي من التصرُّفات.

والأمر باجتناب قذف المحصنات المؤمنات الغافلات، أي: رمي العفيفات واتهامهنَّ بالزنا، مَرجعه إلى حفظ العرض، وإذا كان الاتهام بالزنا من الموبقات، فأولى أن يكون الزنا نفسه من الموبقات.

هذه هي الموبقات السبع التي عدَّها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، والأمر باجتنابها هو أمر بحفظ ضروريات الأمة، وكل جريمة منها فيها إخلال بضروري من ضروريات الأمة، وهذا هو السر في أنَّه صلى الله عليه وسلم عدَّها الموبقات.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

المصدر: (مجلة لواء الإسلام، العدد 12، السنة الأول، شعبان 1367، يوليو 1948).