وجوه إعجاز القرآن الكريم


|||عدد مرات المشاهدة233 زيارة|0 تعليق

كاتب المقال: العلامة عبد الوهاب خلاف

 

لا يستطيعُ أي باحث مهما أوتي من العلم أن يحصي الوجوه والنواحي التي من أجلها عجز الناس عن أن يَأتوا بمثل هذا القرآن؛ لأنَّ وجوه إعجاز القرآن إنَّما أحاط علماً بها من أنزله، وليس في استطاعة إنسان أن يحيط علماً بما أحاطَ الله تعالى علماً به.

وغاية ما يَستطيع الباحث أن يعدَّه من وجوه إعجاز القرآن الكريم، الوجوه التي أشار إليها القرآن نفسه، وقد أشارَ القرآن الكريم إلى عِدَّة وجوه للإعجاز، بعضها علميَّة، وبعضها لفظيَّة، وبعضها روحيَّة، وبعضها تشريعيَّة.

فليس إعجاز القرآن الكريم من ناحية تقريره حقائق علميَّة ما كان للبشر علم بها فقط، ولا من ناحية قصصه عن أمم بَادت فقط، ولا من ناحية فصاحة ألفاظه وبلاغة أساليبه فقط، ولا من ناحية اتساق تشريعه واتفاق أحكامه ومَبادئه فقط، وإنَّما إعجازه من جميع هذه النواحي مُتعاونة ومُتساندة، وكلما زاد التدبُّر في آياته تجلَّت نواحٍ من نواحي إعجازه، وكلما فكَّر المنصف في أنَّ هذا القرآن المشتمل على هذه الحقائق العلميَّة الكونيَّة، وهذا التاريخ الحق، وهذا التشريع المتسق الحكيم، نطق به لسان أمي لم يقرأ ولم يكتب نشأ في بيئة أُمِّيَّة لا علم فيها ولا تعلم، زاد إيماناً بأنَّه من عند الله تعالى، وأنَّه فوق قُدرة البشر.

فمن نواحي إعجازِ القرآن الكريم أنَّه في مقام إقامة البرهان على وجود الله تعالى ووحدانيَّتِه وقدرته، وفي مَقام تذكير الناس بنعمه عليهم ورحمته بهم، ذكر سنناً كونيَّة، وحقائق علميَّة، ونواميس خلقية ما كان لأحد من البشر علم بها، وكلما تقدم العلم والبحث كشف حقيقتها وبرهن على صِحَّتها، ودلَّ على أنَّ تقريرها منذ ثلاثة عشر قرناً إنَّما كان من لدن خالق الكون العليم بنواميسه وسننه الخبير بأسراره.

اقرأ قوله تعالى في سورة النمل في الاستدلال على قدرة الله تعالى: [وَتَرَى الجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ] {النمل:88}. 

وقوله سبحانه: [أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ] {الأنبياء:30}. 

وقوله: [مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ] {الرَّحمن:19-20}. 

وقوله: [وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ(12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ(13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ(14)]. {المؤمنون}..

فمن أين للنبيِّ الأمي صلى الله عليه وسلم أن يَعرف أطوارَ الجنين في بطن أمِّه، وأنَّ عنصر الماء عنصر كل حيٍّ، وأنَّ الأرض كانت جزءاً من كوكب الشمس وانفصلت منه، وأنَّ الأرض مُتحركة تسير سير السحاب؟

أليس هذا برهان على أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم ما نطق بهذا عن الهوى، وما هو إلا وحي يوحى إليه من لدن حكيم خبير؟ وإلى هذا الوجه من وجود الإعجاز أشار سبحانه بقوله: [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ] {فصِّلت:53}.

ومن وجوه إعجازه أنَّه في مقام حَثِّ الناس على الاتعاظ والاعتبار قصَّ قصص أمم بادت ولا أثر لها ولا مَعَالم تدلُّ على أخبارها، فقصَّ قصص آدم ونوح وهود وصالح صلى الله عليهم وسلم، وما كان بينهم وبين أممهم، وأخبر عن حادثات مُستقبلة لما يعلم بها أحد، فقصَّ أنَّ الروم ستُغلب ثم تَغلب، وأنَّ المسلمين يَدخلون المسجد الحرام إن شاء الله آمنين.

فمن أين لهذا النبي الأميِّ في بيئة الأُمِّيِّين أن يعرف تاريخ من بَادوا وبادت آثارُهم، وأن يعرف ما هو آت؟ أليس في هذا برهان على أنَّه بلَّغ ما أُنزل إليه من ربِّه العليم بما مَضَى وما هو آت؟ وإلى هذا الوجه من وجوه الإعجاز أشارَ الله سبحانه بقوله: [تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ] {هود:49}.

ومن وجوه إعجازه أنَّه تكوَّن من ستة آلاف آية، وعبَّر عن معانٍ مختلفة في موضوعات مُتعدِّدة، وقصد إلى أهداف كثيرة في إصلاح العقيدة، وفي تهذيب النفوس، وفي تقنين الأحكام، وعبَّر في كل هذا بشتى العبارات وأنواع الأساليب، ولا يُوجد في عبارته اختلاف بين بعضها وبعض، فليس أسلوب بعض آياته بَليغاً وأسلوب بعضها غير بليغ، وليس بعض مُفرداته فصيحاً وبعضها غير فصيح، بل كل أسلوب من أساليبه مُطابق لمقتضى الحال التي ورد فيها، وكل لفظ في موضعه الذي يَنبغي أن يكون فيه.

وكما لا يوجد في عباراتِه اختلاف، لا يُوجد بين معانيه وأحكامه ومَبادئه تناقض أو تَعارض أو أي اختلاف، فهو مُتَّسق في ألفاظه وعباراتِه، ومُتَّسق في مَعانيه وأحكامه ومبادئه ونظرياته.

فمن أين لأمي أو مُتعلِّم مهما أوتي من العلم أن يكوِّن ستة آلاف آية بهذا الاتساق والاتفاق؟

إنَّ في ذلك لآية على أنَّه تنزيل من حكيم حميد، وإلى هذا الوجه من وجوه الإعجاز أشار الله سبحانه بقوله: [أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا] {النساء:82}.

ومن نواحي إعجازه قوة تأثيره في النفوس، وسلطانه الروحي، فالمتدبِّر في آياته يَزيد إيماناً على إيمانه، وكم فاضت دموع واقشعرَّت جلود من سماع آياته، وهذه قوَّة روحيَّة لا توجد في كلام بشر مهما كان.

وإلى هذا أشار الله سبحانه بقوله: [اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ] {الزُّمر:23}.

ومن نواحي إعجازه بلاغته، وفصاحته، وحسن تَشبيهاته، وصدق أمثاله، ولهذا لا تبلى جِدته ولا يملُّ سماعه، وها هو يُتْلى منذ قرون، وكلما سمعه السامع تأثَّر، وذاق منه حلاوة، وقد شهد له بهذا ألدُّ أعدائه، فقد قال الوليد بن المغيرة: إنَّ له لحلاوة، وإنَّ عليه لطلاوة، وإنَّ أسفله لمغدق، وإنَّ أعلاه لمثمر، ما يقول هذا بشر!

وأختتم كلمتي بما بدأتُ به: وهو أنَّ هذه الوجوه التي ذكرتُها ليست إلا قَبَساً من نور القرآن الوهَّاج، وليست إلا قطرة من غيثه الفيَّاض، والمؤمن المنصف يزيده الله نوراً على نور، والمتعسِّف يَذوق المرارةَ في الحلو، ويَعمى عن الإبصار في ضَحْوة النَّهار، والله يَهْدي من يشاء.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

المصدر: (مجلة لواء الإسلام، العدد الثامن، المجلد الثالث، ربيع ثاني 1369 يناير 1950).