الفاتح الذي اشتقنا لعودة أيامه -1-


|||عدد مرات المشاهدة141 زيارة|0 تعليق

كاتب المقال: الأستاذ أحمد عبد الحميد عبد الحق

 

في مدينة أدرنة ، إحدى محافظات تركيا ، وفي الليلة التي تعّود المسلمون أن يحتفلوا فيها بذكرى الإسراء والمعراج ، أي في مساء السادس والعشرين من شهر رجب عام 833 هـ الموافق 20 أبريل عام1429 م هلّت البشرى بميلاد محمد بن مراد بن محمد بن بايزيد ، سابع السلاطين العثمانيين وفاتح مدينة القسطنطينية ، الملقب بمحمد الفاتح أو أبي الفتوح ..

هذا الطفل الذي نال بميلاده بركة ليلة الإسراء والمعراج ، ونال أيضا شرف موافقة اليوم الذي وُلد فيه النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي حدد بالعشرين من شهر أبريل عام 571 م ، فكان ذلك فألا حسنا للأمة الإسلامية ، واستبشارا  بنصر ومجد ينتظرها.. 

 وقد فرح أبوه مراد الثاني بميلاده فرحا شديدا ، وشاركه في الفرحة سائر أهل بيته ، وسائر أفراد سلطنته رجالا ونساء ، صغارا وكبارا ..

 وأقام مراد الثاني شكرا لله الموائد لإطعام الفقراء والمساكين في مدينة أدرنة ، ووزع العطايا والهدايا على رجال دولته ، وفعل مثل ذلك يوم ختنه .. 

وفي رحاب ( أدرنة ) التي ظلت عاصمة للدولة العثمانية قرابة 100 عام ، وامتلأت بشتى مظاهر الحضارة والعمران وفنون المعرفة ، ومباهج الحياة ، وبين قصور السلاطين التي كانت تشبه المدن في سعتها ، نشأ محمد الفاتح ، حيث تعهده والده ـ رغم مشاغله التي لا تحصى ـ  واهتم بتنشئته وتربيته تنشئة إسلامية خالصة ، بدأت باختيار اسم محمد له تيمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولما بلغ سن الإدراك أحضر له المربين والمعلمين من خيرة أساتذة عصره ..

ولما لاحظ أبوه أنه بدأ يميل إلى الترفيه بعد أن تجاوز العاشرة من عمره ، ويسعى لأن يعيش معيشة أولاد الملوك التي يغلب عليها اللهو ، وأنه لا ينصاع لأوامر شيوخه المربين ، ويتدلل عليهم كما يتدلل أولاد العظماء على معلميهم ، بحث له عن شيخ حازم مهيب ، يغلظ له عند الحاجة إلى ذلك ، عملا بالقاعدة " ومن كان راحما فليقس أحيانا " خاصة بعد أن لاحظ أنه بدأ يتعثر في إتمام حفظ القرآن الكريم ، فدُل على الملا شهاب الدين أحمد بن إسماعيل الكوراني الحنفي الشافعي ( وكان رجلا ضخم البنية ، قوي العضلات ، كردي الأصل ، تنقل بين بلاد فارس والشام ، واستقر به المقام في مصر حتى صار من مشايخها ؛ لكنه اضطر إلى ترك مصر بعد أن حدثت مشادات بينه وبين بعض قضاتها ، ورحل إلى حاضرة الدولة العثمانية التي كانت تستقطب العلماء من كل مكان ، وهناك علا صيته بين الناس ، وتسابق الأثرياء في دعوته لتعليم وتربية أبنائهم ) فأرسل إليه يأمره بالمثول أمامه ، فلما جاءه ورأى فيه الحزم عهد إليه بأن يلزم محمدا حتى يتم حفظ القرآن الكريم ، وسمح له بالاشتداد في معاملته عند الحاجة إلى ذلك ، بل أعطاه عصا كبيرة ليؤدبه بها إذا ما احتاج للتأديب  ..

فاصطحب الشيخ عصاته ودخل على الصبي ، وما أن جلس إليه حتى قال له : إن أباك أرسلني إليك للتعليم وللضرب إن خالفت أمري ، فسخر الصبي لما سمعا كلمة " الضرب " وهو لم يجربه من أحد من قبل حتى من والده ووالدته ، وارتفع صوته بالضحك ، وأخذ يردد للضرب ، فانهال عليه شهاب الدين بعصاته دون سابق إنذار أو تحذير ، فارتاع الصبي لذلك ، ولم يجرؤ بعدها على التلكؤ في تنفيذ أوامر شيخه ، وما هي إلا شهور معدودة حتى أتم حفظ القرآن الكريم ، وأجاد ترتيله ..

ثم تبدلت المعاملة بينه وبين شيخه شهاب الدين فصار مطيعا له ، ليس رهبة منه ، وإنما حبا فيه وتقديرا له ، ولزمه حتى تولى السلطنة فصار من رجاله المقربين ، وعهد إليه بتولي منصب القضاء ، ثم منصب الإفتاء .

وصار هذا الشيخ ذا سلطة كبيرة في الدولة ، ومن المستشارين الكبار بها ؛ حتى إنه كان يعترض على الأوامر التي يصدرها السلطان أحيانا إذا وجد فيها مخالفة للشرع ، وكان لا ينحنى له عند الدخول عليه ، ويخاطبه باسمه مباشرة ويصافحه ، ولا يقبل يده كما يفعل كل من يدخل عليه ..

ولم تقتصر بعد ذلك هيبة الصبي محمد  على شيخه شهاب الدين فقط ، وإنما صار يخضع لكل من أراد أن يؤدبه من باقي مشايخه ، وامتد احترامه وتقديره ليشمل سائر العلماء ، من يعرفهم ومن لا يعرفهم ، وربما عوقب من بعض شيوخه فلم يسأل عن سبب العقاب ، فلقد استدعاه يوما شيخه آق شمس الدين ( الذي كان أبوه قد عينه له ليدرس له مادة الأخلاق والتزكية لما عرف عنه من صلاح وتقوى ) ثم قام بضربه ضرباً شديداً بلا سبب حتى بكى بشدة ، فلم يسأله عن سبب ضربه ، وإن ظل يتذكر تلك الواقعة حتى تولى السلطنة في حياة أبيه فاستدعاه وسأله : لمَ ضربتني يوم كذا ، ولم أكن قد فعلت ما استحق عليه الضرب ؟ فقال له الشيخ : أردت أن أعلمك كيف يكون طعم الظلم ، وكيف ينام المظلوم حتى إذا وليت الأمر لا تظلم أحداً ، فما كان منه إلا أن اعتذر له ، وقبل رأسه ويده ..

 وتوثقت صلة الصبي بشيخه آق شمس الدين أيضا كما توثقت صلته بشهاب الدين ، واستطاع هذا الشيخ غرس حب الجهاد في قلبه من خلال ذكر الأحاديث والآثار التي تبين فضله ومنزلته ، وصار يحضه على أن يعمل لأن يكون الأمير المقصود بالحديث النبوي " لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش " ..   

وإلى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله .

المصدر : موقع التاريخ