الفاتح الذي اشتقنا لعودة أيامه -2-


|||عدد مرات المشاهدة151 زيارة|0 تعليق

كاتب المقال: د. أحمد عبد الحميد عبد الحق

 

انتهى بنا الحديث في الحلقة السابقة عند توثيق صلة محمد الفاتح بشيخه آق شمس الدين أيضا كما توثقت صلته بشهاب الدين ، واستطاع هذا الشيخ غرس حب الجهاد في قلبه من خلال ذكر الأحاديث والآثار التي تبين فضله ومنزلته ، وصار يحضه على أن يعمل لأن يكون الأمير المقصود بالحديث النبوي " لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش " ..  

ونكمل الحديث اليوم فنقول : إن مراد الثاني والد محمد الفاتح لم يكتف بتزويد ابنه بالعلوم الدينية فقط ، وإنما حرص على أن يجعل ثقافته متنوعة ، فجلب له العلماء المتخصصين في الرياضيات والجغرافيا والفلك والتاريخ ، واللغة العربية والفارسية واللاتينية والإغريقية ، وصار هؤلاء العلماء يتعاقبون في الدخول عليه ، كلما خرج شيخ دخل آخر ، وهو يجلس إلى كل واحد جلسة المتأدب ، حتى حذق كل الفنون التي راجت في عصره ، وأتقن اللغات العربية والفارسية واللاتينية والإغريقية ؛ إضافة إلى لغته التركية ، كما أجاد اللغات المحلية للشعوب التي خضعت لدولته ؛ ليستطيع أن يخاطب بها أفراد رعيته عند الحاجة .

ومن أبرز هؤلاء العلماء ابن تمجيد ، خواجه زاده ، وسنان باشا ، والمولى زيرك .

كما حرص أبوه على تنشئته على حب الفروسية والشجاعة والإقدام ، تلك الصفات التي تولى هو غرسها في نفس صبيه ، في أوقات راحته وفسحه ، إذ لم يكن بين الناس من يضاهيه فيها في عصره  ..

فكان كثيرا ما يخرج إلى ساحات صيده والأماكن المخصصة لرياضته ومعه الصبي ليشاهده في حله وترحاله ويتأسى به ، وربما أوكل إليه بعض الجنود من حراسه فمارس معهم الرياضة التي تقوي بدنه ، وتكسبه المهارة في القتال ، والسرعة في الحركة ، والانقضاض على عدوه ..

بل وأكثر من ذلك صار يصطحبه هو وأخاه علاء الذي كان قد بلغ مبلغ الشباب ، وصار قادرا على حمل السلاح في حروبه التي اعتاد أن يخوض غمارها. 

وكذلك كانت أمه تأخذه إلى شاطئ البحر ، وتحدثه عن بلاد ما وراء البحار ، وتغرس فيه الحماس لأن يكون أهلا لفتحها وضمها إلى سلطانه يوم أن يكون وريثا لدولة آبائه العظمى .. حتى تشبع فكره بذلك..

وصار يردد في شعره :

نيتي امتثالي لأوامر الله ، وجهاد في سبيل الله 

وحماسي بذل الجهد لخدمة ديني دين الله

وعزمي أن أقهر أهل الكفر جميعا بجنودي جند الله

وتفكيري منصبّ على الفتح ، على النصر ، على الفوز بلطف الله

جهادي بالنفس وبالمال ، فماذا في الدنيا بعد الامتثال لأوامر الله

وأشواقي الغزو مئات الآلاف من المرات لوجه الله

رجائي في نصر الله وسمو الدولة على أعداء الله .

كما حرص أبوه على أن يدربه على تحمل المسئولية منذ صغره ، ليكون عوضا له عن ابنه الأكبر علاء الدين الذي قُبض في بداية شبابه ، فأوكل إليه إدارة إمارة «مغنيسيا» وهو في الثانية عشر من عمره ، وجهزه بما يحتاج من حاشية وخدم ، وبعض المستشارين من القادة والعلماء النابهين ، وأمره بالرحيل إلى إماراته ، وهناك عاش بعيدا عن أبيه وعن أمه ، منشغلا بأمور ولايته وتدبير أمورها ، وهو في هذا السن المبكر ..

يقضي حياته بين الاستماع إلى شيوخه في طلب العلم وبين الجلوس إلى وزرائه للتباحث في أمر إمارته وما تحتاج إليه ، وفي لقاء الناس وأصحاب الحاجات ، وفي الإنصات إلى نقباء الحرف المختلفة وما يقترحونه للرقي بحرفهم ، وفي الاجتماع بجنوده وأفراد شرطته .

وفي أوقات فراغه يخرج مع حرسه لممارسة هواية الصيد والتدرب على فنون القتال ، حتى صار بارعا في كل شئون الحياة ، ملما بأكثر العلوم التي وجدت في عصره ، وخاصة الرياضيات والهندسة ..

ولم يكتف مراد الثاني بذلك بل عهد إلى ابنه الصبي بإدارة كل المملكة العثمانية وهو في الرابعة عشر من عمره ( وبالتحديد في عام 847عـ ) حين تنازل له عن السلطنة ، وترك له العاصمة ، ليواجه الصعاب بنفسه ويرجع له عند الحاجة ، وانتقل هو للسكن في مغنيسيا في آسيا الصغرى بعد أن أبقى حوله الوزراء الكبار الذين هم عصب الدولة ، مثل الوزير الأعظم  "خليل باشا جاندارلي"  و"خادم شهاب الدين" و"زاغانوس محمد" و"ساروجا باشا"؛ والقاضي عسكر "ملا حُسرو" الذي كان يقوم بمنصب شيخ الإسلام ومفتي البلاد .

ويا لها من مسئولية عظمى أن يلقى إليه بإدارة دولة إسلامية كبرى تحيط بها القوى المحاربة من كل مكان ، وتنضم تحتها أمم شتى ..  

ولذلك كان لتلك التنشئة أثر بالغ في جعله فيما بعد شديد الثقة بنفسه ، ذا بصر ثاقب وذكاء حاد ومقدرة على تحمل المشاق ، يُحسن ركوب الخيل ، واستعمال السلاح ، محباً للتفوق ، ميالاً للسيطرة طموحاً ، سريعاً في فهم المواقف ، يحسن معالجة الأمور ، كبير اليقظة ، بعيد النظر ..

وهناك في مدينة مغنيسيا تفرغ الوالد للعبادة على طريقة الزهاد والنساك بعد أن سئم حياة الملك والأبهة والعظمة ، بعد عشرات المعارك التي خاضها ضد أعدائه ؛ رغم أنه كان في الأربعينيات من عمره ..

ولكنه مع تفرغه للعبادة  كان يرقب الأوضاع بعينين حادتين ، يرقب ابنه السلطان الصغير ومن حوله من الوزراء المعينين له تارة ، وأوضاع ملوك الدول الأوربية المحيطين بدولته تارة أخرى .

يدرس بدقة كل خبر ينقله المختصون إليه  حتى جاءه ذات يوم أن الكاردينال "جيساريني" ممثل منصب البابوية في المعارك العثمانية ـ المجرية قد حرض ملك بولونيا والمجر "لاديسلاس"   على نقض معاهدة "سزه كدين" تلك المعاهدة التي كانت تنص على هدنة بين العثمانيين والمجر تمتد لعشر سنوات ، ووُقِعت يوم (26 من ربيع الأول 848 هـ= 13 من يوليو 1444م) وبمقتضاها تنازل مراد الثاني عن جزء كبير من بلاد الصرب، واعترف بجورج برانكوفتش أميرا عليها، وتنازل أيضا عن الأفلاق (رومانيا) للمجر .

واقترح هذا الكاردينال عليه الاستفادة من الفرصة التاريخية التي واتته ، فرصة غياب مراد الثاني عن حكم الدولة الثمانية ، وذلك بالقيام بتشكيل اتحاد نصراني لطرد الأتراك من الأراضي الأوروبية.

وقد تردد الملك المجري أولا في مسألة الإخلال بالمعاهدة التي أقسم فيها بالأيمان الدينية الغليظة، وحقق بها من المكاسب ما لم يحققه بالسيف ، ولكن هذا الراهب الفاسق قال له: إن النصارى ليسوا ملزمين بالإيفاء بوعودهم مع المسلمين ، وإن عدم رعاية الذمة والعهود مع المسلمين لا تعد حنثا ولا نقضا.

كما قام قائد الأسطول البابوي الكاردينال "كوندولميري" هو الآخر بإرسال خطاب إلى الملك المجري يحثه فيه على الاستفادة من هذه الفرصة؛ وذكر له أنه سوف يراقب بسفنه منطقة  "كلي بولي" ويمنع انتقال "مراد الثاني" من مغنيسيا إلى أدرنة ، وأرسل الإمبراطور البيزنطي "يؤانس الثامن" أيضا إلى الملك المجري خطاباً مماثلاً ..

كما قام حاكم "قره مان" إبراهيم بك ـ للأسف ـ بالدخول في حلبة الصراع، حيث أرسل خطاباً إلى الملك المجري، أو أمير "الأفلاق"، أو هما معاً، ذاكراً أنه ما إن يبدأ القتال في "الروملي" أي الجزء الغربي من الدولة العثمانية حتى يبدأ به ضد العثمانيين في الأناضول ، أي الجزء الشرقي من الدولة ، وبذلك يمكن القضاء على العثمانيين في أوربا وآسيا .

وكل هذه التدخلات جرأت الملك المجري على التخلي عن المعاهدة التي لم يكن مر عليها سوى خمسين يوماً ، وكون حلفه الصليبي الذي ضم كلا من ( المجر وبولونيا وألمانيا وفرنسا والبندقية والدولة البيزنطية ).

وصلت كل تلك الأخبار إلى مسامع الصبي ووزرائه ، وإلى مسامع مراد الثاني ، وأيقن أن قوة صليبية جديدة بمعاونة المردة من المسلمين في الأناضول قد تشكلت ضد دولته التي أوكل أمرها إلى ابنه الصبي ، وأنها بدأت بالفعل في التحرك في شهر جمادى الأولى الموافق لشهر سبتمبر، وأنها قامت بنهب الأراضي البلغارية التابعة للدولة العثمانية ، وواصلت سيرها حتى وصلت إلى فارنا أو وارنه ، فأسرع على الفور بقطع خلوته في مغنيسيا واصطحاب خاصته متوجها إلى أدرنة ليفاجئ هؤلاء الصليبيين قبل أن يفاجئوه ..

وهنالك في أدرنة اعتزل الصبي ( الذي كان قد علم بمسير الصليبيين إليه ، وعاش مع الوزراء الحالة النفسية التي يعيشها كل من يفاجئه الخطر ) عرشه ونزل من فوق كرسيه لأبيه المهيب ؛ ليرى كيف يتصرف في مثل تلك الشدائد ..

وبحضور منه ( أي الصبي ) عقد مراد الثاني اجتماعا طارئا ضم الصدر الأعظم ووزراءه وكبار الدولة من العلماء والقادة العسكريين ، وتباحثوا على عجل الموقف ، ووضعوا خطة المواجهة ، وحددوا سبل وميقات الزحف إلى عدوهم ..

كل ذلك تم دون أن يشعر به أحد من الأعداء ، ولا اطلع عليه أحد من جواسيسهم ، خاصة وأن السلطان مراد الثاني عند تحركه من الأناضول إلى الروملي لم يمر عن طريق "كلي بولي " الذي ترصده فيه أسطول البابا ، وإنما اجتاز البوسفور حتى دخل أدرنة خفية ؛  مما جعلهم يتحركون وفي يقينهم أن مرادا الثاني السلطان المهيب ما زال في خلوته لا يدري بما يدور حوله ، وأن الصبي صاحب الخبرة المحدودة هو من سيقابلهم بجيشه ..   

ومن أدرنة تحرك السلطان مراد بجيوشه تاركا الصبي خلفه مع بعض الوزراء ورجال الدولة ؛ حتى وصل إلى "فارنا"  وهنالك دارت رحى المعركة في يوم الثلاثاء، 28 رجب، الموافق لـ 10 أكتوبر من هذه السنة ، بين المسلمين الذين تراوح عددهم ما بين 30 : 40 ألفا وبين الصليبيين الذين تراوح عددهم ما بين 40 : 125 ألفا .

وقبل بدء القتال أمر السلطان مراد الثاني بتعليق وثيقة معاهدة "سزه كدين" على رأس رمح ؛ لترفع في المقدمة ، وتكون شاهدا على غدرهم ، وليعلم من يأتي بعدهم أن ما حل عليهم ليس إلا بسبب نقضهم للميثاق ..

وتركهم يبدءون القتال بعد أن عالاهم الغرور ؛ ليقيم عليهم الحجة الأخرى ، فقام القائد "يانكو هونياد" بالهجوم على جناح الميسرة؛ وقام التشيكيون بالهجوم على جناح الميمنة ، أما ملك المجر، "لاديسلاس" فقام بالهجوم على المركز، الذي يوجد به مراد الثاني، فتركهم السلطان مراد يتوغلون إلى عمق صفوف جيشه، ثم فجأة وحسب الخطة التي وضعها مع قادته أعطى أمره بالهجوم الكاسح، وبتسليط المدافع عليهم ، فما هي إلا ساعات حتى نجحت قواته في تطويقهم من كل جانب ؛ وحلت بهم الهزيمة ..

وفت في عضدهم أن ملك المجر أصابه سهم أسقطه من على فرسه ، ثم أسرع إليه جندي مسن، يسمى "قوجه خضر" فقطع رأسه ، وقدمه هدية إلى السلطان "مراد الثاني"...

فأمر برفعه على رمح بجوار وثيقة المعاهدة التي نقضها، فدب اليأس في قلوب جنوده وفروا من ساحة المعركة ، تاركين خلفهم آلاف الجثث مع ما جلبوه معهم من عدة وعتاد ، وكان من بين الهلكى الكاردينال جيساريني الذي وُجد مقطوع الرأس أيضا ، وبقيت جثته تشهد بما كان يقوله للناس : إن النصارى ليسوا ملزمين بالإيفاء بوعودهم مع المسلمين ، كما قال أسلافه : " ليس علينا في الأميين سبيل " ..

أما يانكو هونياد الذي أرادت أوربا أن تتخذه بطلا بعدما حقق بعض الانتصارات من قبل على المسلمين فلم ينجه إلا الفرار ، ولم يصمد صمود الأبطال المعتاد .. فاختفى أياما في بطيحة ماء ، وبرز حين أشرف على الموت جوعاً ، فلما هم بالخروج عرفه بعض الصرب فأخذوه وأسلموه إلى الجيش العثماني ، ثم سلم إلى السلطان فأُطلق سراحه ليكون دليلا على نبل المسلمين مع من ينقض عهده معهم ، بعد أن وعد بألا يقود جيشاً على أرض الصرب التابعة للدولة العثمانية بعد ذلك ، ولكنه عاد وأخذ يجمع حوله مسيحي أوربا ليحارب بهم المسلمين ، وهكذا الأوغاد !!!!..

 وحقق الله نصره للسلطان مراد ومن معه من المسلمين الذي أراد أن يوفي بعهده لملوك أوربا الصليبيين ويسالمهم ، وينقطع لعبادة الله ؛ غير أنهم أبوا إلا أن يكونوا أول من بدأ بالعداء ، والبادئ أظلم .

 وانتشر نبأ النصر في أرجاء العالم ، وأقيمت الأفراح في العواصم الإسلامية ، وجاءت وفود ملوك وأمراء الدول الإسلامية لتهنئة السلطان مراد الثاني بمناسبة هذا الانتصار، الذي تحقق في معركة "فارنا"  هذا الانتصار الذي حمى الإسلام من أن يزول من أوربا بأسرها كما كان يخطط له البابا ، ومن أطاعه من ملوك أوربا.

وبعد أن بسط السلطان مراد الثاني لابنه محمد بساط الأمن وخلصه من العدو الخارجي الذي تربص به أعاده إلى السلطنة مرة أخرى ، وأعاد إليه الوزراء الذين يساعدونه في حكمه ، ثم رجع مرة أخرى إلى عزلته في مغنيسيا ..