السلفية الجهادية و أمراض المناعة الذاتية


|||عدد مرات المشاهدة213 زيارة|0 تعليق

كاتب المقال: الأستاذ أحمد البوهي

 

تتعرض أجسامنا لملايين الميكروبات والجراثيم يومياً، بيد أن ما يحمينا جميعاً من هذه الكائنات المدمرة هو جهاز خطير يعمل بشكل مستمر، إنه جهاز المناعة. قد يتعرض هذا الجهاز لخلل من اثنين، فإما أن يعجز عن تقدير قوة الكائن المهاجم فيخفق في الإجهاز عليه متيحاً الوقت لهذا المهاجم ليتكيف مع مناعة الجسم وعندها يصبح القضاء على هذا الكائن المُهاجم من الداخل مستحيلاً ولا مفر من طلب النجدة الخارجية.

 

إلا أن هذا النوع من خلل المناعة ليس الخطر الأعظم وإنما تكمن المصيبة الكبرى والنكبة العُظمى في الخلل الثاني. هذا الخلل الذي يُصيب جهاز المناعة وخلاياه بالجنون التام حتى يُخيل لها أن خلايا الجسم هي العدو الدخيل الذي يجب القضاء عليه، هذا ما يسميه الأطباء (أمراض المناعة الذاتية).

 

المصيبة أن هذه الأمراض ليس لها علاج شافٍ، فلم يكتشف العلم حتى الآن طريقة لإقناع جهاز المناعة المُصاب أن هذه التي يظنها العدو هي خلايا الجسم وأعضاؤه التي لا حياة له بدونها. وليس أمام الأطباء حينها إلا تأجيل عملية التدمير هذه قدر المستطاع باستخدام أدوية باهظة التكاليف حتى يُسلم الجسم الروح إلى بارئها بعد أن دمرت أجهزته نيران الصديق وبعد أن عانى غدر الجهاز الذي كان من المفترض أن يحميه.

 

إن الخلل عند طائفة (السلفية الجهادية) ليس في اتباعهم عقيدة السلف وليس بالطبع في الجهاد، فبالأولى تُحفظ الأمة من فساد العقيدة وبالثاني تُحفظ من عدوها الصائل المعتدى عليها. ولكن الخلل والمصيبة هي في طرق عمل هذه الطائفة واستراتيجياتها الفاشلة التي بُنيت هذه الطرق على أساسها.

هذا بالضبط هو ما أصاب جسد أمتنا العليل. أصابها جنون من كانوا من المفترض أن يحموها. خرج فيها قوم نادوا ب(السلفية) ليحموها من خلل العقائد وخرج آخرون نادوا ب(الجهاد) ليحموها من العدو الصائل وأجتمع قوم من الفريقين ليكونوا (مناعة) الأمة، فكانوا مرضها الذي لا شفاء منه.

 

وكأمراض (المناعة الذاتية) فقد أخفق السلفيون الجهاديون في تحديد العدو بدقة، فهؤلاء طواغيت لأنهم يحكمون بغير ما أنزل الله وهؤلاء أعوانهم وهؤلاء مرتدون كفار لأن أحدهم قال إن الديمقراطية ليست بكفر وهؤلاء لا يقولون بكفر الطواغيت وآخرون أبرياء لا بأس بقتلهم لأن الطواغيت متترسون بهم وهذا عالم سلطان وذاك مبتدع فاسد العقيدة ...إلخ، حتى أصبح عموم الأمة بالنسبة لهم إما طواغيت أو كفار أو مرتدين أو فاسدي العقيدة جائز قتلهم لسبب أو لآخر.

 

إن (السلفية الجهادية) كانت من المفترض أن تكون درع الأمة الواقي لها من انحراف العقيدة أو الصائل المعتدى عليها. إلا أن ما أصابها من خلل وانحراف أضلها، فلا هي صانت الأمة من انحراف العقيدة (فلم يعد أحد يُلقى بالاً لكلامهم في هذا الباب)، ولا هم دفعوا العدو الصائل (الذي لعب بهم كما يلعب الصبي بالكرة).

 

إذا كنت لا تصدق هذا فليس عليك إلا أن تنظر إلى كل أرض وطأها هؤلاء فلن تجد فيها إلا الخراب والدمار وتسلط الظالمين والفاسقين والكفار. فأول ظهورهم كان بمصر في السبعينيات، وبعد جدالات كبرائهم العقيمة وأفعال صبيانهم المتهورة انتهى بهم الحال بين القتل والسجن والتشريد وتسلط نظام فاسد عنيد ثبت جذوره حتى بات من المستحيل اقتلاعها.

ثم ظهروا في الجزائر، فأفسدوا ثورتها وأطفأوا جذوتها وقضوا على حلم شبابها، حتى دفعوا البلاد إلى أحضان العسكر الذين ما زالوا يحكمونها حتى الآن. ثم ظهروا في أفغانستان، بعد أن استقبلهم إخوانهم من الطالبان وقد طُردوا وشُردوا من بلادهم. فإذا بهم يرفضون الدخول تحت حكم إخوانهم الأفغان لأن بعضهم فاسد العقيدة ولأن أميرهم (الذي أكرمهم وآواهم) ليس قريشياً ولا تصح إمامته. ولم يكتفوا بهذا، فما لبثوا أن بدأوا في التشغيب والتحريش حتى استجلبوا قوة لا يستطيعون مقاومتها (رغم رجاء مستضيفهم ألا يفعلوا). فانتهى الحال بأفغانستان إلى الخراب والدمار وتمكين الكفار ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الغفار.

 

وأما في العراق، فقد أجهضوا، بغبائهم وتهورهم، فرصة عظيمة لكي تكون بلاد الرافدين (فيتناماً) ثانية على الجيش الأمريكي. فقد انشغلوا بقتال إخوانهم وتفجير الأسواق وإنشاء الإمارات السردابية والدول الوهمية كدولة العراق الإسلامية. وها نحن نرى إلى أين ذهب العراق، فلم يدفع الأمريكان الثمن الذي كان لابد أن يدفعوه، ولم يفقد الشيعة نفوذهم (بل زاد)، ولم يُحصِل السنة حقوقهم (بل ضاعت).

 

وآخر بلاء هذه الطائفة كان بالشام، فقد بدأوا بقتال بعضهم (جبهة النصرة وداعش) فكل منهم إما مرتد أو كافر، ثم انقضوا على إخوانهم من أهل الشام، فهم أيضاً مرتدون وكفار فاسدو العقيدة. حتى أصبحت ساحة الشام صورة لكل الأحزان ومرتعاً لكل الأمراض والأدران.

 

إن (السلفية الجهادية) كانت من المفترض أن تكون درع الأمة الواقي لها من انحراف العقيدة أو الصائل المعتدى عليها. إلا أن ما أصابها من خلل وانحراف أضلها، فلا هي صانت الأمة من انحراف العقيدة، ولا هم دفعوا العدو الصائل

إن مرض (السلفية الجهادية) الذي أصاب الأمة ليس له علاج شافٍ، بالضبط مثل أمراض (المناعة الذاتية). فهؤلاء الصبية لا يستجيبون لعاقل ولا يُلقون بالاً لرأى حكيم، فالكل بالنسبة لهم إما فاسدو العقيدة أو قاعدون عن الجهاد. ويا لها من فتنة فاحشة، ليس لها من دون الله كاشفة.

 

وكجهاز المناعة المريض المختل، فإن العيب ليس في وظيفة المناعة نفسها وإنما الخلل هو في طريقة عمل هذا الجهاز الضال. وكذلك فإن الخلل عند طائفة (السلفية الجهادية) ليس في اتباعهم عقيدة السلف وليس بالطبع في الجهاد، فبالأولى تُحفظ الأمة من فساد العقيدة وبالثاني تُحفظ من عدوها الصائل المعتدى عليها. ولكن الخلل والمصيبة هي في طرق عمل هذه الطائفة واستراتيجياتها الفاشلة التي بُنيت هذه الطرق على أساسها.

 

في المقالات القادمة سأحاول بعون الله نقد هذه الاستراتيجيات جميعها منذ الجدل العقيم بين (العدو القريب والعدو البعيد) إلى بلاهات (إدارة التوحش) و(الخلافة الكرتونية) إلى آخر هذه الأفكار التي أودت بخيرة شباب الأمة إلى المحارق دون أن تحقق أدنى مصلحة. عسى أن ييسر الله لهذه الأمة أمرها ويهديها رشدها، إنه ولى ذلك والقادر عليه .