الحقيقة الكبرى بيننا وبين‌ المنكرين

الحقيقة الكبرى بيننا وبين‌ المنكرين

التصنيف: ركن الشباب
الاثنين، ١٢ جمادى الآخرة ١٤٣٤ هـ - ٢٢ نيسان ٢٠١٣
1279



الأستاذ البهي الخولي

یقیم الشیوعیون فكرتهم عن الإنسان، والكون، والحیاة علی أساس إنكار وجود الله تعالی شأنه، وأما الإسلام فینظم حیاة الإنسان وروابطه المختلفة بالكون علی أساس وجود الله سبحانه..


وإنكار وجود الله قضیة قدیمة، ذكر القرآن الكریم من شأن أهلهم قولهم: [مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ] {الجاثية:24}.. فهي لیست من ابتكار «التقدمیین» و لا هي دالة علی امتیاز لهم فی علم أو ذكاء، فقد قالها أولئك القدامى منذ عصور بعیدة: ولم یكن لهم العلم أو الثقافة ما یعتدُّ به إلى جانب علمنا الیوم.


وحجَّة المنكرین أنَّهم لا یستطیعون أن یُسلِّموا بوجود أي شيء إلا إذا رأته أعینهم، أو لمسته أیدیهم، أو أدركته حواسهم مباشرة، أو بأحد أجهزة العلم التی تدرك دقائق الأشیاء. فما أدركته الحواس  فهو موجود،  وما لم تدركه فلا وجود له. ومن الوهم وازدراء العقل أن نسلم بوجود شيء غیر موجود،  أي: بوجود شيء لا تراه أعیننا، ولا تلمسه أیدینا، ولا ندركه بحاسة ما..

ولا نرید أن نجادل هؤلاء فی وجود الله: ولكنا نحاكم القضیتین-قضیة الإثبات و قضیة الإنكار-إلی فطرة العقل، ومنطق الواقع، ومقررات العلم البحت.. ولننظر ما لكل منها لدی هذین الحكمین من خذلان وتأیید..


فإذا احتكمنا إلی العلم: ألفیناه یُقرِّر -بوسائله التجریبیة- وجود أمور غیر مادیَّة یسلمها كافَّة علماء المادة:  وتكاد تكون بینهم من أولیات هذا العلم.. ومن تلك الأمور ما یأتی:


أولا-تحویل المادة إلی طاقة.. فالذرَّة -علی ما هو معروف- مؤلفة من الجسيمات الآتیة:

1-البروتون.. ویقوم فی الذرَّة بمقام النواة..

2-النیوترون.. ویقع من الذرة في النواة..

3-الالكترون.. ویدور حول النواة في مدار معین.. وقد یكون فی الذرَّة الواحدة الكترونات كثیرة:  فتكثر المدارات التی تدور فیها ذرَّة الالكترونات حول النواة فتكون أشبه بأفراد المجموعة الشمسیة حین دورانها في مداراتها المختلفة حول الشمس.. وتظل الذرة ماثلة للعلماء بتركیبها ذاك، وترابطها هذا..

حتى إذا أجروا علیها عملیة التحطیم-انقسام النواة- اختفی كل شيء من أمامهم!.. فإذا بحثت عن بقایا أو حطام للجسيمات التی كانت أمامهم، لا تجد شیئا! فإذا سألت العلماء: أین ذهبت الذرة بجسیماتها؟ قالوا لك: تحولت إلی طاقة!..

فإذا سألت: وما الطاقة؟ أجابوا: إنها «شيء غیر مادي»..

ثانیا-القوانین الكونیة:  التي منها قانون الجاذبیة.. ومعروف أنَّ هذا القانون هو الذي تترابط به الكواكب مع شموسها: ویترابط به بعضها ببعض فیما بینها..وبه یدور كل فی فلكه دورته المنتظمة المعلومة، المقدرة بحساب دقیق،  لا تتخلف عنه و لا تتجاوزه.. ولولاه لانفرط عقدها، و انتثر نظامها.

ولا یهمنا من هذا القانون أنه برهان قاطع علی وجود الخالق-سبحانه-باعتبار أن القانون لا بد له من مقنن،  ولا یستساغ أن یكون القانون قد قنن نفسه، فیكون قانونا ومقننا معا.. ولیس من المعقول أن تكون تلك الأجرام التی لا تعقل شیئا قد قننته لنفسها..

لا یهمنا من هذا القانون دلالته تلك المنطقیة، فنحن إنما نحاكم القضیتین إلی مقررات العلم التي لا یمتري فیها العلماء،  والتي لا یقتنع المفكرون بسواها.. وهذا قانون - مع قوانین أخرى فی الكون- لا یری بعین، ولا یمس بید، ولیس مادة علی الإطلاق،  ومع ذلك له أثره الرائع فی تماسك أجرام السماء علی نسقها المحكم المعروف.. فهو «شيء» قرَّره العلماء .. وهو«غیر مادة»بیقین..

ثالثا- وجود الأثیر في الفضاء الكوني.. فهذا الفضاء الذی یمتد فی الكون إلی ما لا نهایة -كما یقول العلماء- لیس فراغاً أجوف خالیاً من كل شيء،  بل یشغله وسط غیر حسي، هو الأثیر.. یقول الدكتور جمال الدین الفندي فی كتابه قصة السموات و الأرض:

 

«و المعروف علمیاً أنه لا یمكن أن نفترض خلو الفراغ في الكون من كل شيء خلوا هو في مرتبة العدم،  بل إنَّ الفراغ یشغله وسط غیر مادي لا نهائي، اسمه الأثیر، و فی هذا الوسط غیر المادي تنتقل الطاقات غیر المادیة، مثل موجات اللاسلكی،  أو الرادیو.. ومثل أمواج الرادار،  والضوء،  والحرارة، و... ولهذا السبب نفسه یطلق علیها اسم«أمواج الأثیر»..

 

فهذه أمور ثلاثة غیر مادیة-الطاقة- القوانین الكونیة-الأثیر-یقرر العلماء أنها قائمة فی الكون:  لها شأنها فیما وراء المادة..أي أن العلم الذی علیه معولهم في إنكار ما وراء المادة، یخذلهم فی هذا الإنكار، و بذا تبدو قضیتهم غیر قائمة علی شيء،  إلا علی مجرد الادعاء!.

 

فإذا احتكمنا إلی فطرة العقل، ألفینا من صریح نوامیسه، أنه یربط بین الأثر والمؤثر.. والصنعة والصانع.. ویأبی أن یسلم أن الأثر وجد بغیر مؤثر،  وأن الصنعة قامت بغیر صانع،  علی مبدأ قانون السببیة الذی یرد كل شيء إلی سببه،  أو الذي یرتب الأشیاء تبعا لأسبقیتها السببیة..

 

فالكون علی مُقتضی هذا القانون،  لا بد له من خالق،  ولا یستسیغ العقل أن یكون ذلك الكون قد خلق من غیر شيء،  أو أنه قد خلق نفسهبنفسه.. لا یستسیغ العقل أن یتصور أنَّ المادة المجردة من الإدراك والإرادة قد أوجدت نفسها بنفسها،  أو أنها أوجدت هذا النظام الدقیق بقوانینه المحكمة،  ثم فرضته على نفسها..

 

ولقد ذهب بعضهم إلی أن المادة أزلیة، لم یخلقها أحد، و لم تخلق نفسها. فهی قدیمة. لا أول لوجودها، و هي باقیة؛ لا آخر لبقائها. وعلی ذلك فلا محل لتطبیق قانون السببیة فی هذا المجال.

 

وقد كان لذلك الادعاء شأنه لدی المنكرین قبل أن تتقدم العلوم الطبیعیة تقدمها الرائع خلال مائة السنة الأخیرة، فقد أثبت الكیمیاء أن المادة تفنی، أي: أنها لیست أبدیة. وإذ فقدت أبدیتها، فقد فقدت أزلیتها؛ لأن الذي له نهایة له بدایة،  وما له بدایة ونهایة فهو مخلوق ولا بد..

 

یقول الدكتور جون كلیفلاند رئیس قسم العلوم الطبیعیة بجامعة دولث:

«و تدلنا الكیمیاء علی أن بعض المواد في سبیل الزوال، أو الفناء، ولكن بعضها یسیر نحو الفناء بسرعة كبیرة، و الآخر بسرعة ضئیلة.. وعلی ذلك فإن المادة لیست أبدیة، ومعنی ذلك أنها لیست أزلیة؛  إذ أن لها بدایة..

وتدل الشواهد من الكیمیاء وغیرها من العلوم علی أن بدایة المادة لم تكن بطیئة، أو تدریجیة بل وجدت بصورة فجائیة، وتستطیع العلوم أن تحدد لنا الوقت الذي نشأت فیه هذه المواد.. وعلی ذلك فإن هذا العالم المادي لا بد أن یكون مخلوقا،  وهو منذ أن خلق یخضع لقوانین وسنن محددة، لیس لعنصر المصادفة بینها مكان.

 

وإذا فادعاء أنَّ الكون أزلي أبدي لا یحتاج إلی خالق ادعاء باطل ینقضه العلم المادي من أساسه، ویبقی بذلك لقانون السببیة مجاله الذی یقضی به أن لا بد لهذا الكون من خالق.

 وقد بلغ من أصالة قانون السببیة وصدقه أنه الأساس الذي یعتمده رجال العلم في بحوثهم، وفي هذا یقول الأستاذ اندرو كونواي ایفي العالم الفسیولوجی بجامعة شیكاجو:

«إنَّ الإلحاد المادي یتعارض مع الطریقة التی یتبعها رجل العلوم فی تفكیره،  وعمله وحیاته، فهو یتبع المبدأ الذي یقول بأنه لا یمكن أن توجد آلة بدون صانع.. حقیقة أنه یستخدم فكرة الآلیة بوصفها إحدى وسائله أو أدواته، ولكنه یجري بحوثه على أساس مبدأ السببیة، مبدأ السبب والنتیجة.. وهو كأي إنسان آخر یتخذ كل قرار،  ویفكر فی كل أمر،  علی أساس الإیمان بمبدأ السببیة»..

فإذا كان ذلك شأن قانون السببیة، ومدى تعویل علماء العلم الطبیعی علیه،  فمن الإنصاف، بل من بداهة المنطق أن یطرد تعویلنا  وقبولنا لأحكامه في كل أمر مادام یجري علی سننه فی ربط كل شيء بسببه،  أو في ترتیب الأشیاء بحسب أسبقیتها السببیة.. ولیس من الإنصاف ولا المنطق أن یقبل الإنسان دلالات هذا القانون وأحكامه فیما یوافق هواه، وأن یرفضها ویأباها فیما لا یرضى عنه ذلك الهوى..

فإذا انتفت -علمیاً- دعوی أزلیة الكون، یغدو لا مناص من التسلیم-عقلا- بألا بدَّ للكون من خالق خلقه.

 

ومن هذا الاحتكام إلى العلم والعقل نخرج‌ بحقيقتين واضحتين:

الأولی: أن الشیوعیة إذ تقیم فلسفتها على أساس إنكار وجود الله:  إنما تقیمها على أساس یخذله العلم، ویأباه العقل،  أي على أساس غیر علمي،  بخلاف ما یدعون..

الثانیة-أن وجود الله حقیقة واجبة عقلاً:  توصل إلیها العقل بنفس قوانینه التی توصل بها إلی حقائقه العلمیة الثابتة.. وأن العلم إذ یخذل قضیة الإنكار-بتقریره أنَّ المادة غیر أزلیة: وأنَّ فی الكون أموراً غیر مادیَّة- إنما ینحاز مع العقل إلی جانب قضیَّة الإیمان، یدعمها، ویضع بین یدي المتفكرین فی آیاته ودقائق مقرراته عدیداً من الحجج،  وألوانا شتى من ضروب الاستدلال.

 

هذا:  وقضیة الإیمان في ذاتها حقیقة قائمة كقولنا: إن السماء فوقنا، والأرض تحتنا، فهي ذات وجود أصیل في فطرة التدین لا تكتسب بتأیید العلم وجودا لم یكن لها، ولكن المؤمنین - إذ یجدون دقائق مقرراته غذاء ونورا لضمائرهم- یرون من فضله فی صراعهم مع الباطل أنه یخذل المنكرین في تبجحهم باسمه ویخزیهم- إن كانوا یعرفون الخزي- إذ یجردهم من كل سند علمي یعتمدونه في دعوی الإنكار.

 

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...