سورة الإخلاص


|||عدد مرات المشاهدة264 زيارة|0 تعليق

كاتب المقال: العلامة عبد الوهاب خلاف

 

 

[قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ(1) اللهُ الصَّمَدُ(2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(4)]. {الإخلاص}. 

هذه السورة مكيَّة، وهي من أوائل ما أنزل الله تعالى على رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن بمكة، لأنها تقرِّر أسس العقيدة الإلهيَّة التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر رسل الله تعالى من قبله.

وعدد آياتها أربع، وهي سورة يحفظها كل مسلم، ويتلوها في صلاته، وفي تعبده بالتلاوة، وينبغي للمسلم أن يجمع بين تعبده بتلاوتها وتدبر معانيها.

وسمِّيت سورة الإخلاص لأنها تضمَّنت أنَّ الله تعالى واحد لا شريك له، وأنه هو سبحانه المقصود وحدَه في الحاجات والمهمَّات، وأنَّه لم يلد ولم يولد، ولا مثيل له ولا نظير، وهذا يقتضي الإخلاص في عبادته وحدَه سبحانه، وفي الاتجاه إليه وحده.

وقد ورد في بعض الآثار أنها تعدل ثلث القرآن (1)، والمراد بهذا: أنَّ مقاصد القرآن الأساسية ثلاثة: 

إصلاح العقائد لتطهير عقول الناس من دنس الوثنيَّة وأوهام الخرافات.

وتقويم الأخلاق لتهذيب نفوس الناس من شرِّ الرذائل ومُنكر العادات.

وتشريع الأحكام وإقامة العدل بين الناس، وإحقاق الحق فيهم وتنظيم علاقتهم بربهم، وعلاقة بعضهم ببعض.

وسورة الإخلاص قرَّرت بالإجمال أُسس القسم الأول، وهو قسم العقائد، فهي تعدل ثلث القرآن.

[قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ] {الاخلاص:1} أي: قل يا محمد في تعريف الناس بالله الذي تدعو إلى الإيمان به، والاتجاه إليه والاهتداء بهديه: هو الله أحد، أي: هو الله واحد لا شريك له في ذات، ولا في صفات، ولا في أفعال، ولا شريك له في الألوهية. أي: في أنه هو المعبود بحق، الغني عن كل ما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه، ولا في الربوبية. أي: في أنَّه هو رب العالمين المدبِّر لشؤونهم.

وهذه الوحدانية، أي: وحدانية الله تعالى في ذاته وفي صفاته، وفي أفعاله، وفي ألوهيته، وفي ربوبيته، عقيدة فطريَّة بني عليها الإسلام، وبني عليها كل دين إلهي، وما من رسول ولا نبي إلا وأساس دعوته: [اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ] {الأعراف:59}.

وهي عقيدة يُذعن لها العقل السليم، ويهتدي لها النظر الصحيح، إذ لو كان مع الله شريك في ألوهيته أو في ربوبيته لاختلفت مذاهب الشركاء في التدبير والتكوين والتنظيم، ولعلا بعض الشركاء على بعض، ولم يصلح هذا الكون، ولم تستقرَّ له نظم، ولم تتَّسق له سنن، وإلى هذا أشار الحق سبحانه بقوله: [لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ] {الأنبياء:22}. وبقوله:[مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ] {المؤمنون:91}.

[اللهُ الصَّمَدُ] {الاخلاص:2}: معنى الصمد الذي يُصْمَد إليه، أي: يقصد من ذوي الحاجات لقضاء حاجاتهم، والجملة مبتدؤها معرفة، وخبرها معرفة، فهي تفيد الحصر.

 فالمعنى: الله هو وحدَه دون سواه المقصود من كل ذي حاجة لقضاء حاجته، وهذا يَقْتضي أن يكون سبحانه تامَّ العلم، والقدرة والإرادة، فهو عزَّ شأنه بعلمه وقدرته وإرادته وحكمته ورحمته مجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وكاشف الضر عمَّن لجأ إليه، وميسِّر أسباب الرزق لمن اعتمد عليه.

والالتجاء إلى الله تعالى وقصده في السرَّاء والضرَّاء مما فطر عليه الناس جميعهم، فإذا مسَّ الإنسان ضُرٌّ دعا ربه، وإذا غشيته ظلماتُ البر والبحر دعا ربه، وكلما اشتدَّ بالإنسان ضيق أو كرب اندفع بفطرته السليمة وقال: يا رب.

[لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ] {الاخلاص:3}، لم يلد: أي: لم ينشأ عنه فرع يقال إنه و لده، فليس المسيح ابن الله، ولا عزير ابن الله؛ لأنَّه سبحانه ليست له صاحبة حتى يتخذ منها ولداً، وهو سبحانه غني عن أن يتخذ له ولداً، قال عزَّ شأنه: [بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ] {الأنعام:101}. 

وقال جلَّ ثناؤه: [قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ] {يونس:68}.

وخلقه سبحانه لبعض من خلق على صورة خاصة هو من آيات قدرته، ولا ينبغي أن يكون شبهة لوصفه بما هو منزَّه عنه.

فقد خلق سبحانه آدم من تراب لا من أم ولا من أب، وخلق عيسى من أم لا من أب، وخلق سائر الناس من أم وأب، ولهذا لما قالت مريم حين بشرتها الملائكة بولد لها: [قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ] {آل عمران:47}.

[لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ] {الاخلاص:3} أي: لم ينشأ عن أصل تفرَّع عنه؛ لأنَّه سبحانه لو نشأ عن أصل ولده لكان حادثاً بعد أن لم يكن، والإله قديم أزلي لا أول لوجوده، خلق كل شيء، ولم يخلق هو من شيء.

[وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ] {الاخلاص:4} الكفؤ: هو النظير المكافئ أي: المساوي، والله سبحانه لم يوجد أحد يكافئه، ويماثله في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا في ألوهيته، ولا في ربوبيته، فليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، وهذا من مقتضى وحدانيته وتفرده بالإنصاف والكمال والتنزُّه عن النقص، فآخر آية في السورة نتيجة أول آية فيها.

ومما ينبغي التنبيه إليه في ختام هذا التفسير أمور:

أولها: أنه يوجد في القرآن الكريم خمس سور مبدوءة كل سورة منها بلفظ (قل) وكلها مكية:

1 - [قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا] {الجنّ:1}.

2 - [قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ * [لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ] {الكافرون:1-2}.

3 - [قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ] {الاخلاص:1}.

4 - [قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ] {الفلق:1}.

5 - [قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ] {الناس:1}.

وثانيها: أنَّ الآيات الأربع التي تكوَّنت منها سورة الإخلاص أجملت صفات الله سبحانه الواجبة له: 

فالآية الأولى: قررت أنَّه سبحانه واحد لا شريك له. 

والثانية: قررت أنه سبحانه هو وحده المقصود من كل ذي حاجة، ولا يقصد إلا العالم القادر المريد الحكيم الرحيم. 

والثالثة: قرَّرت أنه تعالى لا ولد له ولا والد، فهو منزَّه عن النقص الذي يلحق من يحتاج إلى ولد أو والد. 

والرابعة: قرَّرت أنه لا يكافئه ولا يماثله أحد. 

فخلاصة الآيات الأربع أنه سبحانه واحد لا شريك له في ألوهيته ولا في ربوبيته، ولا يماثله أحد، وهو تعالى منزَّه عن الولد والوالد، وهو سبحانه المقصود وحدَه لكل قاصد.

وثالثها: أنَّ الأحاديث التي تروى في فضائل هذه السورة وفيما يترتب على قراءتها عدد كذا من المرات لم يصح منها حسب رأي الثِّقات إلا الأحاديث التي قررت أنها تعدل ثلث القرآن بالمعنى الذي بيَّناه(1). والذي يجب على المسلم في تلاوته هذه السورة أن يستحضر معانيها وما تضمَّنته من تنزيه الله تعالى عن الشريك والولد والوالد والشبيه والنظير، وتوجيه القلوب بالقصد إليه وحدَه.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

المصدر: (مجلة لواء الإسلام، العدد الثالث، المجلد التاسع ذي القعدة،1374 يونية ويوليه 1955 ).

********* 

(1) روى البخاري من حديث أبي سعيد رضي الله عنه أن رجلا سمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد يرددها، فلما أصبح جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن.