العطاء


|||عدد مرات المشاهدة152 زيارة|0 تعليق

كاتب المقال: العلامة محمد الغزالي

 

في مجال الترقي قد تكون الحرب سجالا بين المرء وهواه، يستقيم حيناً، ويتعثر حيناً آخر، ولكن إصراره على المضي إلى هدفه يصل به على طول المدى.

 والمرء في المراحل الأولى من هذه المجاهدات يلقى نوازعه الدنيا وجهاً لوجه فإذا انتصر عليها أحس لذة الظفر نوراً يشرق على روحه ويتخلل شعاب قلبه.

 وفى هذه الحال يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أحب الصدقات أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تحب الغنى وتخشى الفقر) رواه البخاري .

 ومدافعة شح النفس إذا حدثت بالبخل عمل حسن، وله أجره الكريم.

 وهناك نفوس لا تزال تتعود العطاء حتى يكاد يكون لها طبعاً.

 فإذا وجدت دواعي الكرم انطلقت إليه كالسهم المارق، لا يعوقها حديث نفسي ولا يثبطها تعلق بدنيا...

 كما يصف ذلك العربي نفسه وهو يستقبل الضيف الوافد، يقول: 

فقمت، ولم أجثم مكاني، ولم تقم=مع النفس علامات البخل الفواضح 

إلى جذم ما قال قد نهكنا سوامه=وأعراضنا فيه بواق صحائح 

كذلك موقف المؤمن مع الدنيا.

 لقد حجبته عزائم الإيمان عن كل محرم فيها، وملأ يديه من أسبابها ليتوسل بها إلى إقامة الحق، وعبادة الله تعالى.

 وربما أقبل على ما أباح الله سبحانه منها، ولا عليه في ذلك.

 وربما سيطرت عليه المعاني الكبيرة التي يعيش فيها فصرفته صرفا عن أنواع المباهج التي يهش لها غيره.

 ومن ثم ترى فريقاً من الناس يمر بأفراح الدنيا كما يمر التلميذ الممتحن غداً، بضجة الناس في الشوارع، لا يعلق بانتباهه منها إلا القليل.

 عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه.

 فقال: يا رسول الله، لو اتخذت فراشاً أوثر من هذا  فقال: ما لي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سافر في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة، ثم راح وتركها. رواه أحمد

 وفى رواية أنَّ أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قالا: يا رسول الله، ما يؤذيك خشونة ما نرى من فراشك وسريرك؟ وهذا كسرى وقيصر على فراش الحرير والديباج؟؟.

فقال: ( لا تقولا هذا، فإن فراش كسرى وقيصر إلى النار، وإن فراشي وسريري هذا عاقبته إلى الجنة).

 ونحن لا نقول بتحريم الطيبات، وإنما نصف درجة من الاستغراق العلوي تشغل عما دونها...

وإننا لنرى أحياناً بعض العلماء يشغله التفكير عن العناية بهندامه والاهتمام بمظهره، لا تعمداً لإهمال، ولكنها طبيعة هذا الصنف من الرجال.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

المصدر : كتاب الجانب العاطفي من الإسلام