الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ


|||عدد مرات المشاهدة297 زيارة|عدد مرات الطباعة1 طباعة|0 تعليق

كاتب المقال: الشيخ إبراهيم المنصور

 

أرسل إلي أحد الفضلاء مقالة بلا عنوان، لكاتب لم يسمه. للاطلاع وإبداء الرأي.

وهي مقالة مضطربة مختلطة مخَلِّطة، يهجم فيها الكاتب على النصوص بأسلوب انتقائي، وفهم مشوش, وجراءة من لا يبالي بقول الباطل، ولا يجد مَعَرَّةً من سخف المنطق وتناقض الرأي ومصادمة النصوص القطعية الصريحة.

وبدهي أنَّ من كان كذلك فإنه يقول ما يشاء ويكتب ما يشاء ويفعل ما يشاء، لأنه قد حرر نفسه من رِبْقة التحرج من أي شيء من ضوابط النقل أو العقل.

ومن عيون الحِكَم الذاهبة مذهب المثل من كلام الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت) رواه البخاري.

ومن لم يَعقِله عقلُه ولا نَهاه نُهاه عن أن يقول دون أن يرف له جفن: *(اما الشرور والقتل والتهجير والتشرد والتشرذم وفقدان الاباء والأبناء والأهل و الارض والمال فلا يمكن ان  تكون قدرا بمشيئته سبحانه!!!؟)* فاقطع عن عقله طمعك، وكفَّ عن خطابه لسانك وقلمك، فإنه بلا لجام من الشرع ولا زمام من العقل.

ولولا ما يُخشى من مقاله هذا من التلبيس والتضليل الذي قد يقع فيه بعض من يقرؤه، لما سطَرت في التعقيب عليه سطرا ولا أتلفت حِبرا. فإنه في نظري تخليط وتشويش لا يستحق القراءة فضلا عن التعقيب. 

وأنا أعرض المقالة كما وصلتني، ثم أقف مع القارئ فيها وقفات.

قال الكاتب:

( *أقدار الله في هذا الكون تحكمها مشيئته في خلقه ومخلوقاته ، وهذه الأقدار لا يمكن ان تكون مجهولة ، فسننها التي تحكمها ليست عصية على الفهم لمن أراد ذلك ، وليست عصية عن التنبؤ  لمن سلك طريق العلم ، العلم الحقيقي الذي يفتح مدارك العقل ومنافذ الإحساس على الحقائق ،وليس العلم  الذي يزداد صاحبه جهلا بالله و سننه.*

*أقدار الله خاضعة لعالم المشيئة الذي لا يحابي احدا حتى ولو كان ملكا مرسلا او نبيا من أولي العزم ، وهي ناشئة كلها عن الله ( قل كل من عند الله ) ، الله الذي لا يريد بأقداره التي شاءها الا الخير للإنسان ( ما أصابك من حسنة فمن الله ) الخير فحسب ، اما الشرور والقتل والتهجير والتشرد والتشرذم وفقدان الاباء والأبناء والأهل و الارض والمال فلا يمكن ان  تكون قدرا بمشيئته سبحانه!!!؟ ، بل حدوث ذلك هو قدر نتج عن مخالفة تلك  المشيئة  ( و ما أصابك من سيئة فمن نفسك ) ، و هي النقطة المهمة التي لابد من التركيز عليها في فهمنا لمجريات الامور*.

*ان الإشكالية الحقيقية تكمن في  نسبة الخير والشر ، النعم والمصائب لله ومشيئته وأقداره في كثير من اعمالنا وافكارنا، ومن هنا يبدأ طريق الاعوجاج، فبدلا من ان يبحث الانسان عن نتائجه الخاطئة فيقومها ويصوبها لعلمه ان الله لا يمكن إرادة الشر لخلقه، ينسب الشر لاقدار الله والى الله نفسه بشكل مباشر او غير مباشر ليساهم في تحريف أية قرآنية يرددها لسان حاله قائلا وما إصابك من سيئة فمن الله كذلك!!؟، فيقعد منتظرا نتائج من الوهم يرسلها الله له بصفته هو صانع تلك المصائب و مقدرها !!! و هو المسؤول عن كشفها!!، في فهم سقيم لا يمكن ان يستقيم الا  في العقول المنفصمة التي تسلك اتجاهين متعاكسين في نفس اللحظة ، فتنسب الى الله الخير و الشر !!!!*

*ان النتائج المدمرة والقاتلة والمشردة لا يمكن ان تنتج عن امر الله و تصريفه، بل هي نتيجة لخطأ في التصور والفكر والعمل، وعندما ننتظر نتائج إيجابية وانتصاراً من افكار واعمال تخالف المشيئة الإلهية فحالنا هي كحال الذي ينتظر ماء من سراب.*

*ما حدث لنا سابقا  وما يحدث في بلادنا هو نتيجة حتمية لمخالفة مشيئة الله ، وليست إرادة من الله كما يحلو للبعض ان يصورها، والنتائج الكارثية التي حلت وتحل كل يوم في ازدياد*  ، 

*والمستقبل لن يكون مشرقا ان لم نسارع الى التغيير الحقيقي الكامل ، التغيير وليس الترقيع ، والبداية تكون بقلب الأفكار التي نتشبث بها رأسا على عقب ، عسى الله بعد ذلك ان يبدل  ذلنا اليوم بعزة غدا)*

-------

وهلم الآن فلأقف مع القارئ في النقاط الآتية:

الأولى: اقرأ معي أيها القارئ، العبارتين التاليتين، ثم انظر مع أيتهما الحق؟ 

1- *(أقدار الله في هذا الكون تحكمها مشيئته في خلقه ومخلوقاته)*

2- *(الله الذي لا يريد بأقداره التي شاءها الا الخير للإنسان)*

هل أنت مع الأولى التي تثبت أن أقدار الله في الكون محكومة بمشيئته؟ أم مع الثانية التي تثبت لمشيئة الله تعالى أقدار الخير دون ما سواها؟!

وأقول: ليس المقصود أن تخبرنا أيها القارئ مع أيتهما أنت. وإنما المقصود أن تعلم أن هاتين العبارتين ليستا لكاتبين متعارضين، وإنما هما لكاتب واحد، وفي مقال واحد، ليس بينهما إلا بضعة أسطر. 

ألم أقل لكم: إنها مقالة متناقضة مخلطة؟!

 

وليس للكاتب أن يزعم أن العموم في عبارته الأولى محمول على الخصوص في الثانية، لأن تتمة كلامه بعد الأولى تأبى ذلك، فإنه قال بعدها: *(وهذه الأقدار لا يمكن ان تكون مجهولة ، فسننها التي تحكمها ليست عصية على الفهم لمن أراد ذلك)*

أقول: ولا يقول عاقل بأن السنن تحكم أقدار الخير دون غيرها.

 

ثانيا: أما قول الكاتب: *(وهذه الأقدار لا يمكن ان تكون مجهولة ، فسننها التي تحكمها ليست عصية على الفهم لمن أراد ذلك)* 

فباطل في موضعين: الموضع الأول: في جرأته على دعوى معرفة أقدار الله سبحانه. وهذا مناقض لصريح القرآن، حيث جعل الله تعالى جهل العباد بغيب الأقدار حجة على من اتخذ منهم القدر حجة على ضلاله. فجهل العباد بالأقدار أمر بدهي مسلَّـم عند أهل الإيمان.

قال تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا *قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا* إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148]

 

وقال سبحانه: {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ *مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ* إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الزخرف: 20]

ألم أقل لكم إن الكاتب يصادم صريح القرآن؟!!

 

الموضع الثاني: أن الكاتب يخلط بين معرفة السنن العامة، وبين معرفة الأقدار التي تشمل كل شيء بكل تفاصيله وحذافيره. 

فأما السنن فإن العباد مدعوون بلا شك إلى اجتلائها واعتبارها. 

ولا نطوِّل بسرد الآيات الداعية إلى ذلك من مثل قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2] وقوله سبحانه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [آل عمران: 13].

 

وأما الأقدار وتفاصيلها فشأن آخر، إنها لا يمكن إلا أن تكون مجهولة للعباد بعد الذي قرأنا في الآيتين المتقدمتين من الأنعام والزخرف، وبعد أن أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بإعلان هذه الحقيقة حين قال سبحانه في الأعراف: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188].

ألم أقل لكم إن المقالة مضطربة مختلطة؟!

 

ثالثا: أدعو القارئ مرة أخرى إلى أن يقف على قصور الكاتب في الفهم وفي التعبير الذي تناقض مرة أخرى في قوله: *(أقدار الله خاضعة لعالم المشيئة الذي لا يحابي احدا حتى ولو كان ملكا مرسلا او نبيا من أولي العزم ، وهي ناشئة "كلها" عن الله ( قل كل من عند الله ) ،  الله الذي لا يريد بأقداره التي شاءها الا الخير للإنسان  ( ما أصابك من حسنة فمن الله ) الخير فحسب ، اما الشرور والقتل والتهجير والتشرد والتشرذم وفقدان الاباء والأبناء والأهل و الارض والمال فلا يمكن ان  تكون قدرا بمشيئته سبحانه!!!؟).*

ولاحظوا معي على النص المتقدم من كلام الكاتب ما يأتي: 

1- أن الكاتب قد أقرَّ بأن أقدار الله كلها ناشئة عن الله.

2- أنه استدل على ما أقر به بقوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}.

3- أنه نقض هذا الإقرار باستثاء الأقدار المكروهة كالقتل والتهجير... فزعم أنها لا يمكن أن تكون قدرا بمشيئة الله.

4- أنه أثبت قصور فهمه حين استدل بما هو حجة جلية على بطلان استثنائه. 

فإن تنوين "كل" في قوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} يسمى تنوين العوض. فهو عوض عن ذكر الحسنة والسيئة اللتيين سبق ذكرهما في نفس الآية: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النساء: 78]. 

فإن كل عاقل يفهم أن قوله: { قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } هو بمثابة قوله: قل كل من الحسنة والسيئة من عند الله.

ولا يسع من له أدنى مُسْكة من علم أن يفهم منها في هذا السياق إلا هذا.

5- أن الكاتب يعبث بالنص القرآني على هواه، فيأخذ بعضا ويتجاهل بعضا، كالذين جعلوا القرآن عضين.

فهو يستشهد بقوله تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ } [النساء: 79] وهذه الآية لا تفهم فهما صحيحا بمعزل عن الآية التي قبلها، والتي تجاهلها الكاتب تماما إلا جملة: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} وقد أساء فهمها كما قدمنا. 

أما الآية بتمامها فهي: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78] 

فقد دلت الآية على أن الحسنة والسيئة، ومنها الموت المذكور في نفس الآية، كله من عند الله وبمشيئته وقدره. 

ومع أن ذلك من البدائه الجلية، إلا أن في الناس من يكلفك تجليتها، وهو والله تكليف أي تكليف!.

وصدق من قال: إنّ من المعضلات توضيح الواضحات. 

ولست أدري ما إذا كان الذي حمل الكاتب على طي بقية تلك الآية أنه وجد فيها ذمه وتوبيخه وتوبيخ من على شاكلته في قوله تعالى فيها: {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا}. 

ولن يغنيه أن يطويها. ولكنه في خطر أن يكون ممن قال الله فيهم: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} [الحجر: 91] الذي يأخذون بعضه ويتركون بعضه.

6- لئن كان قد استغلق على الكاتب فهم الآيتين معا، فحمله ذلك على رد إحداهما بالأخرى، فلن يستغلق عليك أيها القارئ الجمع بينهما، 

بين قوله في الآية الأولى: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}. وقوله في التي بعدها: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}.  

فالحسنة من الله تفضلا. والسيئة من العبد تسببا، والكل من الله تقديرا وإرادة وخلقا.  

وذلك أن كون العبد متعرضا لنقمة الله لا يعني أن الذي صب عليه النقمة أحد غير الله سبحانه؛ إلا عند القوم الذين لا يكادون يفقهون حديثا.

وانظروا إلى تصريح النص القرآني بنسبة فعل تلك النقم إلى الله سبحانه في قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ *فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْف*ِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112].

فالجوع والخوف هما من أهل القرية تسببًا. ومن الله خلقا وتقديرا. 

وفي قوله تعالى: {فَأَعْرَضُوا *فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ* وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ} [سبأ: 16]. فالسيل ودماره وتخريبه، هو من أهل سبأ لكفرهم بأنعم الله. والسيل وجميع نتائجه المرة، هو من الله تقديرا وإرادة وخلقا. وإلا فـ {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر: 3]

7- أما قول الكاتب: *(الله الذي لا يريد بأقداره التي شاءها الا الخير للإنسان)*. 

فإني أعرض عليك أيها القارئ الكريم كلام الله عز وجل عن نفسه بهذا الخصوص، لتقارنه بكلام الكاتب عن الله سبحانه، وعندها يسفر الصبح لذي عينين.

قال تعالى: {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا *إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ* الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 17]

وقال سبحانه: *{وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا* فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد: 11]

وقال سبحانه: {قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ *إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا* أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [الأحزاب: 17]

وقال سبحانه: {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا *إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا* أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [الفتح: 11]

وقال سبحانه: *{وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَه*ُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 41]

وقال سبحانه: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ *وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ* يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125]

وقال سبحانه: {وَإِذَا *أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً* أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16].

ولك أن تقارن أيها القارئ بين ما نسبه الحق إلى نفسه من إرادته الإضلال والفتنة والإهلاك والسوء والضر بمن يستحق من خلقه شيئا من ذلك بمقتضى علمه وحكمته سبحانه، وبين قول الكاتب: *(الله الذي لا يريد بأقداره التي شاءها الا الخير للإنسان)*. وقول الكاتب: *(اما الشرور والقتل والتهجير والتشرد والتشرذم وفقدان الاباء والأبناء والأهل و الارض والمال فلا يمكن ان  تكون قدرا بمشيئته سبحانه!!!؟).* 

ثم سل نفسك أيها القارئ: هل الكاتب يتحدث عن الله الذي تعرف؟ أم أنه يهرف بما لا يعرف؟

رابعا: قول الكاتب: *(ان  الإشكالية الحقيقية تكمن في  نسبة الخير والشر ، النعم والمصائب لله و مشيئته وأقداره في كثير من اعمالنا وافكارنا....)* إلى آخر كلامه... فمزاعم وأوهام، وتخليط كلام يريد من خلاله أن يبعث الحياة في فكرة ميتة، فكرة ما زال يدندن حولها من أول كلامه إلى آخره، ألا وهي عقيدة القـَدَر، وهي مذهب القـَدَرِيَّة. الذين هم نفاة القدر، من المعتزلة والشيعة وغيرهم. وهم الذين يزعمون أن القول بأن الله قدَّر السيئات وخلقها بإرادته، ينافي تنزيهه سبحانه. فأودى بهم ذلك إلى دعوى أن العبد يخلق أفعال نفسه بمشيئته.

هربوا مما ينافي تنزيه الله بزعمهم، ولكنهم وقعوا فيما هو شر مما هربوا منه، وهو أنهم أثبتوا خالقِين مع الله سبحانه، لا يُحصَون عددا. 

وهذه القضية أشبعت بحثا واستدلالا عبر عصور الفكر الإسلامي الأولى، فلا نطول هنا بعرض بحث القدر، ولكني أكتفي بعرض واقعة حوارية علمية، كانت ارتجالية وجيزة، ولكنها كانت على وجازتها مركزة محْكَمة نافعة جدا في هذا الباب لمن طلب الحق. 

جرت تلك الواقعة بين الأستاذ أبي إسحق الإسفراييني الفقيه الأصولي المتوفى سنة 418هـ وبين القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني المتوفى سنة 415هـ  وكان شيخ المعتزلة في عصره.

وذلك أن الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني كان جالساً في دار الصاحب بن عباد، فدخل القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني، فلما رآه قال القاضي عبد الجبار - كما ذكره العلامة الشنقيطي رحمه الله في "أضواء البيان" : سُبْحَانَ مَنْ تَنَزَّهَ عَنِ الْفَحْشَاءِ.  يَعْنِي أَنَّ السَّرِقَةَ وَالزِّنَا لَيْسَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ; لِأَنَّهُ فِي زَعْمِهِ أَنْزَهُ مِنْ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الرَّذَائِلُ بِمَشِيئَتِهِ.

فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ. ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ مَنْ لَمْ يَقَعْ فِي مُلْكِهِ إِلَّا مَا يَشَاءُ.

فَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ: أَتَرَاهُ يَشَاؤُهُ وَيُعَاقِبُنِي عَلَيْهِ؟.

فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَتَرَاكَ تَفْعَلُهُ جَبْرًا عَلَيْهِ؟ آنْتَ الرَّبُّ وَهُوَ الْعَبْدُ؟

فَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ: أَرَأَيْتَ إِنْ دَعَانِي إِلَى الْهُدَى، وَقَضَى عَلَيَّ بِالرَّدى، دَعَانِي وَسَدَّ الْبَابَ دُونِي؟ أَتَرَاهُ أَحْسَنَ أَمْ أَسَاءَ؟

فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَرَى أَنَّ هَذَا الَّذِي مَنَعَكَ إِنْ كَانَ حَقًّا وَاجِبًا لَكَ عَلَيْهِ - فَقَدْ ظَلَمَكَ، وَقَدْ أَسَاءَ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَإِنْ كَانَ مِلْكهُ الْمَحْض فَإِنْ أَعْطَاكَ فَفَضْلٌ، وَإِنْ مَنْعَكَ فَعَدْلٌ. 

فَبُهِتَ عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَقَالَ الْحَاضِرُونَ: وَاللَّهِ مَا لِهَذَا جَوَابٌ.

قال الشنقيطي رحمه الله في "أضواء البيان" بعد حكاية هذا الحوار: وَمَضْمُونُ جَوَابِ أَبِي إِسْحَاقَ هَذَا الَّذِي أَفْحَمَ بِهِ عَبْدَ الْجَبَّارِ، هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ  تَعَالَى: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ. انتهى من "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن" [7 /97].

اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكَرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.