حكم قتل السفير في الإسلام


|||عدد مرات المشاهدة652 زيارة|عدد الإرسال لصديق1 إرسال|0 تعليق

نص الاستشارة أو الفتوى:

ما حكم قتل السفير في الإسلام؟



نص الجواب:

 

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:

فإن مما لا شك فيه أن روسيا تنتظر انتقاماً ربانياً عظيماً على جرائمها في حلب، فهذه سنّة الله في العتاة المجرمين الذين يقتلون أولياءه، وسيكون هذا الانتقام على يد جنود الله، أو بأيدي المؤمنين إن صدقوا واعتصموا بحبل الله، قال تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ} [التوبة: 52].

ولنا أن نفرح بما يصيب هذه الدولة المجرمة وأفرادها من دمار وخسائر، ومن ذلك الفرح بمقتل سفرائها وجنودها، لكن علينا -في الوقت نفسه- أن نقف وقفة تأمل وتفكّر فيما حصل، ونبحث فيما وراء هذا الحدث وآثاره.

ولذلك أقول:

أولاً: إن السفير رسول، والرسل لا تُقتل، وهذا الأمر معروف ومعمول به على مرّ الزمان، وقد أقرّه النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى أبو داوود في سننه، في كتاب الجهاد، بابٌ في الرسل، حديث رقم (2761)، وأحمد في مسنده، حديث رقم (15989)، والحاكم في المستدرك، حديث رقم (2632 )، والبيهقي في السنن الكبرى، حديث رقم (18776) عن نعيم بن مسعود الأشجعي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهما [أي لرسولي مسيلمة الكذاب] حين قرأ كتاب مسيلمة: ما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال، قال صلى الله عليه وسلم: (أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما).

قال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، ووافقه الذهبي.

وفي رواية عند أحمد، حديث رقم (3761)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (جَاءَ ابْنُ النَّوَّاحَةِ وَابْنُ أُثَالٍ رَسُولَا مُسَيْلِمَةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُمَا: أَتَشْهَدَانِ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟ ، قَالَا: نَشْهَدُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: آمنْتُ بِاللهِ وَرُسُلِهِ، لَوْ كُنْتُ قَاتِلًا رَسُولًا لَقَتَلْتُكُمَا) قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَمَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ.

قال العظيم أبادي في عون المعبود: "فيه دليل على تحريم قتل الرسل الواصلين من الكفار وإن تكلموا بكلمة الكفر في حضرة الإمام".

ثانيًا: السفير معاهد ومستأمن، والمعاهد: هو الرجل من أهل الحرب يدخل دار الإسلام بأمان، والمستأمن هو الذي أعطي الأمان لدخول بلاد المسلمين مدّة محددةَ.

ولا يجوز الاعتداء على المعاهَد ولا المستأمن، فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا) رواه البخاري في صحيحه، حديث رقم (6914).

وقال صلى الله عليه وسلم: (أَلَا مَن ظَلم مُعاهِداً أو انتَقصَهُ أو كلَّفَهُ فوقَ طاقَتِه أو أخَذ منهُ شيئاً بِغيرِ طِيبِ نَفسِ فأنا حَجِيجُهُ يوم القيامةِ) رواه أبو داوود، حديث رقم (3052)، وغيره.

 

ثالثاً: إذا نقض المعاهَد أو المستأمن عهده فليس لآحاد المسلمين قتله؛ لما يترتب على ذلك من المفاسد، بل يترك أمره لولي الأمر ليرى فيه رأيه.

قال الشوكاني رحمه الله: "المعاهد هو الرجل من أهل دار الحرب يدخل إلى دار الإسلام بأمان فيحرم على المسلمين قتله بلا خلاف بين أهل الإسلام حتى يرجع إلى مأمنه" (نيل الأوطار 7/17).

ويعظم الجرم إذا كان القاتل شخصاً مكلّفاً بالحماية وتوفير الأمن؛ فإن هذا من الغدر المحرم، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً} [النساء:107].

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ) متفق عليه: البخاري برقم (34)، ومسلم برقم (58).

بل إن الغدر محرّم أيضاً في حال الحرب مع الكفار، فعن بُرَيْدَةَ، رضي الله عنه  قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: (اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا ...) رواه مسلم، حديث رقم (1731).

 

رابعاً: من المتعارف عليه أن قتل السفراء إعلان حرب، وقيام فرد من الأمة بقتل سفير دولة يعدّ اعتداء على الأمة كلها، بتوريطها في حرب غير محسوبة، تزهق فيها الأرواح، ويفقد الأمن. 

وغالباً ما تكون عمليات اغتيال السفراء عمليات مدبّرة، تقف وراءها منظمات ذات أهداف معينة، والذي يظهر –والعلم عند الله- أن وراء هذه العملية: منظمة "جولن" الإرهابية التي خططت سابقًا للانقلاب الفاشل، وهم لا يخفون عداءهم للثورة السورية والسوريين؛ فهدفهم من هذا الاغتيال توريط تركيا بحرب مع روسيا للإضرار بها وبشعبها واقتصادها، والتي لو قامت بالفعل فستكون نتائجها وخيمة على تركيا وسوريا لا قدر الله.

خامساً: أما القاتل: فأمره إلى الله، فقد تكون نيته نصرة المسلمين في حلب، وقد تكون نيته الجهاد في سبيل الله، لكنه أخطأ الطريق، وجُنّد -من حيث لا يشعر- من قِبَل تلك الجماعة الإرهابية، فلا يُحْكم ولا يُثْنَى عليه.

فمن المعلوم أن صلاح النية لا يعني بالضرورة صحة العمل، إذ لا بد لصلاح العمل من شرطين: الإخلاص، وموافقة هدي النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110]، وقال الفضيل بن عياض -رحمه الله- في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلاً} [الملك:2]؛ قال: "أخلصه وأصوبه، قيل: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إنّ العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يُقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل؛ حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة".

وأخيراً: إن على الشباب المسلم المتحمس لدينه، والغيور على أمته، والمتألم لآلامها: أن يضبط عواطفه بضوابط الشريعة، ويرجع إلى علماء الأمة الربانيين ويسألهم ويشاورهم، ولا يخرج عن رأيهم، حتى لا ينقلب حماسه وغيرته وبالًا وفسادًا عريضًا.

 

أسأل الله -تعالى- أن يرفع الغمّة عن المسلمين، ويعجّل بالفريج والنصر القريب، ويشفي صدورنا بهلاك الطغاة والمتجبرين، ويحمي بلادنا من كل شر، إنه سميع قريب مجيب.

والحمد لله رب العالمين