الاستطاعة في المذاهب الأربعة


|||عدد مرات المشاهدة188 زيارة|عدد الإرسال لصديق1 إرسال|0 تعليق

نص الاستشارة أو الفتوى:

الاستطاعة في المذاهب الأربعة



نص الجواب:

قال الله تعالى:[ وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا] {آل عمران:97} فقد أوجب الحج على الناس وشرط في وجوبه الاستطاعة، والعمرة حج أصغر كما ورد به الحديث.

 

وأجمع المسلمون على أن الاستطاعة شرط لوجوب الحج وسنَّة للعمرة أو وجوبها. واختلف الفقهاء وأئمة المذاهب الأربعة في المراد منها:

 

فمذهب الحنفية: أن الاستطاعة هي كون الحر المكلف صحيح البدن سالماً من الآفات المانعة عن القيام بما لابدَّ منه في السفر، فلا يجب على مقعد ومفلوج، وشيخ كبير لا يثبت على الراحلة بنفسه، وأعمى وإن وجد قائداً، ومحبوس وخائف من سلطان، وأن يكون ذا زاد صالح لمثله، فالمعتاد للحم ونحوه إذا قدر على خبز وجبن لا يعد قادراً، وذا راحلة مختصة به فلا يكفي لو قدر على راحلة مشتركة يركبها مع غيره بالتعاقب، مالكاً للزاد والراحلة أو عنده من المال ما يحصل به عليهما. فلا يجب بإباحة أو إعارة، فاضلاً عن حوائجه الأصلية، ومنها المسكن الذي يسكنه هو أو من يجب عليه مسكنه ولو كان كبيراً يمكنه الاستغناء ببعضه، والحج بالفاضل فلا يلزمه بيع الزائد كما لا يلزمه بيع الكل، والاكتفاء بسكنى الإجارة، ومنها أيضاً بقاء رأس مال لحرفته كتاجر ومزارع إن احتاجت لذلك، ورأس المال يختلف باختلاف الناس، والمراد ما يمكنه الاكتساب به قدر كفايته وكفاية عياله، ومنها نفقته ونفقة عياله الوسط من غير تبذير ولا تقتير إلى حين عودته، والنفقة تشمل الطعام والكسوة والسكنى، فمتى توفرت هذه الأمور مع أمن الطريق وغلبة السلامة ومع زوج أو محرم لامرأة وجب الحج لتحقق الاستطاعة المشروط بها حكم الحج والعمرة.

 

والاستطاعة عند المالكية: إمكان الوصول لمكة إمكاناً عادياً بمشي أو ركوب براً أو بحراً بلا مشقة فادحة أي عظيمة خارجة عن العادة، وأمن على نفس ومال له بال بالنسبة لحال الشخص المأخوذ منه لا إن قلَّ بأن لا يضر بصاحبه غلا أن ينكث ظالم أي يرجع للأخذ ثانياً، فإن خيف منه ذلك سقط وجوبه وإن قلَّ المجموع، فالاستطاعة عند المالكية لا تتوقف على ملك الزاد والراحلة، وحديث ما السبيل؟ قال الزاد والراحلة ضعيف فإذا أمن على نفسه وكان له صنعة تقوم به وتليق بمثله كحلاقة وخياطة وخدمة بأجرة وقدر على المشي عُدَّ مستطيعاً ووجب عليه الحج ولو كان أعمى يهتدي بنفسه أو بقائد ولو بأجرة قدر عليها إذا كان ذكراً لا امرأة فإنه يسقط عنها بل يكره لها ذلك ولو قدرت على المشي مع قائد، وكذلك يُعد الشخص مستطيعاً إذا قدر على الوصول ولو بثمن ماشية أو عقار أو ثياب فاضلة عن ثياب بدنه، لا بدين ولو من ولده إذا لم يرج الوفاء، ولا بعطية من هبة أو صدقة إن لم يكن معتاداً لذلك، ولا بمشقة فادحة، وكذا يجب عليه إذا قدر على الوصول ولو أدى إلى افتقاره أي صيرورته فقيراً بعد حجه أو ترك ولده ومن تلزمه نفقته للصدقة إن لم يخش عليهم ضياعاً أو شديد أذى بأن كان الشأن عدم الصدقة عليهم أو عدم من يحفظهم وهذا على القول بوجوب الحج فوراً، كما هو أرجح القولين، وأما على القول بأنه واجب على التراخي إلى خوف الفوات فلا إشكال في تقديم نفقة الأولاد والأبوين والزوجة على الحج، وكذا يجب عليه إن قدر على الوصول بسؤال الناس وكان عادته السؤال في الحضر وظن الإعطاء وإلا سقط عنه، واعتبر في الاستطاعة زيادة على إمكان الوصول ما يعود به من المال أو ما يقوم مقامه إلى وطنه أو أقرب مكان يعيش به إذا لم يمكنه الإقامة بمكة، وزيد في حق المرأة زوج يسافر معها أو محرم أو رفقة أمنت إذا كان حجها فرضاً، أما إذا كان نفلاً أو عمرة فلابد من الزوج أو المحرم وإلا حرم عليها، ومن غير المستطيع سلطان يخشى من سفره العدو أو اختلال الرعية أو ضرراً عظيماً يلحقه بعزله مثلاً لا مجرد العزل، والمعتمد أنه لا تصح النيابة في الحج عن حي مطلقاً سواء كان المحجوج عنه مستطيعاً أو لا في فرض أو نفل، و تصح مع الكراهة عن ميت أوصى به، كما يكره للمستطيع الذي عليه حجة الفرض أن يبدأ بالحج عن غيره بناء على أنه واجب على التراخي وإلا منع البدء به عن غيره.

 

الاستطاعة عند الشافعية نوعان: استطاعة بالنفس وهي أن يكون صحيح البدن مالكاً للزاد والراحلة لذهابه وإيابه أو ما يقدر به على تحصيل ذلك آمناً على نفسه وماله وعياله، واستطاعة بالغير، وهي أن يكون عاجزاً عن الحج بنفسه لمرض أو زمانة وله مال يدفعه إلى من يحج عنه فيجب عليه فرض الحج أو ليس له مال ولكن له ولد يطيعه إذا أمره بالحج وكان مستطيعاً فيجب عليه أن يأمره بالحج كما تجب الإنابة عن ميت لزمه الحج في حياته ولم يحج فيجب على الوارث أن ينيب من يحج عنه من تركته، والمراد بالزاد والراحلة كل ما يحتاجه مريد الحج في سفره من مؤنة وكسوة وأجرة ركوب براً وبحراً وخادم ومعين ومحرم بالنسبة للمرأة ويشترط أن يكون ذلك فاضلاً عن الأمور الآتية:

 

أولاً: عن مؤنة عياله ومن يلزمه الإنفاق عليه من أصل وفرع بحيث يترك لهم ما يكفيهم في جميع حوائجهم مدة ذهابه وإيابه حتى يعود إليهم.

 

ثانياً: عن مسكنه اللائق به وخادمه المحتاج إليه لكبر أو مصب سواء كان ذلك مستأجراً أو مالكاً فلا يلزمه أن يبيع مسكنه ولا عبده للحج إلا إذا كان مكتفياً بالسكنى في وقف أو مدرسة، وهذا إذا كانت الدار مستغرقة لحاجته أو فضل من ثمنها مالاً يفي بحجه وكانت سكنى مثله، والعبد لائقاً بخدمة مثله، فإن وفى ثمن بعض الدار بمؤنة الحج وكفاه لسكناه باقيها أو كانا لا يليقان بمثله ولو أبدلهما لوفَّى الزائد بمؤنة الحج فإنه يلزمه الحج كما ذكره الإمام النووي في مجموعه، ولو كان له مسكن يحتاج لسكنى بعضه وإجارة بعضه الآخر لنفقته أو نفقة من تلزمه نفقته وكان ثمن ما يستغله للنفقة غير كاف لمصاريف الحج والنفقة على عياله إلى عودته فلا يلزمه بيع ما يستغله للنفقة ولا ما ينتفع به للسكنى وكذلك لو كان له مال ولا يملك مسكناً كان المال بقدر ثمن المسكن أو يزيد عليه بما لا يكفيه لحجه جاز له شراء المسكن ولا يجب عليه الحج، وتقدم عن الحنفية أن المسكن الذي يسكنه هو أو من يجب عليه مسكنه ولو كبيراً يمكنه الاستغناء ببعضه والحج بالفاضل لا يلزمه بيعه ولا بيع الزائد منه ليحج به.

 

ثالثاً: أن يكون فاضلاً عن دَينه سواءً كان حالاً أو مؤجلاً لآدمي، أو لله تعالى كنذر وكفارة، وإذا سقط الحج بالدين فبالاستدانة لا يصير واجباً.

 

رابعاً: وعن آلات الحِرَف كآلات النجارة والحدادة وغير ذلك من الصنائع مهما كانت قيمتها ومثل ذلك خيل الجندي وسلاحه وبهائم الزارع وكتب الفقه إلا إن كان له من كل كتاب نسختان فيباع الزائد، وإن كان للإنسان مال في ذمة غيره وأمكنه تحصيله في الحال فهو كالحاصل عنده فيلزمه الحج، وإن لم يكن تحصيله في الحال فكالمعدوم.

 

وفي المجموع إذا كانت له بضاعة يكسب منها كفايته وكفاية عياله أو كان له عرض تجارة يحصل من غلته كل سنة كفايته وكفاية عياله وليس معه ما يحج به غير ذلك وإذا حج به كفاه وكفى عياله ذاهباً وراجعاً ولا يفضل شيء، فهل يلزمه الحج ؟ فيه وجهان، والصحيح عند جمهور الأصحاب أنه يلزمه وبه قال أبو حنيفة، وقيل: لا يلزمه، وبه قال أحمد وجماعة، وكذلك من لم يجد زاداً ولا راحلة وكان عادته سؤال الناس أو المشي، فهل يلزمه الحج؟ فيه وجهان، قيل: لا يلزمه، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وبعض أصحاب مالك، قال البغوي وهو قال العلماء. وقال مالك: يلزمه الحج في الصورتين أي لأنه مستطيع وبه قال داود، ومن له صنعة يكسب بها كفايته لنفقته استحب له أن يحب لأنه يقدر على إسقاط الفرض بمشقة لا يكره تحملها.

 

والاستطاعة عند الحنابلة: ملك الزاد والراحلة لذهابه وإيابه أو ما يقدر به على تحصيل ذلك من نقد أو عرض فعن أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن السبيل فقال الزاد والراحلة) ولأنها عبادة تتعلق بقطع مسافة بعيدة فكان ذلك شرطاً كالجهاد، والزاد يعتبر مع قرب المسافة وبعدها والمراد به ما يحتاج إليه من مأكول ومشروب وكسوة صالحة لمثله، وتعتبر الراحلة مع بعد المسافة فقط، ولو قدر على المشي وهو ما تقصر فيه الصلاة لا فيما دونها فيلزمه المشي إلا مع العجز لكبر ونحوه كمرض فتعتبر الراحلة حتى فيما دون المسافة للحاجة إليها إذن.

 

ويعتبر في الاستطاعة من يخدمه إن لم يقدر على خدمة نفسه والقيام بأمره لأنه من سبيله دون صنعة تكفيه عن الزاد في سفره فليس بمستطيع لما تقدم أن الاستطاعة ملك الزاد والراحلة، أو ما يقدر به على تحصيلها ويعتبر أن يكون ذلك فاضلاً عمَّا يحتاج إليه من مسكن يحتاج لسكناه أو إلى أجرته لنفقته أو نفقة عياله لتأكد حقهم كما يفهمه حديث: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول) وكذلك ما يحتاج إليه من كتب لأنها في معنى المسكن ونحوه، ويعتبر أيضاً أن يكون ذلك فاضلاً عن بضاعة يختل ربحها المحتاج إليه لو صرف شيئاً منها في حجه لما فيه من الضرر عليه، وعن خادم لأنه من الحوائج الأصلية وعن قضاء دينه حالاً كان أو مؤجلاً لله تعالى أو لآدمي وعما لابدَّ منه لمؤنته ومؤنة عياله الذين تلزمه مؤنتهم لأن ذلك مقدم على الدين فلأن يقدم على الحج أولى لكن إن فضل منه عن حاجته وأمكن بيعه وشراء ما يكفيه كأن كان له مسكن واسع أو خادم نفيس فوق ما يصلح له وأمكن بيعه وشراء ما يكفيه ويفضل ما يحج به وجب بيعه للحج، وكذا إن كان له كتب واستغنى بإحدى نسختي كتاب باع الأخرى و لزمه الحج، ويعتبر في الاستطاعة أيضاً أن يكون له ما يقوم بكفايته وكفاية عياله إلى أن يعود من مال أو أجور عقار أو ربح بضاعة، ولا يصير العاجز عن ذلك مستطيعاً ببذل غيره له مالاً أو مركوباً ولو كان الباذل ولداً أو والداً لما فيه من المنة، فمن توفر له شرط الاستطاعة على الوجه المذكور مع الأمن على نفسه وماله وجب عليه الحج فوراً، انظر كشف القناع.

 

هذا ملخص ما ذكره الفقهاء في هذه المسألة، ومنه يعلم أن ما يفعله بعض العامة من الاستدانة وعمل الليالي اللاهية قبل سفر الحج وبعد العودة منه وما يرتكبونه من ترك أولادهم ومن تهمهم نفقته بلا عائل وترك قضاء ما عليهم من الديون ورد المظالم ونحو ذلك مع كونه غير جائز شرعاً موجب لعدم قبول حجهم، وتقدم في علامات الحج المبرور ما فيه الكفاية من ذلك و الله أعلم، و فقنا الله تعالى لما فيه رضاه وهدانا لاتباع كتابه وسنة حبيبه ومجتباه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وكل من والاه.