حكم الشرع في المظاهرات في سوريا


||عدد مرات المشاهدة6574 زيارة|عدد الإرسال لصديق499 إرسال|عدد مرات الطباعة4 طباعة|0 تعليق

نص الاستشارة أو الفتوى:
فقد سألني كثير من الإخوة، عن حكم ( المظاهرات ) و( الاعتصامات ) التي يقوم بها الشباب في سورية, هل هي جائزة شرعاً ؟ أم أنها حرام على ما أفتى بهذا بعض الشيوخ ؟ !

نص الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسولنا ونبينا وآله وأصحابه ومن تبعهم إلى يوم الدين، وبعد:
فقد سألني كثير من الإخوة، عن حكم ( المظاهرات ) و( الاعتصامات ) التي يقوم بها الشباب في سورية, هل هي جائزة شرعاً ؟ أم أنها حرام على ما أفتى بهذا بعض الشيوخ ؟ !
وفي البدء, جميل أن أسأل عن هذه المسألة، في سورية، لأني ابن هذا البلد, وأهل البيت أدرى بالذي فيه، وأهل مكة أدرى بشعابها،أقول هذا، لأن الحكم الشرعي, يختلف زماناً ومكاناً وشخصاً، ففارق المكان أمر معلوم، وشأنه عند العلماء معتبر. فقولنا: إن هذا الأمر جائز في هذا البلد لايعني أنه جائز، في كل البلدان، أو العكس، وهكذا. أما في البلدان الأخرى, فعلماء ذلك البلد ومفكروه،هم أدرى الناس في هذه المسألة أو تلك، وهم الذين يقدرون الأمر حق قدره. والمظاهرات حكمها يدور مع الحاجة إليها، وما يترتب على ذلك من نواتج ومآلات, والأمور بمقاصدها, كما يقول العلماء، ونحن المسلمين، وسائلنا إسلامية، ومقاصدنا إسلامية.
من هنا يمكن القول: بأن خروج الشباب في سورية, إلى الساحات، بمظاهرات سلمية، مطالبين بحقوقهم المسلوبة, ومنادين بمطالبهم المشروعة،ومنددين بالظلم الواقع عليهم،يريدون الإصلاح، ويبحثون عن التغيير الإيجابي،وينادون بحقوق الإنسان وكرامته، جائز من الناحيةالشرعية، بل هو واجب، لأن مالا يتم الوجب إلا به فهو واجب،كما قال العلماء.
وتكييف هذا الحكم على مايأتي:
- لأن هذا من باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: ذلك أن هؤلاء الشباب، الذين خرجوا إلى الساحات، لم يخرجوا للتخريب ولا للفساد في الأرض، وإنما خرجوا آمرين بالمعروف، إذ يطالبون بالحرية، والعدالة، وما إلى ذلك من مطالب، وناهين عن المنكر, برفع الظلم عن المظلومين، ورفع قانون الطواريء, هذا القانون الجائر, وإطلاق سراح المسجونين بسبب الرأي، ومحاربة الفساد، بكل أشكاله، وجميع صوره، وما إلى ذلك من أمور.
والله تعالى يقول: [ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ] (آل عمران )104. وجاء في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه, عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وأصحابه - يقول: من رأى منكم منكراً، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع، فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.
- وهم ناصحون: إذ أنهم قاموا ليبذلوا النصح، والنصح واجب شرعي، فحق لنا أن نضعهم فوق الرؤوس والمقل، لا أن نقمعهم ونقتلهم، بل يجب سماع مطالبهم، وأخذها بعين الاعتبار.
ولكن الطغاة لايحبون الناصحين. جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه، عن تميم الداري - رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: الدين النصيحة.
-عملهم هذا جهاد: بلا سيف، ولا عنف، جهاد سلمي، بوسائل تقرها كل دساتير العالم، وتعتبر من حقوق الإنسان، فلا قتل، بل هم الذين يقتلون، ولا تخريب، ولا حرق، ولا أذية لأحد، ولكن هم الذين يقابلون بالعنف والأذية، شعارهم سلمية.... سلمية.... سلمية. فجزاهم الله خيراً إذ يقومون بهذا الواجب العظيم.
-بل من أعظم الجهاد: كيف لا، وهم يجهرون بكلمة عدل لسطان جائر، ويقولون كلمة حق عند حاكم ظالم. جاء في السنن بسند حسن، قوله عليه الصلاة والسلام: أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر. وفي النسائي -بسند صححه النووي- أن النبي - صلى الله عليه وسلم- سئل عن أفضل الجهاد، فقال: كلمة حق عند سطان جائر.
-وإن من قتل في مثل هذه الحالة، فهو شهيد بإذن الله، بل من سادة الشهداء. جاء في الحديث: (سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله ). وهو حديث حسن.
 من هنا فإنا نقف وقفة إكبار، لهؤلاء الأبطال الأحرار.الذين يقومون بهذا العمل النبيل، فيعرضون أنفسهم للخطر من أجل خدمة الشعب، ويتحملون ألم الموقف نصرة للحق، ومحاربة
للظلم والفساد.
-وهنا تثار شبهة، مفادها: أن الخروج على الحاكم، والتمرد على السلطة، أمر تترتب عليه مفاسد كثيرة، من هنا حذر أهل العلم من هذا الأمر. نقول لهم: إن هؤلاء الشباب لم يخرجوا حاملين للسلاح، بل خرجوا بوسيلة شرعية سلمية، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر, ويقولون كلمة عدل، وينطقون كلمة حق، حاملين هم الأمة، محاولين رفع الظلم، باحثين عن الحرية، منددين بالاستبداد، محاربين للقمع، باحثين عن سبل الخروج من هذا المأزق الذي يعيشه الشعب.
 فلا فتنة، بل الفتنة أن لايخرج أحد، المصيبة أن يسكت الناس، الكارثة أن لانجد من يقول لا, الطامة أن يتحول الناس إلى مصفقين، فلا أمر بالمعروف، ولا نهي عن المنكر، وهنا تكون الطامة، وتكمن النكسة، فينتفش الباطل، ويتفرعن الحاكم, وتحل المصيبة،وينزل غضب الله.
جاء في السنن بسند صحيح، عن أبي بكر الصديق _ رضي الله عنه _ قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه).
 نسأل الله تعالى أن يحمي هؤلاء الشباب الأحرار، من بطش النظام، وبلاطجة السلطة، وأن يحقق لهم آمالهم، وأن يرفع أقدارهم، وأن يكتب أجرهم. كما أسأله تعالى أن يرحم الشهداء وأن يتقبلهم عنده، وأن يلهم أهلهم الصبر والسلوان. والحمد لله رب العالمين.
                            الشيخ الدكتور/ عامر أبو سلامة
 
                     عضو رابطة العلماء السوريين