هل تارك الصلاة كافر


||عدد مرات المشاهدة3085 زيارة|عدد الإرسال لصديق0 إرسال|عدد مرات الطباعة0 طباعة|0 تعليق

نص الاستشارة أو الفتوى:
ما هو حكم تارك الصلاة؟ نسمع أن بعض العلماء يقولون: إنه كافر بدليل حديث الرسول صلى الله عليه وسلّم: "بين المرء والكفر ترك الصلاة"، فيأخذون بظاهر الحديث ويكفِّرون تارك الصلاة ويستحلّون دمه، وعلى هذا الأساس يؤدي ذلك إلى فتنة عظيمة؟ فما ردّكم على ذلك؟ نرجو التوضيح مع الأدلة.

نص الجواب:

هل تارك الصلاة كافر؟

إجابة: حسن قاطرجي

وردني السؤال التالي: ما هو حكم تارك الصلاة؟ نسمع أن بعض العلماء يقولون: إنه كافر بدليل حديث الرسول صلى الله عليه وسلّم: "بين المرء والكفر ترك الصلاة"، فيأخذون بظاهر الحديث ويكفِّرون تارك الصلاة ويستحلّون دمه، وعلى هذا الأساس يؤدي ذلك إلى فتنة عظيمة؟ فما ردّكم على ذلك؟ نرجو التوضيح مع الأدلة.

الجواب بتوفيق الله: تركُ الصلاة لا شكّ أنّه يدل على لا مبالاة في تطبيق أوامر الدين وضعفٍ شديد في الإيمان بالله وأوامره وهو معصية كبيرة، هذا أقل ما يُقال فيه.

وهل يُعتبر كفراً يجعلُ صاحبه مرتدّاً عن الإسلام خارج دائرة الملّة؟

الجواب: أن جمهور الفقهاء وأكثر أهل العلم على أنه ليس كفراً ناقلاً عن الإسلام ولا يُعتبر صاحبه مرتدّاً، وإنما هو عاصٍ مرتكب لكبيرة من الكبائر. وهو مذهب الأئمة أبي حنيفة ومالكٍ والشافعيّ وأحمد في إحدى الروايتين عنه رحمهم الله جميعاً.

هذا إذا كان هذا الترك مع الاعتقاد بفرضية الصلاة والاعتراف بالخطيئة ولا يرافقه أيُّ استهزاء بهذه الشعيرة العُظمى من شعائر الإسلام.

أما إذا كان الترك على خلفيّة الاستهزاء بالدين أو الصلاة نفسِها أو عدم اعتقاد وجوبها أو أن التاركَ لها لا يعتبر نفسه عاصياً بتركها، فيكون الترك في هذه الحالة كفراً ناقلاً عن الإسلام وصاحبه مرتدّ. وعلى هذا إجماع علماء الإسلام.

إلا أن بعض الصحابة والتابعين يرى كفرَ تارك الصلاة مطلقاً ولو كان عن كسل أو دعوى الانشغال عنها. وهو الرواية الثانية عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.

قال الإمام النوويُّ رحمه الله في كتابه القيِّم "المجموع" 14:3: ((إذا ترك الصلاة جاحداً لوجوبها... فهو كافر مرتدٌّ بإجماع المسلمين ويجب على الإمام قتلُه بالردة إلا أن يُسلم. ويترتّب عليه جميع أحكام المرتدين، وسواء كان هذا الجاحد رجلاً أو امرأة. هذا إذا كان قد نشأ بين المسلمين، فأما من كان قريب العهد بالإسلام أو نشأ بباديةٍ بعيدة من المسلمين بحيث يجوز أن يَخْفَى عليه وجوبُها فلا يكفر بمجرّد الجحد بل نعرّفه وجوبها، فإن جحد بعد ذلك كان مرتدّاً...)).

ثمّ قال: ((وبه ـ أي بهذا الذي قرره ـ قال مالك والأكثرون من السلف والخلف. وقالت طائفة: يكفر ويجري عليه أحكام المرتدين في كل شيء وهو مرويّ عن علي بن أبي طالب وبه قال ابن المبارك وإسحاق ابن راهُوْيَهْ وهو أصح الروايتين عن أحمد..".

ثمّ قال رحمه الله: ((من ترك الصلاة غير جاحدٍ قسمان: تَرَكها لعذرٍ كنوم ونسيان ونحوهما فعليه القضاء فقط ووقتُهُ موسّع ولا إثم عليه، الثاني: تَرَكها بلا عذر تكاسلاً وتهاوناً فيأثم بلا شك ويجب قتله إذا أَخَّر، وهل يكفر؟ فيه وجهان.. قال: والثاني لا يَكْفُر وهو الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور)). انتهى النقلُ عنه رحمه الله تعالى.

واستدلّ الجمهور على مذهبهم بالحديث الصحيح الذي رواه أبو داود وغيره وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "خمسُ صلواتٍ افترضَهُنَّ الله: من أحسن وضوءهنّ وصلاهُنّ لوقتهنّ وأتمّ ركوعهنّ كان له على الله عهدٌ أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد: إن شاء غَفَر له وإن شاء عذّبه". فقوله r: إن شاء غفر له وإن شاء عذّبه: دليل على عدم كفره.

أمّا الأحاديث الصحيحة التالية المصرّحة بكفر تارك الصلاة كحديث: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" رواه الإمام مسلم، وحديث "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة من تركها فقد كفر" رواه الترمذي والنّسائي وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب، وقول التابعي الجليل عبدالله بن شقيق العُقيلي: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم لا يعتبرون شيئاً تركُه كفر غير الصلاة) رواه الترمذي وصحح النوويُّ وغيرُه إسناده... وغيرها من الأحاديث والآثار التي يدل ظاهرها على كفر ترك الصلاة، فقد حَمَلوها على التغليظ والترهيب وأن الكفر المصرّح به ليس الكفر الناقل عن الملّة وإنما هو كفر المعصية الكبيرة الذي هو عند أهل العلم: كفر دون كفر، وذلك جمعاً بين النصوص.

وحيث يقول العلماء بالكفر فإنّه بالنسبة للوصف القائم بالشخص أما تنفيذ حكم القتل فهو راجع إلى إمام المسلمين وليس إلى أفراد الناس بل صرّح أهل العلم بإثم من يُقدم على ذلك. والله أعلم.

وأختم بالتنبيه إلى النقاط الثلاث التالية:

1. اتفاق العلماء على أن تارك الصلاة جُحوداً أو استهزاءً مرتدٌّ يُقتل كفراً كما ذكرت مقيّد تنفيذه باستتابته ومناقشة الشبهات التي عنده ودحضِها وإقامة الحجة عليه فإن رجع إلى الحق وتاب عُصم دمُه وإلا نُفّذ عليه حدّ الردة ينفّذه الإمام في الدولة الإسلاميّة.

2. أما تارك الصلاة كسلاً أو تشاغُلاً عنها فالجمهور يقولون بقتله عقوبةً لا ردةً بعد استتابته أيضاً ثم إصراره على الترك، ولا ينفّذه إلا الإمام أيضاً، قال شيخُ الإسلام النوويّ رحمه الله في "المجموع" 15:2: والصحيح أنه يُغسَّل ويصلّى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين. ومقابل مذهب الجمهور مذهب الحنفية الذي لا يرى فقهاؤه قَتْله وإنما يُفتون بحبسه حتى يُصلّي.

3. الأحكام الشرعيّة كلٌّ متكامل وحلقات مترابطة منسجمة، وبالنسبة للتعامل مع تارك الصلاة سواءً بالقتل حيث يجب القتل ردةً أم عقوبة أو الحبس عند من قال به: يرتبط تطبيقه بوجود حاكم مسلم يسهر على تطبيق الشرع وقضاءٍ شرعي يحتكم إليه الناس ومناخ في المجتمع يتربى فيه المسلمون على حبّ الصلاة والاهتمام بأدائها والمحافظة عليها، أما في مثل بلادنا ومجتمعاتنا فعلينا الاهتمام بالدعوة إلى الله وإلى فهم الإسلام فهماً صحيحاً ونشر أحكامه وحثّ عصاة المسلمين على التوبة والالتزام بفرائض الدين وترك محرّماته بالموعظة والحجة العلمية والقدوة الحسنة. والله تعالى أعلم.