حول فتوى الشيخين النابلسي والرفاعي في موضوع هجرة وإقامة المسلمين في ديار غير المسلمين


|||عدد مرات المشاهدة7973 زيارة|عدد الإرسال لصديق256 إرسال|عدد مرات الطباعة12 طباعة|0 تعليق

نص الاستشارة أو الفتوى:

حوار هادئ بين تلاميذ المدرسة الواحدة حول فتوى الشيخين الفاضلين النابلسي والرفاعي في موضوع هجرة وإقامة المسلمين في ديار غير المسلمين



نص الجواب:

 

 

حوار هادئ بين تلاميذ المدرسة الواحدة حول فتوى الشيخين الفاضلين النابلسي والرفاعي في موضوع هجرة وإقامة المسلمين في ديار غير المسلمين

 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فإن الفتوى التي أطلقها الشيخان الجليلان فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي وفضيلة الشيخ أسامة الرفاعي، وجنحا فيها إلى القول بتحريم إقامة المسلم في غير بلاد الإسلام، قد صدمت طوائف كثيرة من الناس، فما إن تحركت بها شفاههم إلا وتلقفتها وسائل التواصل الاجتماعي. وصارت في يوم أو بعض يوم قضية رأي عام تتدافع فيه وجهات نظر مختلفة ما بين تابع مؤيد، وناقد متوقف، ومصدوم عقدت الدهشة لسانه فقفز بها خارج دائرتها ليحاكم من خلالها المدرسة الإسلامية التي إليها ننتمي.. حتى أن البعض ممن تعود أن يصطاد في الماء العكر وصل به الأمر إلى استخدامها لمحاكمة الإسلام نفسه، ووجدنا أنفسنا جميعًا سرعان ما عدنا لنناقش مع بعض المسلمين قضية كنا نحسب أنها حسمت منذ زمان بعيد ألا وهي صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان.

 

بداية.. إنني والشيخين الجليلين تلامذة مدرسة واحدة، تنتهج الفكر الوسطي المعتدل، نهلنا جميعا من ينبوع العلم الصافي، ووردنا معا على نهر الإسلام العظيم، أعرف من حرصهما على الحق ما يدفعني إلى بيان الحق، وأعرف أنهما لا يدعيان احتكار الحقيقة، ولكنه اجتهاد منهما قابل لإعادة النظر، وما دامت القضية لازالت بين أخذ ورد، والنقاش فيها لم يحسم بعد.. فإنني أحببت أن أنظر إليها من زوايا أخرى، وأدلي بدلوي برأي مختلف تمامًا عما ذهبا إليه، مبينًا أن في القضية مجالًا واسعا للنقاش، ولا يضير أبناء المدرسة الواحدة أن تختلف اجتهاداتهم وتتعدد آراؤهم في مثل هذه الموضوعات، فإن في هذا سعة على عباد الله، وثراء عريضًا في الفكر تحتاج إليه المجتمعات الإسلامية دائمًا، ولذلك أرجو أن يتسع صدر الشيخين الفاضلين لنقاش جاد حول هذه القضية الهامة في حياة المسلمين، والتي جاءت في مرحلة مفصلية من تاريخ الأمة الإسلامية والمنطقة العربية خصوصًا.

 

أجل… إنني أختلف مع أخوي الشيخين الجليلين في هذا الموضوع شكلًا وموضوعًا. وأرى أن اجتهادهما قد جانب الصواب.. وذلك لعدة أسباب:

 

من حيث الشكل:

 

إن التصدي للفتيا في موضوع مثل هذا من قبل فرد واحد كائنًا من كان خطأ محض، ومجانب للصواب، لأن هذا الموضوع وأمثاله موضوعات مركبة معقدة، يتقاطع عندها وفيها وبعدها الشأن الشرعي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والنفسي وغير ذلك، بأبعاد عابرة للزمان والمكان تتجاوز اللحظة الراهنة. وما من شأن من شؤون الحياة المختلفة إلا وتجده حاضرًا في التأثر والتأثير والتفاعل في مثل هذه الدائرة.

 

وحين يكون الموضوع المطروح من هذا الطراز فليس للفرد بالغًا ما بلغ علمه أن يتصدى منفردًا للفتوى فيه. وفتواه الانفرادية حينئذ تجانب الصواب، ولو صادف أنها وافقت الحق، فالمنهج القرآني واضح حاسم في مثل هذه الامور وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83], فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [النحل:43].

 

ولا شك أن قضية هجرة المسلمين ووجودهم في الغرب قضية استراتيجية تصلح مثلًا صارخًا على أمور الأمن والخوف التي ذكرها المولى سبحانه، وأمرنا أن نردها الى أهلها  أُوْلِي الأَمْرِ وأن نسأل فيها أَهْلَ الذِّكْرِ.

 

إن الواجب في مثل هذه الأمور أن يشترك في بحثها وإقرار مخرجاتها جمع من العلماء المختصين في كل هذه المجالات، يعتمدون في رؤيتهم للأمر على دراسات وأبحاث وإحصائيات واستطلاعات، تستقرئ الماضي وترصد الحاضر وتستشرف المستقبل، ضمن رؤية استراتيجية شاملة تأخذ الأبعاد كلها بعين الاعتبار. وتستهدف المصالح العليا للأمة.

 

وهكذا كان سلوك الصحابة الكرام رضوان الله عليهم في شأن الفتوى، ما إن يظهر لهم أن القضية موضع السؤال ليست شأنًا فرديًا أثره محدود، ولكنها مسألة لها علاقة بالشأن العام إلا ويتنادون للاجتماع والتفكر والتدبر وتقليب وجهات النظر، حتى يصلوا فيها إلى قرار يصدر عن عقل جمعي، ودراسة مستفيضة، وهكذا شاع فيهم القول: «إن هذه مسألة لو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر»؛ لأن منهج عمر  في مثل هذه القضايا منهج قرآني، حيث عودنا  أن يجمع جمعًا كبيرًا من الصحابة ليسألهم الرأي كلما عرضت قضية مثل هذه… مع أن الفاروق  هو من هو، علمًا وفقهًا وإلهامًا!! وهو الذي وافق الوحي في أمور عرفت في الصحاح بموافقات عمر.. ومع ذلك لم يكن ليتفرد  في إصدار فتاوى في كل ما يكون أن نطلق عليه قضايا الشأن العام إلا بعد أن يجمع لها «أهل بدر».

 

وأي قضية أولى من هذه القضية موضع البحث في أن تكون شأنًا عامًا!!! قضية تمس عشرات الملايين من المسلمين من الذين سافروا أو نشأوا أو ولدوا في بلاد غير المسلمين، وتجاوز عددهم في بعض التقديرات المائة مليون، إنها قضية الملايين الذين فروا من بلاد (المسلمين) بعد أن ضاقت عليهم بلاد المسلمين بما رحبت، وأحكم الخناق عليهم قبضته في كل شيء، هاربين من الظلم والاضطهاد والفقر والعوز، وأصبحوا في بلاد الإسلام كالأيتام على مائدة اللئام، يحاصرهم الجوع والخوف والمجهول يهيمون على وجوههم بلا هوية، طلبًا لجواز سفر, ولقمة عيش ضن بها القريب المسلم وقدمها الكافر الغريب!!.

 

قضية كهذه… هل يصح أن ينفرد في الفتوى فيها شيخ في مسجد, أو متحدث في فضائية دون الرجوع إلى أهل الذكر من المختصين؟!. لقد كان الواجب قبل إصدار الفتوى الفردية في هذا الأمر السعي إلى جمع العلماء المختصين، أو العودة إلى مجامعهم -وهي موجودة بالفعل- ودراسة المسألة وبحثها من الجوانب كلها.. ومن ثمَّ إصدار فتوى فيها صادرة عن عقل الأمة الجمعي. أو على الأقل -ريثما تصدر مثل هذه الفتوى الجماعية- بيان أن في الموضوع اجتهادات أخرى ووجهات نظر مختلفة، كي يشعر المسلم المهاجر معها أنه لايزال في سعة من رحمة الله، لا أنه فوق نكبته ومأساته التي يعيشها هو وأولاده، ويحاول جاهدًا أن يجد لها حلا ًولو كان في مراكب الموت، يأتي الموقعون عن رب العالمين ليحشروه بين المطرقة والسندان، سندان انعدام الخيارات، ومطرقة «الحرام» التي ينادى بها فوق رأسه… وإنه قد برئت منه ذمة الله ورسوله. 

 

تأصيل المسألة:

 

استند الشيخان الفاضلان في الاستدلال على حرمة الهجرة والإقامة في ديار الغرب على حديث شريف، وعلى جملة من الحكايات الواقعية والتجارب الشخصية التي مرت مع بعض المقيمين في ديار الغرب.

 

أما الحكايات والقصص التي ساقاها، وهي موجودة معروفة لكل من أقام هناك أو اهتم بهذا الموضوع.. (وعند كلٍ منا قصص أخرى مشابهة تصلح في السياق ذاته). فقد ذكرها الشيخان الفاضلان في إطار إثارة المخاوف على الأهل والأولاد والأحفاد لكل مقيم هناك أو عازم على الهجرة الى بلاد الغرب، وهي مخاوف حقيقية لا يستطيع أحد إنكارها. وهذه القصص في جملتها تصلح في سياق نصيحة يقدمها العالم المسلم لمن يريد أن يهاجر ليتنبَّه ويكون شديد الحرص على نفسه وأولاده وأحفاده ومن هو مسؤول عنهم، حتى لا يخسرهم فيندم حين لا ينفع الندم.

 

لكن.. هل تصلح هذه القصص دليلًا شرعيًا على إطلاق حكم التحريم للإقامة أو الهجرة إلى ديار الغرب؟!  لا أحد يقول بذلك، ولا الشيخان يقولان ذلك.

 

من هنا.. فإنهما استندا في القول بتحريم الهجرة إلى ديار الغرب أو الإقامة فيه على الحديث الشريف الذي رواه أبو داود والترمذي والنسائي والطبراني, ونصُّه كما جاء عند الطبراني أن رسول الله  بعث خالد بن الوليد إلى ناس من خثعم فاعتصموا بالسجود فقتلهم, فوداهم رسول الله  بنصف الدِّية ثم قال: «أنا بريء من كل مسلم أقام مع المشركين، لا تراءى ناراهما».

 

وبداية يجب السؤال: ما حكم هذا الحديث من حيث الرواية؟

 

إن هذا الحديث حديث مرسل، وقد أعلَّه بالإرسال الإمام البخاري وأبو حاتم الرازي والترمذي والدارقطني.

 

ولذلك ذهب الشيخ القرضاوي إلى القول بعدم صحة هذا الحديث.

 

والخلاف معروف بين العلماء في الاحتجاج بالحديث المرسل.. والصحيح أن الحديث المرسل لا يصح الاستدلال به في قضايا التحريم التي تستلزم أن يكون الدليل فيها خاليًا من أي شائبة، لأن الأصل في الأشياء الإباحة ولا يخرجها عن هذا الأصل إلا دليل قوي معتبر.

 

ولذلك أرى أن الاستدلال بهذا الحديث وحده دون أدلة أخرى تعضده غير كاف للنهوض دليلًا على حرمة الإقامة أو الهجرة إلى ديار الغرب..

 

مناقشة الفتوى من حيث الاستدلال

 

على فرض صحة الحديث.. فهل يصلح أن يكون دليلًا على تحريم الهجرة إلى ديار الغرب والإقامة فيها!

 

يرى الجمهور من أصحاب المذاهب والمعاصرين أن هذا الحديث ليس نصًا في التحريم، وبالتالي ليس دليلًا على حرمة الاقامة في بلاد الكفار بالإطلاق. وأنه على فرض صحته قد طرأت عليه إشكالات كثيرة تضعف إمكانية استخدامه ليكون دليلًا على حكم التحريم، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال كما يقول الأصوليون.

 

1-إن هذا الحديث جاء في سياق خاص ومناسبة معينة، ولا يصح أن تجتزأ جملة منه وتنتزع من سياقها الذي جاءت فيه. وسياق هذا الحديث واضح في أن رجالًا من المسلمين تخلفوا عن الهجرة إلى المدينة -وقد كانت قبل الفتح واجبة- وكان هؤلاء المتخلفون يضطرون أحيانًا أن يخرجوا مع المشركين, -ربما لأنهم كانوا يخفون إسلامهم أو غير ذلك- كما حصل في غزوة بدر، فإذا ما التقى الصفان في ساحة الحرب لم يستطع المسلمون أن يميزوا إخوانهم من بين المشركين لاختلاطهم بهم، وينتج عن ذلك أحيانًا أن يقتل المسلمون بعضًا من إخوانهم الذين خرجوا مع المشركين.

 

ونص الحديث موضوع النقاش واضح في هذا، وهو أنه عليه الصلاة والسلام بعث خالد بن الوليد إلى ناس من خثعم فاعتصموا بالسجود فقتلهم, فوداهم رسول الله  بنصف الدِّية ثم قال: «أنا بريء من كل مسلم أقام مع المشركين، لا تراءى ناراهما».

 

إذن الحديث يخاطب هؤلاء المتخلفين، ويذكّرهم بوجوب الهجرة إلى المدينة امتثالًا لقوله تعالى:  وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ [الأنفال:72], فإن لم يستطيعوا لأسباب خاصة فلا أقل من أن يبتعدوا عن المشركين إذا خرجوا معهم إلى الحرب، حتى لا يتورط المسلمون في قتلهم دون قصد، وجاء قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تراءى ناراهما» مؤكدًا هذا السياق، سياق الحرب واختلاط الصفوف فقال لهم: أما أنكم وقد اضطررتم للخروج مع المشركين فابتعدوا قليلًا عنهم بحيث لا تتراءى ناراكما؛ تقديرًا لمسافة الاحتياط, والحديث لا يتكلم عن هجرة من بلد إلى بلد بقدر ما يتحدث عن الابتعاد من مكان إلى مكان في ساحة المعركة، حتى لا يقتل المسلمون بعضهم بعضًا.

 

فأين هذا السياق وهذه المناسبة من تحريم الهجرة والإقامة في ديار الغرب؟!

 

إنه لتكلُّف واضح في بسط المعنى زمانًا ومكانًا ومناسبة. تكلُّف لا يحتمله النص ولا تحتمله المناسبة.

 

والأخذ بهذا الحديث –وحده- دليلًا على التحريم سلوك أهل الظاهر الذين يأخذون النص فيطيرون به ويجعلونه حديثًا ينطبق ولو بأدنى مناسبة وأحيانا بلا مناسبة، دون اعتبار لأي شيء آخر. وأنا أجلّ الشيخين الكريمين أن يكونا كذلك أو أن يقصداه.

 

لقد بلغ الأمر ببعض أهل الحديث المعاصرين الفضلاء -وأحسبه قد اقترب من أن يكون من أهل الظاهر– إعمالًا لهذا النص وبهذا الفهم الشكلي المجتزأ، أن يصدر فتوى بتحريم بقاء الفلسطينيين في ديارهم، ووجوب خروجهم منها بعد أن احتل اليهود فلسطين، بناء على أن فلسطين قد صارت بعد الاحتلال دار كفر ووجبت مغادرتها.

 

2- الحديث المذكور موضوع الاستدلال معارض بأحاديث أخرى تضعف إمكانية استخدامه دليلًا على تحريم الإقامة بين ظهراني الكفار، ومن أهم هذه الأحاديث حديث فديك الذي أخرجه ابن حبان في صحيحه «يا فديك أقم الصلاة, وآت الزكاة, واهجر السوء, وأقم من أرض قومك حيث شئت» -وقد كان قومه كفارًا-,

 

وكذلك الحديث الذي أخرجه أحمد في مسنده «البلاد بلاد الله, والعباد عباد الله, وحيثما أصبت خيرًا فأقم», وقبل ذلك قوله تعالى بعمومه: وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً [النساء:100].

 

3- إذا كان الأمر والحكم على ما ذهب إليه الشيخان الفاضلان من حرمة إقامة المسلم في دار كفر، فلماذا أقام المسلمون وعددهم ثمانون في أرض الحبشة مدة خمسة عشر عامًا؟!  وهي دار كفر بالتأكيد، ولم يرجعوا إلى المدينة إلا في العام السابع من الهجرة؟!

 

لماذا لم يطلب منهم النبي  أن يعودوا بمجرد أن قامت دولة الإسلام في المدينة؟ لاسيما والمسلمون كانوا في حاجة إليهم، ليكثروا سوادهم ويشتركوا معهم في غزوات بدر وأحد والخندق!

 

لماذا لم يأمرهم النبي  بالعودة إلى دار الإسلام من دار الكفر التي بها يقيمون؟

 

وخاصة حين نعلم أن أحد الصحابة وهو عبيد الله بن جحش كان قد ارتد وتنصر ومات هناك, -على خلاف بين أهل السير والمغازي وأهل الحديث في ذلك-، وقد تزوج رسول الله  زوجته أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان, وجهزها له النجاشي، وأمهرها أربعمئة دينار، وأرسلها إلى المدينة ليبني بها.

 

والسؤال: مع علم رسول الله أن واحدًا من أصحابه قد ارتد وتنصر!! فلماذا لم يخف على إسلام الباقين ويرسل لهم برقية عاجلة أن التحقوا بدار الإسلام خوفًا من الفتنة؟!

 

إن هذا الأمر لا يمكن أن يفهم إلا في ضوء ملاحظتين اثنتين:

 

الأولى: قوله عليه الصلاة والسلام لأصحابه سنة خمس من البعثة: «اذهبوا إلى الحبشة فإن فيها ملكًا لا يظلم عنده أحد وهي دار صدق». إذن مشروعية الهجرة إلى أرضٍ ما، والمستنتجة من هذا النص واضحة جدًا في توقّفها على طبيعة النظام في هذه الأرض، ومدى توافر العدل والحرية والاستقرار للمقيمين فيها والمهاجرين إليها.  

 

الثانية: توقيت العودة بعد فتح مكة سنة سبع من الهجرة، ذلك أن دولة الإسلام حين قامت في المدينة وحتى العام السابع من الهجرة لم تكن تتمتع بالأمن المطلق, ولا بالأمان الكامل، وهذا الأمن والأمان والاستقرار لم يتحقق إلا بعد الفتح وشعور المسلمين بالطمأنينة لمستقبل الإسلام. وحينئذ فقط أرسل لهم رسول الله  عمرو بن أمية الضمري ليعود بهم إلى المدينة، بعد أن استقرت الأمور في دار الاسلام، وأحس الحبيب الأعظم بأن دعائم الإسلام قد تمكنت، ولم يعد في الإمكان انتزاعها.

 

إذن… هاتان الملاحظتان تأخذ بنا إلى الاستنتاج الآتي:

 

المقياس في جواز الإقامة في بلدٍ ما، هو توافر الأمن والعدل والحرية والكرامة، الذي يسمح للمسلم بأن يقيم شعائر إسلامه، ويؤدي فروض دينه، ويقوم بواجب الدعوة إلى الله وتبليغ رسالته، ويأمن فيها على دينه، فإذا توافر ذلك فأنعم بها من دار.   

 

4- إذا كان الأمر على ما ذهب إليه الشيخان الفاضلان!! فكيف نفهم انتشار الإسلام في قارات الأرض جميعًا؟ وكيف دخل الإسلام بلاد الهند وإندونيسيا والصين؟ ألم تكن قبل الإسلام بلاد كفر وشرك؟ ألم يكن أهلها –وكثير منهم حتى الآن – مجوسًا وبوذيين وعباد نار وسيخًا وملاحدة ونصارى؟!  

 

ولو كانت الفتوى حينئذ على ما ذهب إليه الشيخان الفاضلان، وأخذ المهاجرون إلى تلك البلاد بهذا الرأي، أفكان للإسلام أن ينتشر في ربوع هاتيك البلاد ويمثل أكثرية ساحقة في بعضها، بحيث غدا المسلمون المنتشرون في تلك البلاد بمثابة المخزون الاستراتيجي لهذه الامة؟!

 

5- كيف تستطيع أن نفهَم ونفهّم الأجيال المسلمة، التي تتوق الى رؤية راية الإسلام مرفوعة خفاقة في كل زمان ومكان، لأنه صالح لكل زمان ومكان كما علّمناهم، وإذا بنا نخشى عليه أن ينتقل من مكان إلى مكان، فنطلب إليه أن لا يغادر أرضنا، ولا يبرح ديارنا؟ 

 

وهل الدعوة التي أمرنا الله بالقيام بها خاصة بالمسلمين؟ وإذا كانت لغير المسلمين.. فكيف يقوم المسلمون بها إذا كانت الإقامة في بلاد الكفار حرامًا، وألزمنا المسلمين بداية أن يبقوا بين ظهراني قومهم ما أمكنهم إلى ذلك سبيلًا !!

 

إذن.. متى وكيف يمكن أن يتحقق وعد الله؟ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة:33].

 

لكل ما مضى… نجد أن كثيرًا من الفقهاء المعاصرين وجمهور المذاهب الأربعة قد ذهبوا الى جواز الإقامة في ديار الكفر، خلافًا لما ذهب إليه الشيخان الفاضلان النابلسي والرفاعي.

 

- الحنفية قالوا بالجواز مطلقًا تبعًا لمذهبهم في أن الهجرة إنما هي إلى المدينة في صدر الإسلام، وقد كانت واجبة ثم نسخت بعد الفتح بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا هجرة بعد الفتح».

 

- الشافعية والحنابلة فصّلوا في شأن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام فقالوا: إن كان المسلم قادرًا على إظهار دينه في دار الكفر ولم يخف الفتنة في الدين فالهجرة في حقه -بمعنى العودة الى ديار المسلمين- مستحبة غير واجبة، وإقامته بالتالي هناك جائزة. يُنظر روضة الطالبين (٢٨٢/٣), ونهاية المحتاج (٧٧/٨), والمغني (٤٥٧/٨). 

 

- وأما المالكية وابن حزم الظاهري فمالوا إلى وجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام.. ويلزم عن ذلك حرمة السفر والإقامة ابتداء في دار الكفر، وإن كان بعض المالكية ذكروا ذلك بلفظ الكراهة، مما يدل على أن الأمر فيه سعة عندهم.

 

لكل ما سبق فإن أكثر المعاصرين من العلماء المعتبرين ذهبوا إلى جواز الإقامة في دار الكفر لدراسة أو عمل وما شابه ذلك دون حاجة إلى إعمال قاعدة الضرورات تبيح المحظورات؛ لأنها قاعدة لا يعمل بها إلا في المحرم ثابت الحرمة، وما كان محرمًا لذاته. وهؤلاء العلماء أساسًا يرون أن المسلم مادام قادرًا على إظهار دينه وإقامة شعائره من صلاة وجمعة وصيام وزكاة وما إلى ذلك، وأمِن الفتنة على دينه فيجوز له الإقامة في ديار الكفار. 

 

ومن هؤلاء المعاصرين العلامة المرحوم محمد أبو زهرة حيث يرى أن مدار الحكم هو أمن المسلم، فإن كان آمنا بوصف كونه مسلمًا فالدار دار إسلام، وإلا فهي دار حرب.

 

والافاضل الأجلاء الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي, والشيخ العلامة عبد الله بن بيّه, والشيخ محمد الحسن الددو وغيرهم كثير, يرون أن الإقامة في ديار الغرب جائزة لا شيء فيها مادام المسلم قادرًا على إقامة شعائر دينه من صلاة وصيام وزكاة وغير ذلك من شعائر الدين إذا أمن الفتنة على دينه.

 

ومعلوم بالتواتر والتجربة أن ديار الغرب عمومًا تعطي المجال واسعًا للمسلم المقيم فيها بحكم قوانينهم ودساتيرهم، أن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويحج البيت ويقرأ القرآن ويؤسس مدارس إسلامية، إلى غير ذلك من النشاطات التي تساعد المسلم على حفظ دينه.

 

ولذلك.. ولكل ما سبق…  فالقول بتحريم الهجرة إلى ديار الغرب ابتداءً قول مرجوح لا تعضده الأدلة، ولا يصح إطلاق الفتوى به بالعموم. وإن كان يصلح أن ينصح به للبعض دون البعض على حسب الحالة دون تعميم ولا إطلاق.

 

أعود لما بدأت به القول، من أن قضية بهذا الحجم تمسُّ حاضر الوجود الإسلامي في هذا العالم ومستقبله، لا يصح أن ينفرد في الفتوى فيها عالم أو مجموعة علماء شريعة وحدهم.

 

إن هؤلاء العلماء حين يجتمعون في مجامع إسلامية كبرى مع غيرهم من الاختصاصيين في كافة الشؤون السياسية والاجتماعية والاقتصادية والاستراتيجية يدرسون القضية من كافة جوانبها، ويستخدمون لتحليل هذه الظاهرة المركبة المعقدة كل ما يتوافر لهم من دراسات وبحوث وإحصائيات وقياسات رأي واستطلاع مستلهمين كل ما في تراثنا الإسلامي من عظمة وإبداع من مثل القواعد الفقهية المقررة الآتية:

 

- الضرورات تتيح المحظورات.

 

- إذا ضاق الامر اتسع.

 

- المشقة تجلب التيسير.

 

- تتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان.

 

- تنزيل الحاجيات محل الضرورات.

 

- قاعدة سد الذرائع لعموم البلوى.

 

- قاعدة فتح الذرائع (التي ينادي بها بعض الأصوليين المعاصرين).

 

- الحرام لغيره تَنزِل الحاجةُ فيه منزله الضرورة.

 

واضعين روح الشريعة ومقاصدها ومصلحة الأمة نصب أعينهم..

 

حينئذ.. وحينئذ فقط يمكن للمسلم أن يطمئن إلى ما يصل إليه هؤلاء أيًا كان قرارهم وفتواهم.. لأن العقل الجمعي والرؤية الشمولية لكل زوايا المشكلة، ومعالجة كل العناصر الداخلة في تركيب الصورة الكلّية للواقع والمستقبل، يجعل من الُمخرج النهائي أقوم طريقًا وأهدى سبيلًا .

 

وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83].

 

(والله تعالى أعلم)

عبد الفتاح السيِّد

عضو مجلس الأمناء للمجلس الإسلامي السوري