معنى قوله تعالى: [الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ] {الماعون:5}.


|||عدد مرات المشاهدة205 زيارة|عدد الإرسال لصديق1 إرسال|0 تعليق

نص الاستشارة أو الفتوى:

قال الله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ *}، فهل المعنى: ساهون عن الصلاة، أو ساهون فيها، وما عقاب الاثنين؟.



نص الجواب:

قال بعض المفسرين: إنَّ المذموم هو السهو عن الصلاة، بمعنى الانشغال عنها وإهمالها. وقال بعض آخر: إنَّ المذموم هو السهو فيها، أي: شرود الذهن عنها، بحيث يؤدي إلى ترك شيء منها، أو الشك في تركه، وكلا الأمرين مذموم. غير أنَّ الأول أشد ذماً، لأنه يؤدي إلى ترك بعض الصلوات، أو خروجها عن وقتها، وحكم ترك الصلاة معروف من الحديث عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» [أخرجه مسلم]، وذلك عند تعمد تركها وإهمال شأنها وعدم المبالاة بأدائها، ولئن قال بعض العلماء بعدم كفره إلا أن الذنب عظيم.

 

أما السهو عن الصلاة بدون تعمد كنوم وغفلة، فذلك لا يحدث إلا نادراً من المسلم، ولئن رفعت المؤاخذة عليه فإنَّ الحديث يجعله كالمعصية التي تحتاج إلى توبة: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ» [أخرجه مسلم]، فأمر بالقضاء وجعله كفارة.

 

وفي التنفير من إهمال شأن الصلاة بوجه عام جاء في الحديث الصحيح في الرؤيا التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أتى عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ، - قَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ أَبُو رَجَاءٍ: فَيَشُقُّ - " قَالَ: «ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الجَانِبِ الآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الأَوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الجَانِبُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ المَرَّةَ الأُولَى» وعندما سأل عليه الصلاة والسلام جبريل عن ذلك قال: هو الرَّجُلُ يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلاَةِ المَكْتُوبَةِ. [أخرجه البخاري، من حديث سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ].

 

والسهو بالمعنى الثاني مذموم أيضاً، غير أن الكثيرين يتعرَّضون له ولا يكاد ينجو منه أحد ولو بقدر ما، والمصلي الموفَّق هو الذي يقل سهوه وشرود ذهن ليخرج من الصلاة بجزء كبير يستحق الثواب عليه، وذلك هو ما يقيده معنى الخشوع، فهو خشوع بالجوارح وسكونها، وخشوع بالقلب والعقل وعدم التفكير في غير الصلاة، وقد جاء في الحديث: أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا إِلَّا عُشْرُهَا، تُسْعُهَا، ثُمُنُهَا، سُبُعُهَا، سُدُسُهَا، خُمُسُهَا، رُبُعُهَا، ثُلُثُهَا نِصْفُهَا» [أخرجه أحمد]، وذلك بقدر ما يخشع فيها.

 

والذي يساعد على عدم السهو عن الصلاة هو تنظيم أوقات العمل حتى لا تطغى على وقت الصلاة، وكذلك تنظيم السهر وعدم الإغراق فيه والاستعانة بما يذكِّر الإنسان بالصلاة كالساعات الدقاقة وغيرها.

 

والذي يساعد على عدم السهو فيها هو التركيز وفهم كل حركة يقولها أو فعل يؤديه، والشعور بجلال الوقوف أمام الله تعالى، واستحضار الموقف أمام أسئلة تلقى عليه ليجيب إجابة تكون في صالحه، تحتاج إلى تفهم وأناة وتركيز، مع البعد عن مصادر التشويش من أصوات أو مناظر أو غيرها، وجعل فترة ولو بسيطة بين العمل الذي يزاوله الإنسان وبين الصلاة حتى لا يدخل فيها مباشرة، وهو مشغول بما كان يعمله.

 

هذا، وبعض المفسرين قال: إنَّ السهو في الصلاة المذكور في هذه الآية هو السهو عن حكمتها، وعدم إدراك سرها، فهو يصليها شكلياً دون فهم، ولذلك لا تزيده إيماناً، ولا تفيده في تقويم سلوكه، وكل ذلك يمكن أن تتحمَّله الآية مع اختلاف في القُرْب والبُعْد.

 

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

المصدر: مجلة منبر الإسلام السنة الخامسة والأربعون، جمادى الأولى 1407 - العدد 5