عامر البو سلامة، كاتب في زمن الثورة


|||عدد مرات المشاهدة11588 زيارة|عدد الإرسال لصديق481 إرسال|0 تعليق

كاتب الترجمة: محمد ضياء الحليبي


 

عندما نتحدث عن كتاب الثورة، وما أنجزوا في خدمتها، لا بد وأن نمر على ذكر الدكتور عامر البوسلامة، لأنه واحد من أعلام كتاب الثورة، حيث كان يواكب أحداثها، ويتابع تفاصيل تطوراتها، ويعيش همومها، ويرصد أخبارها، فنشر كثيراً من المقالات، وكتب جملة من الحواريات، وأذيعت له مقابلات، وانتشرت له مقولات، تارة بأسلوب القصة والحوار، وفي بعض الأحيان بلغة الرمز والاشارة، وفي كثير من طرائقه في العرض والمناقشة، ينهج مناهج المباشرين في الحديث، يصبغ السياسة بلون الأدب، يؤصل المسائل بلغة الأحكام السلطانية، ويضفي جمال المعاصرة، على شواهد التراث، ويرسم لوحاته الفكرية، بمناهج الجادين، وأقلام الرصينين.

 

الغيرة رائده، والحب طريقه، والحقيقة مقصده، والعمل سيرته، والدأب محور حياته، واحترام الآخرين، فلسفته التي لا يغادرها، وبيان ما يلزم، في زمن السكوت، مفتاح الخير لديه، لو كلفه ذلك ما كلفه، لذا كتب (نظام إيران) يبين حقيقتهم، وشرح واقع النظام المجرم في سورية، وما ارتكب من مجازر وفظائع، فكانت له سلسلة من المقالات الفاضحة، والكلمات الكاشفة، لكثير من القضايا والأمور والمسائل.

 

واضح الهدف، جلي الغاية، بين المسار، واسع الفهم، يكتب بوعي وحكمة، تلاحظ عليه الدقة والأناة، يختار جمله اختياراً دقيقاً في التعبير عن أفكاره، وما يريد إيصاله من رسائل، منطقي الحجة، ومتناغم الأفكار، ذو أسلوب سلس، يندر أن تند جملة أو كلمة، خارج مساق اللغة العربية الفصحى، فهو عاشق لها، تشعر وأنت تقرأ له، كأنك أمام واحد من متذوقيها، وواحد من أحبابها، والشغوفين فيها.

 

هو عامر البو سلامة، من مواليد 1960 م، بمدينة ديرالزور، التي تنام هادئة على ضفاف نهر الفرات، وما أدراك ما نهر الفرات، الذي يغسل المدينة، بصفاء مياهه العذبة، وألوان انعكاس رونقه الجميل، فتكون كعروس، في ليلة زفافها، أو طفل جميل في يوم ميلاده.

 

ويتذكر قصيدة، شاعر وادي الفرات، محمد الفراتي، وهو يصدح قائلاً:

ذاك نهر الفرات فاحب القصيدا=من جلال الخلود معنى فريدا 

ذاك نهر الفرات مـــــا إن له ند=على الأرض إن طلبت نديدا 

باسماً للحياة عن سلسبــــــــــــــــيل=كلما ذقته طلبت المزيدا 

جرعة منه في قرارة كـــــــأس=تترك المرء في الحياة سعيدا 

 

والدكتور عامر، من أسرة ديرية معروفة، ترجع إلى قبيلة البو سلامة السادة، الصيادية الرفاعية، فخذ الحليبية، حيث يقال لكل البو سلامة (ولد الشيخ عيسى)، هذه القبيلة الموجودة بكثرة في محافظة ديرالزور، بالمدينة وبعض قرى البو كمال، والخابور، وغيرها من المناطق، كما أنها موجودة في كل المحافظات السورية.

 

والده الحاج حسين، واحد من تجار ديرالزور المعروفين، وجده مضرب المثل بالأمانة والعفة والتدين، ووالدته من أسرة اشتهر أهلها بالوجاهة، والتصدر في الخير، من آل الغضب البوهف.

 

وفي مدينته هذه نشأ وترعرع، وتربى في أحضانها، حيث ملاعب الصبا، ومرابع الرجال الشجعان، ومآثر القيم الأصيلة، وفطرة الناس، التي لم تداخلها مدنية الزيف التي تحرق مراكب الحياء، وقوارب النجاة، وتقطع دروب الرجاء، في عالم المثل.

 

درس في مدارسها، وتعلم في مساجدها، ويعتبر جامع الحميدي، محط الرحال، في عالم البناء الأول، والتكوين الابتدائي، الذي خلق روح المبادرة، وأوجد عوامل النقلة، وعنون للمرحلة القادمة، في ظلال إخوة أحبة، تركوا بصمات الخير، وفواتح الفضل، على القلب والعقل والروح، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من يتنظر، ورحم الله عبدالكريم مهلهل، وهشام ونبيل السراج، ومحمد الكدرو، وأضرابهم من أهل البطولة والشهامة والبسالة والفداء. كما يتذكر دائماً الشيخ عبدالوهاب حوكان، وبالخير يذكره، يصفه بأوصاف راقية، ويقول أنه ترك في نفسه أجمل الذكريات، وأعظم العظات، إذ كانت تربطه به رابطة مودة خاصة، رغم اعتزاله النسبي، واستيحاشه من الناس.

 

رحل من دير الزور، إلى العراق، إثر المحنة الأولى مع نظام الظلم والفجور، وقانون (49)، ليكون في كلية الشريعة ببغداد، ويتلقى على شيوخ العراق علوم الشريعة، نهاراً في جامعتها، وليلاً بين يدي شيوخها، ومنهم الشيخ الدكتور مولود حسين التركي – رحمه الله رحمة واسعة - فقد درس عليه المذهب الحنفي، وبعض القرآن الكريم، وطرفاً من شرح ابن عقيل، ثم بعدها حصل على الدكتوراه في الفقه المقارن، من السودان الشقيق، درس وعلم في المعاهد والجامعات، قريباً من ربع قرن، وله جملة من الأبحاث والمؤلفات، منها (حديث الإفك دروس وعبر) و (الحجاب) و (العولمة الدينية) و (الدراسات الفقهية) و (جدلية العلاقة بين النسب والزواج في الفقه الإسلامي) و (المحرمات من النساء) وغيرها من الكتب والأبحاث.

 

لما بدأت الثورة منطلقة من درعا، وصار المرجفون يثنون الناس، عن حقهم، في الحرية، والبحث عن إنسانيتهم التي فقدوها في فترة حكم هذا النظام المجرم، كتب (حكم الشرع في المظاهرات، في سورية)، وصار يواكب الأحداث أولاً بأول، وكتب قريباً من مائة مقالة، كما كتب حوارية (على رصيف في شارع عربي) من عشرة حلقات، عالج فيها حقيقة ما يجري في سورية، بأسلوب أدبي حواري، كما كتب سلسلة بعنوان (سورية تناديكم) سطر منها 28 حلقة، وما زالت مستمرة، لم ينس المعاناة للناس والحالة الإنسانية، فنادى وحث ودعا كل الدنيا للوقوف إلى جانب الشعب السوري، ومما كتب (زيارة الجرحى، استحقاقات ودلالات).. وفي كل مناسبة له تذكير، وإرشاد، فكان أن نشرت له مجلة المجتمع (ولادة المجلس الوطني، أعباء ومهام)، جهد مشكور، وقلم سيال، ويركز دائماً على أهمية جهاد الكلمة، وأن الكلمة مسؤولية.

 

يردد كلما لقيناه: أنا لست كاتباً، ولكني أكتب.