عبد الرحمن الكواكبي


|||عدد مرات المشاهدة142 زيارة|0 تعليق

كاتب الترجمة: الأستاذ محمود فاخوري رحمه الله


 

(1271 ـ 1320هـ/1855 ـ 1902م)

 

 

كان والده أحمد بهائي عالماً تقياً شغل عضوية مجلس إدارة الولاية وأمانة الفتوى، كما كان أحد مدرّسي الجامع الأموي الكبير في حلب. أما والدته فهي السيدة عفيفة بنت مسعود النقيب، وكان أبوها مفتي مدينة أنطاكية.

 تلقى عبد الرحمن مبادئ العلم في بعض المدارس الأهلية في حلب وأنطاكية، كما درس العلوم الشرعية في المدرسة الكواكبية. وكانت أمه قد وافاها الأجل وهو طفل في السادسة من عمره، وفقد بذلك ركناً ركيناً، وحرم حناناً كبيراً، فأرسله أبوه إلى خالته السيدة صفية بأنطاكية، فرعتْه رعاية حسنة ، وكانت تجيد القراءة والكتابة والخط، فلبث عندها ثلاث سنوات، تعلم فيها التحدث بالتركية أيضاً.

أخذ يتنقل بعد ذلك بين حلب وأنطاكية غير مرّة، وكان في أثناء ذلك يتلقى التعليم الشرعي والعصري ومبادئ العربية في المدينتين، سواء في بعض المدارس كان ذلك، أم على أيدي أساتذة متعددين ومنهم أبوه الشيخ أحمد، والشيخ عبد القادر الحبال، والشيخ محمد علي الكحيل، كما تلقى شيئاً من العلوم العصرية على يد الأديب التركي خورشيد. وحين بلغ اليفاعة كان قد أتقن العربية والتركية والفارسية جرياً على عادة الطبقة المثقفة في ذلك الزمان.

 كان الكواكبي كثير المطالعة والمراجعة في الكتب والمجلات العربية أو المترجمة إلى اللغة العربية، فضلاً عما كان ينشر من ذلك كلّه بالفارسية أو بالتركية، وكان له ولع بـ«علم العمران» الذي اهتم به ابن خلدون من قبل، وخصّه بفصول وافية في «مقدمته» المشهورة.

وكان - إضافة إلى ذلك - مولعاً بحفظ الشعر العربي، ومطالعة فوائده وشوارده، وإن لم يكن شاعراً.

عُرف الكواكبي منذ حداثته بميله إلى صناعة القلم، وتسخير هذه الصناعة لقضايا أمته ووطنه، وللسعي إلى انتشالهما من وهْدة التأخر والانحطاط. هذا ما كان يشغل باله، ويُثير في نفسه روح العزم على متابعة النضال، ومقارعة الظلم، ومحاربة الأضاليل والخرافات.

 حين بلغ الثانية والعشرين من عمره توفي أبوه؛ وكان هذا دافعاً له إلى العمل في تلك السن المبكرة، فوجد في الصحافة أقرب سبيل إلى نفسه وإلى تحقيق أهدافه ومطامحه البعيدة. فانضم إلى أسرة تحرير جريدة «فرات» الرسمية التي كانت تصدرها الحكومة في حلب باللغتين العربية والتركية، وكان يحرر فيها- إضافة إلى الكواكبي- كامل الغزي، ومحمد الحنيفي من أعلام حلب لذلك العصر. وبعد عام أصبح الكواكبي محرراً رسمياً لتلك الجريدة براتب شهري دائم.

 ثم تحول إلى الاستقلالية في عمله الصحفي، فأنشأ في العاشر من أيار/مايو 1877 بالاشتراك مع هاشم العطار جريدة سماها «الشهباء» باللغة العربية وحدها. وهي أول جريدة عربية صدرت في حلب ولكنها لم تعش سوى أيام معدودات؛ وسبب ذلك تسرع الشاب الكواكبي في الإصلاح وكثرة نقده لأعمال والي حلب آنذاك وموظفي ولايته، فعاجل صحيفة «الشهباء» بالتعطيل، ثم سمح بصدورها ثانية، وما لبثت أن أُغلقت أيضاً بعد صدور خمسة عشر عدداً منها.

 لكن الكواكبي- الذي يجري العمل الصحفي فـي عروقه - مـا لبـث أن أنشأ جريدة أخـرى باسـم «الاعتدال» في 25 تموز/يوليو سنة 1879 بدلاً من جريدة «الشهباء»، وصدرت بالعربية والتركية، وقد كتب في مقدمة العدد الأول كلمة أشار فيها إلى جريدة «الشهباء» التي أُغلقت:

- (على أن «الاعتدال» هي «الشهباء» من كل حيثية. وقد أخذت على نفسها- من قبل ومن بعد - القيام بكامل وظائف الجرائد الأهلية: من نشر حسنات الإجراءات، وإعلان سيئات المأمورين، وعرض احتياجات البلاد إلى مساعي أولي الأمر، ونشر كل ما يقتضيه تهذيب الأخلاق، وتوسيع دائرة المعارف، من أبحاث علمية وسياسية وغيرها).

- وكان نصيب جريدة «الاعتدال» كرصيفتها السابقة، إذ عمد والي حلب الجديد جميل باشا إلى تعطيلها بعد فترة قصيرة لأنها في رأيه أبعد ما تكون عن الاعتدال. وبذلك انطفأ سراج حياة هذه الجريدة في مطلع حياتها؛ لأن صاحبها المشهور بحرية الضمير، وحب الوطن كان ينبّه الحكومة على مواضع الخلل بكتاباته الشائقة وإرشاداته الصائبة.

 وبذلك توقفت جهود الكواكبي في ميدان العمل الصحفي واتجهت إلى مجالات أخرى، وإن لم يكفّ عن الكلام والتوجيه في مجالسه ورسائله، واتصالِه بمثقفي البلاد الأجنبية الذين يؤمون مدينة حلب. وفي هذه الفترة يأتي منعطف جديد في حياة الكواكبي وهو الخدمة في الدولة، إذ تولى عدداً من المناصب الإدارية والفخرية، ولا يبعد أن يكون ذلك برغبة منه في العمل بعد أن حورب في عمله الصحفي، وبرغبة - في الوقت نفسه - من السلطة لصرفه عن رسالته الإصلاحية الجريئة، ولا يبعد أن يكون هناك من لوّح له بذلك.

 من تلك الأعمال: عضويّته الفخرية في لجان: المعارف والمالية والأشغال العامة وامتحان المحامين، وتعيينُه مديراً لدائرة الإجراء في ولاية حلب، ثم مديراً فخرياً لمطبعة الولاية الرسمية، ثم عضواً في محكمة التجارة بولاية حلب أيضاً بأمر من وزارة العدلية.

وأخيراً ضاق الكواكبي ذرعاً بهذه المناصب كلها، وبالعمل الرسمي؛ فاستقال في آخر سنة 1886 وهو في الثانية والثلاثين من عمره، وعمد إلى فتح مكتب للمحاماة خاص به، يُفتي فيه أصحاب الدعاوى ويسطّر اللوائح الاعتراضية، ويحرر عرائض المتظلمين من الناس، ويرشد زملاءه المحامين فيما يشكل عليهم من أحكام الأنظمة والقوانين. وقد كان له فضل في كلّ ما تولاّه من مناصب وأعمال، كبيرها وصغيرها، وكان حبّ الإصلاح وحرّية القول والفكر باديين في كل عمل من أعماله؛ وهذا ما عرّضه للاضطهاد والسَّجن مرة أو مرتين. ثم تُبرّأ ساحتُه ويعود إلى عمله السابق أو إلى آخر غيره.

 وفي سنة 1310هـ/1892م عين رئيساً لبلدية حلب، فقام بأعمال جليلة في الإصلاح وفي الإنشاء والتعمير وإصلاح الطرق.

 وأخيراً، وبعد أعمال أخرى تولاها، عين قاضياً شرعياً في بلدة راشيّا، ولكنه بدلاً من أن يذهب إليها توجه سراً إلى مصر سنة 1899م (22 رجب 1316هـ) ناجياً بنفسه من الظلم والاستبداد، وصار ينشر هناك مقالاته المدوّية في جريدة «المؤيد» وانضمّ إلى ثلّة من السوريين الذين هربوا قبله كمحمد كرد علي، وطاهر الجزائري، ورفيق العظم، وعبد القادر المغربي، وعبد الحميد الزهراوي. وهناك وافته المنية إثر نوبة قلبية، وقيل إنه مات مسموماً. وقد نقش على قبره بيتان من الشعر نظمهما حافظ إبراهيم وهما:

هُنَا رجلُ الدنيا، هنا مَهبِطُ التُّقَى

هنا خير مظلومٍ، هنا خيرُ كاتبِ

قِفُوا واقرؤُوا أمَّ الكِتَابِ وسَلِّمُوا

عليهِ، فهـذا القبرُ قبرُ الْكَوَاكِبِي

 وقد رثاه الكتاب والشعراء بقصائد وكلمات باكية، ونعته الصحف العربية للعالم العربي والإسلامي، وبيّنت مدى الخسارة في فقده، كما أُلفت عنه كتب كثيرة جداً فيما بعد، ودراسات ومقالات تشيد بقلمه النيّر، وفضله الكبير إذ لم يهدأ طوال حياته عن العمل والدأب المستمر، حتى إنه قام - وهو في مصر - برحلة واسعة إلى أنحاء الشرق فتوغل في الجزيرة العربية على متون الجمال ثلاثين يوماً ونيفاً، وتحول إلى الهند فشرقيّ إفريقيا، وطاف أنحاء مصر والسودان والحبشة وغيرها وانتقل إلى ربه بعد ثلاثة أشهر من عودته إلى مصر، فذهبت معه معلوماته عن تلك الرحلة التي عاجلته المنية عن تسطيرها في مقال أو كتاب.

ترك الكواكبي آثاراً فكرية وأدبية وصحفية عدة، تتجلى فيما نشره في الصحف العربية من مقالات وكلمات، وفي كتابيه «طبائع الاستبداد» و«أم القرى»، وفي بعض الرسائل التي بعث بها إلى أولاده. وله آثار أخرى مفقودة لا يُعلم عنها شيء، ضاعت في أسفاره ورحلاته، أو فيما تبعثر من ممتلكاته مثل كتاب «صحائف قريش» و«مجموع أشعار» كان يسجل فيه ما يرويه من الشعر. وقد جمعت «الأعمال الكاملة للكواكبي» في مجلد واحد ضمّ كل ما وصل إلينا من آثاره وكتاباته، أعدّه وحققه محمد جمال طحان، وطبع في بيروت سنة 1995.

 فأما كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» فهو في الأصل مجموعة مقالات وفصول كان ينشرها في جريدة «المؤيد» المصرية وهو هناك، ثم جمعها في كتاب طبع مراراً.

 وقد اعتمد فيه على مصادر شتى عربية ومترجمة، وقد كان الاستبداد ومساوئه شغله الشاغل طوال حياته، وجاء كتابه في مقدمة وثمانية فصول، أما المقدمة فقد بسط فيها مصادره وعرّف الاستبداد توطئة لبحوثه، وأما الفصول فهي تتناول الاستبداد وعلاقته بكل من العناصر الآتية: الدين والعلم والمجد والمال والأخلاق والتربية، والترقي وكيفية التخلص من الاستبداد.

 وقد أُخذ عليه أنه نظري فحسب، لم يدعم كتابه بمشاهداته وهي كثيرة.

 وأما كتابه «أم القرى» فقد ألّفه الكواكبي في حلب قبل رحيله إلى مصر. وموضوعه سجلّ لجمعية أم القرى أي مكة، ففيه ضبط لمفاوضات ومقررات مؤتمر النهضة الإسلامية المنعقد قبيل الحج في مكة المكرمة في 15 من ذي القعدة سنة 1316هـ/1898م. وقد حضره أعضاء يمثلون مختلف البلاد الإسلامية؛ للتداول في أمور المسلمين، يعرضون الأدواء ويصفون الأدوية، وبدا الكواكبي فيه كاتباً اجتماعياً مثيراً وقصصياً بارعاً يعنى بالإصلاح، ويخيل للقارئ أن هذا المؤتمر من نسج الخيال لكن الكواكبي يقول إن له أصلاً من الحقيقة.

 وهكذا يمكن أن يُعدّ الكواكبي من كبار المفكرين المصلحين في عصره، بل من كبار رجال النهضة الحديثة لأنه كان كبيراً في عقله وهمّته وعلمه.

 

- المصدر :موقع الموسوعة العربية