عبد الرحمن الكواكبي


|||عدد مرات المشاهدة278 زيارة|0 تعليق

كاتب الترجمة: الأستاذ عدنان كاتبي


1265 ـ 1320 هـ

1849 ـ 1902 م

 

الشيخ عبد الرحمن ابن الشيخ أحمد بهائي بن محمد مسعود ابن الحاج عبد الرحمن بن محمد بن محمد ابن الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن يحيى بن الشيخ أبى يحيى الكواكبي، الملقب بالسيد الفراتي.

عالم، أديب، رحالة، صحافي، من دعاة التجديد الديني، والإصلاح السياسي والاجتماعي.

ولد الشيخ المترجم له في مدينة حلب، في الثالث والعشرين من شهر شوال، سنة: خمس وستين ومئتين وألف للهجرة، وسط أسرة عرفت بالعلم والوجاهة والصلاح، ونشأ في أحضان والده العالم الجليل الشيخ محمد بهائي، مدرس الجامع الأموي الكبير، و(المدرسة الكواكبية) و(المدرسة الشرفية)( )، وتعلم القراءة والكتابة والقرآن الكريم في أحد كتاتيب المدينة، ثمّ استحضر له والده أستاذاً خاصاًّ علمه اللغتين التركية والفارسية، ثمّ انتسب إلى (المدرسة الكواكبية) ـ مدرسة آبائه وأجداده ـ فتلقى فيها علوم العربية والفقه والتفسير والحديث والمنطق، وغيرها من العلوم النقلية والعقلية، ثمّ عكف على دراسة الرياضيات والعلوم الطبيعية والفلسفية والعلوم العامة، بالمطالعة والمراجعة والاستعانة ببعض أساتذتها.

وفي فترة وجيزة نبغ وذاع صيته، وظهرت مواهبه، ولفت إليه أنظار المسؤولين في الدولة، وبدأت تنهال عليه الوظائف الهامة في الدولة.

ومن الوظائف التي تولاها:

1- محرراً رسمياً في (جريد الفرات)، الجريدة الرسمية التي كانت تصدر باللغتين العربية والتركية، وذلك سنة: 1293هـ، وكان عمره ثمان وعشرين سنة.

2- كاتباً في ديوان المعارف، سنة 1295 هـ.

3- عضواً فخرياً في لجنة الأشغال العامة، سنة 1298 هـ.

4- مأمور الإجراء ـ مدير التنفيذ ـ في حلب. 

5- محرراً للمقاولات (كاتباً في المحكمة الشرعية).

6- مديراً لمطبعة الولاية الرسمية في حلب، سنة: 1299هـ.

7- رئيساً فخرياً للجنة (قومسيون النافعة) ـ الأشغال العامة ـ

8- عضواً فخرياً في لجنة امتحان المحامين.

9- رئساً لغرفة التجارة في حلب. 

10- عضواً في محكمة التجارة في حلب.

11- رئيساً لكتّاب المحكمة الشرعية في حلب.

12- رئساً لبلدية حلب سنة: 1310 هـ.

13- مفتشاً لمصلحة حصر التبغ (الدخان) سنة: 1312 هـ. 

14- رئيساً للجنة البيع والفراغ، (استبدال الأراضي الأميرية من أصحاب اليد بالمال).

15- قاضياً شرعياً لقضاء راشيا التابعة لولاية سورية.

وعندما استقال من وظيفته في مطبعة الولاية، افتتح لنفسه مكتباً للمحاماة سمّاه (المركز) يقصده أصحاب الحاجات والدعاوى والقضايا، يستشيرونه في حلّ مشكلاتهم، وكان يحلّ خلافاتهم بالتراضي غالباً، وإن كانت القضية مع أحد المتسلطين، قام بنفسه في الدفاع عن صاحبها.

ومن يمعن النظر في كثرة الوظائف التي تقلب فيها، وتنوع اتجاهاتها من شرعية، إلى إدارية، إلى قضائية، إلى تجارية، لا يجد تعليلاً لذلك إلا كفايته الذهنية، ومقدرته العلمية، وذكاؤه الحاد، وقابليته لاستعاب كلّ عمل يسند إليه( ).

ولعل من أبرز أعماله الفكرية والثقافية في مدينة حلب، هو: أنشاؤه لأول صحيفة تصدر في حلب بعد الجريدة الرسمية ـ الفرات ـ وهي جريدة: (الشهباء)، التي صدر العدد الأول منها، سنة: 1295 هـ، وهي جريدة أسبوعية لم تعمر طويلاً، فقد أغلقتها الحكومة، لصراحتها في انتقاد بعض الولاة، لكن المترجم عاد وأصدر صحيفته الثانية: (الاعتدال)، وقد صدر العدد الأول منها يوم الأربعاء في 5 شعبان سنة: 1296 هـ، 25 تموز عام: 1879 م، وكان مصيرها مصير سابقتها من الإغلاق والتعطيل وللأسباب ذاتها.

هذه المواقف الجريئة أوغرت عليه صدر الوالي، الذي اتهمه بالتعامل مع الأجنبي، فحوكم عليها، وأدخل السجن، لكن المترجم له طعن في الحكم، واستأنفه، وطلب أن يحاكم في ولاية أخرى، فنقلت محكمته إلى بيروت، وهناك أعيدت محاكمته، وبرئ من التهمة المنسوبة إليه، وعاد إلى حلب، وهو أكثر اعتزازاً بمواقفه.

شعر الشيخ عبد الرحمن أنه لم يعد بإمكانه المقام في وطنه، فقرر الهجرة إلى مصر، وفي مصر وجد جواً من الحرية، ساعده على نشر آرائه على صفحات جريدة (المؤيد). 

ومن مصر قام برحلة جال فيها شتى أقطار الشرق، واطلع من خلالها على حال المسلمين في تلك البلاد، وقد زار في هذه الرحلة سواحل إفريقيا الشرقية والجنوبية، وبلاد الحبشة والصومال، ثمّ اتجه إلى سواحل آسيا الجنوبية، ودخل شبه الجزيرة العربية من سواحل المحيط الهندي، ومنها اتجه إلى سواحل باكستان والهند، ووصل مدينة (كراتشي) و(بومباي)، ومنها سافر إلى جزيرة (جاوه)، وسواحل الصين الجنوبية، عاد بعدها إلى (مسقط)، وطاف في سواحل بلاد العرب الشرقية في البحر الأحمر، وسواحل أفريقيا الشمالية، ثمّ ركب سفينة حربية إيطالية، أقلته إلى مدينة (برنديزي) في إيطاليا، ومن هناك عاد إلى مصر.

وكان يدون في أوراقه ومذكراته ما يشاهده يومياً من أحوال هذه الأمم والشعوب الإسلامية، التي زار بلادها، ليجمعها وينشرها في كتاب عندما تتاح له الفرصة، وقد حال دون ذلك موته المفاجئ، ومصادرة أوراقه من قبل جهة غير معروفة.

ترك الشيخ المترجم له عدداً من الآثار العلمية والفكرية، وأهمها كتابيه (طبائع الاستبداد) و(أم القرى)، ضمنهما آراءه وأفكاره في ميادين العلم والدين والسياسة والمجتمع.

ودعا إلى إنشاء جمعيات متخصصة دائمة تقوم بعلاج كلّ أوضاع المسلمين السياسية والاجتماعية والتعليمية.

وللمترجم غير هذين الكتابين، بالإضافة إلى ما كتبه على صفحات الجرائد الحلبية والمصرية، كتاب (صحائف قريش) وكتاب (العظمة لله)، وقد ضاع هذين الكتابين مع ما كتبه في رحلاته من مذكرات وأوراق، كما عانى المترجم له صناعة الشعر، وقد ذكر أحد أولاده، أنه يحتفظ بثلاثة آلاف بيت من شعره.

عظيم النفس، عالي الهمة، حاد الذكاء، سخي الطبع، ولوع بالتفضل، وكانت نفسه الأبية تأبى عليه الخضوع.

ولعل من أبرز ما يؤخذ عليه تسرعه في الأمور، وجرأته المفرطة في انتقاد ولاة الأمر، والتي ربما كانت السبب في كثرة تنقله بين الوظائف والمناصب، وفي إنهاء حياته بشكل غامض.

مربوع القامة، حنطي اللون، جميل الطلعة، تلمح في محياه مخائل النجابة والشهامة والرفعة، مستدير الوجه، خفيف العارضين، أزرق العينين، أسود الشعر، وقد وخطه الشيب آخر حياته.

وقد ترجمه وكتب عنه الكثير من الأدباء والصحفيين والمؤرخين، ومنهم الزركلي وأحمد أمين، وعباس محمود العقاد، والدكتور سامي الدهان، والأستاذ سامي الكيالي، والدكتور محمد عمارة، والدكتور محمد جمال طحان، كما كتبت عنه الكثير من الصحف والمجلات، وفي مقدمتها جريدة المؤيد، واللواء، والقاهرة، والرقيب والأهرام ومجلتا المقتطف، والهلال المصرية، وجريدة (التقدم)( ) و(برق الشمال)( ) و(الوطن)( ) ومجلة (الحديث)( ) الحلبية، التي أفرد صاحبها الأستاذ سامي الكيالي عدداً خاصاً بمناسبة مرور خمسين عاماً على وفاة صاحب الترجمة، وألفت فيه الكتب والرسائل الجامعية، ومنها رسالة الأستاذة عائشة الدباغ لنيل درجة الماجستير (الحركة الفكرية في حلب)( ) وغيرهم من الباحثين العرب والأجانب، على أن أوثق من كتب عنه صديقه الشيخ محمد كامل الغزي( )، ومؤرخ حلب الشيخ محمد راغب الطباخ( ).

على أن هناك كتاب ومؤرخون ونقاد رأوا في الكواكبي: أنه رجل علماني دعا إلى فصل الدين عن الدولة، وساهم في تقويض الخلافة الإسلامية، واتهمه آخرون بانتمائه للماسونية العالمية، أما أنا فسأذكر لك قارئي الكريم بعض النصوص مما كتب وأدع الحكم لك، لآن الرجل قد أضحى في ذمة الله، محافظا على منهجي في الكتاب بالابتعاد عن ذكر مساوئ المترجمين، يقول المترجم في كتابه (طبائع الاستبداد): (إن الدين ما يدين به الفرد لا ما يدين به الجمع ...)، ويقول: (يا قوم أعيذكم من الخزي والخزيان بتفرقة الأديان...) ويقول في مكان آخر: (دعونا ندبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم في الآخرة ...)( )

وقد رثاه الأديب الفاضل الأستاذ مصطفى صادق الرافعي بقصيدة مؤثرة نقتطف منها هذه الأبيات:

أحقاً رأيت الموت دامي المخالب=وفي كلّ ناد عصبة حول نادب
وتحت ضلوع القوم جمراً مؤججاً=تسعّر ما بين الحشا والترائب
أبى الموت إلا وثبة تصدع الدجى=وكم ليلة قد باتها غير واثب
فما انفلق الإصباح حتى رأيته=وقد نشبت أظفاره بـ (الكواكبي)
هوى القمر الوهاج فأخبط معي السُّرى=إذ لاح ضوء النجم بين الغياهب
أبعد حكيم الشرق تذخر عبرة=وما هو بعد الرحيل بآيب
حثوا فوق خديه التراب وأرسلوا=عليه سحابات الدموع السواكب
لتبك عليه الصحف في كلّ معرك=إذا ما انتضى أقلامه كلّ كاتب
فقد كان إن هزّ اليراع رأيته=يصول بأمضى من فرند القواضب
ولم يك هيّاباً إذا حمس الوغى=ورفرفت الأعلام فوق الكتائب
ولا بدع أن تعزى الكواكب للعلا=وقد نسبته نفسه للكواكب

 

توفي المترجم له في القاهرة، ليلة الجمعة، في السادس من ربيع الأول، سنة: عشرين وثلاثمئة وألف للهجرة، الموافق للخامس عشر من حزيران، عام: اثنتين وتسعمئة وألف للميلاد، في ظروف غامضة، ويعتقد أبناؤه، أنه مات مسموماً، ودفن في القاهرة في قرافة باب الوزير، ونقش على قبره بيتين لشاعر النيل حافظ إبراهيم، وهما:

هنا رجل الدنيا هنا مهبط التقى=هنا خير مظلوم هنا خير كاتب

فقفوا واقرؤوا أمّ الكتاب وسلموا=عليه فهذا القبر قبر الكواكبي

ـ المدرسة الكواكبية ـ

المصادر والمراجع

1- إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء، للشيخ محمد راغب الطباخ.

2- نهر الذهب في تاريخ حلب، للشيخ كامل الغزي.

3- الأعلام، للزركلي.

4- الحركة الفكرية في حلب، لعائشة الدباغ.

5- طبائع الاستبداد، لعبد الرحمن الكواكبي. 

6- حلب في مئة عام، لمحمد فؤاد عنتابي ونجوى عثمان.

7- محاضرات عن الحركة الأدبية في حلب، لسامي الكيالي.

8- علماء من حلب في القرن الرابع عشر (الجزء الأول)، للمؤلف. 

9- مجلة (الحديث) السنة الثالثة، تموز عام 1929 م العددان 6 و7.

10- مجلة (الحديث) عدد خاص بمناسبة مرور خمسين عاماً على وفاة عبد الرحمن الكواكبي، أيلول وتشرين الأول عام 1952 م العددان 9 و 10.

11- تحطيم وثن القوميين لعبد الله عزام.

------------------

( ) (المدرسة الكواكبية) و(المدرسة الشرفية)، مدرستان علميتان كانتا عامرتان في أوائل القرن المنصرم، وانظر حديثنا عنهما في كتاب (التعليم الشرعي ومدارسه في حلب في القرن الرابع عشر الهجري). المؤلف.
( ) انظر إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء ج/7 ص/475
( ) العدد 3123 السبت 20 نيسان 1929 م.
( ) العدد 5978 تاريخ 29 شباط 1959 م.
( ) العدد 2200 تاريخ تشرين الثاني 1959م.
( ) العدد 9 و10 أيلول وتشرين الأول 1959م.
( ) ص 195 ـ 224 عام 1972م.
( ) مجلة الحديث الحلبية، العددان 6 و7 عام 1929م.
( ) إعلام النبلاء 7/ 473 ـ 487.
( ) طبائع الاستبداد ص. 207، 208.