الشيخ عبد الفتاح أبو غدة


|||عدد مرات المشاهدة855 زيارة|عدد الإرسال لصديق1 إرسال|0 تعليق

كاتب الترجمة: الأستاذ محمد عدنان كاتبي


بمناسبة مرور عشرين عاما على وفاة العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة

1335 ـ 1417هـ

1917 ـ 1997م

 

 

الشيخ عبد الفتاح بن محمد بشير بن حسن أبو غدة الحلبي الحنفي وينتهي نسب الأسرة إلى الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه.

علامة، فقيه، أصولي، محدث مجاز، إمام محقق في علم الحديث ومصطلحه، رحّالة في طلب العلم ونشره، وداعية مجاهد، له مشاركات في أحوال الأمة الدينية والاجتماعية والسياسية.

ولد في مدينة حلب بحي (الجبيله) ( )، سنة: خمس وثلاثين وثلاثمئة وألف للهجرة، في أسرة عرفت بالفضل والصلاح وحب العلم والعلماء.

وتلقى تعليمه الأولي في أحد كتاتيب الحي، حيث تعلم قراءة القرآن الكريم ومبادئ الكتابة والحساب والعلوم العربية والدينية، ثم انتقل إلى إحدى المدارس الابتدائية، وأتم تعليمه الابتدائي فيها، انتسب بعدها إلى المدرسة (الخسروية)، وفيها تلقى مختلف العلوم الشرعية والعربية على شيوخها وأساتذتها الأجلاء، الذين كان لهم الأثر الجلي في تكوينه العلمي والدعوي، فقد تلقى علوم القرآن الكريم تلاوة وتجويداً ومبادئ علم القراءات، على شيخه العلامة المقرئ عمر مسعود الحريري، ودرس علم التفسير على شيخه محمد زين العابدين الأنطاكي، وأخذ علم الحديث الشريف ومصطلحه والسيرة النبوية على شيخه المحدث المؤرخ العلامة الشيخ محمد راغب الطباخ، وقرأ الفقه الحنفي فروعه وأصوله على شيوخه الفقهاء الشيخ مصطفى الزرقا، والشيخ أحمد الكردي، والشيخ محمد الرشيد والشيخ محمد السلقيني، والشيخ محمد اللبابيدي، وأخذ علوم التوحيد والمنطق والفلسفة على شيخه فيض الله الأيوبي، كما تلقى علم التربية والأخلاق على شيخه المربي الشيخ عيسى البيانوني، أما علوم اللغة العربية نحوها وصرفها وبلاغتها، فقد تلقاها على أئمتها في حلب وقتئذ، أمثال الشيخ محمد الناشد (الزمخشري الصغير)، والشيخ أسعد العبجي مفتي الشافعية بحلب، كما حصّل الشيخ في هذه المدرسة بعض العلوم الكونية كالرياضيات والفيزياء والعلوم العامة والجغرافيا.

وكان الشيخ في المدرسة (الخسروية) مثال طالب العلم المجد، فاجتاز صفوفها الستة بنجاح وتفوق، وتخرج فيها، سنة:1361هـ1942م، حائزاً على الدرجة الثالثة بين رفاقه المتخرجين معه (1).

لم يرتو ظمأ الشيخ بما حصله من العلوم في المدرسة (الخسروية) بحلب، بل شد الرحال إلى مصر، لينتسب إلى كلية الشريعة في جامعة الأزهر بالقاهرة، ثم إلى كلية اللغة العربية قسم التربية وعلم النفس فيها.

وفي القاهرة التقى الشيخ جلّ شيوخه وأكثرهم تأثيراً في تكوينه العلمي أمثال: الشيخ محمد زاهد الكوثري، والشيخ أحمد شاكر، والشيخ محمد الخضر حسين، والشيخ عيسى منون، والشيخ المفتي حسنين محمد مخلوف، والشيخ عبد الله الغماري، والشيخ محمد أبو زهره، وغيرهم من علماء مصر، وفي عام: 1371هـ -1951م، تخرج في جامعة الأزهر من كليتي الشريعة والتربية، وعاد إلى موطنه في حلب، ليباشر عمله في الدعوة إلى الله ونشر العلم.

فعمل مدرسا لمادة التربية الدينية في عدد من ثانويات حلب، وكانت له مشاركة في تأليف بعض الكتب لهذه المادة، كما كانت له دروس في الفقه الحنفي والحديث الشريف في المدرسة (الخسرويه) والمدرسة (الشعبانية) ثم انتدب لتدريس مادة الفقه الحنفي وأصوله والفقه المقارن في كلية الشريعة بجامعة دمشق.

وإلى جانب عمله في التدريس، كان للشيخ مشاركة مهمة في الدعوة إلى الله، وإرشاد الناس وتهذيب النفوس، فقد تولى الخطابة في جامع (الخسرويه)، يعالج في خطبه كل القضايا التي تهم الأمة، ويناقشها بكل جرأة ووضوح، ثم يجلس بعد الخطبة ليرد على أسئلة السائلين والمستفتين كما كانت له دروس في التربية والأخلاق الإسلامية والفقه والحديث والتفسير في عدد من مساجد حلب وجوامعها كجامع (زكي باشا) 

وجامع (سيف الدولة) وجامع (الصديق) وغيرها، بالإضافة إلى لقاءاته الدورية مع إخوانه العلماء، يتشاور معهم في كل ما يهم الإسلام والمسلمين.

وفي عام:1961م، انتخب نائبا عن مدينة حلب في المجلس النيابي (البرلمان السوري)، فعمل فيه وسعه على نصرة قضايا الإسلام والمسلمين وفي عام: 1965م، حلَ المجلس النيابي، فغادر الشيخ سورية إلى المملكة العربية السعودية، ليعمل مدرسا في جامعة الرياض، وفي صيف عام: 1966م، عاد الشيخ إلى موطنه، لكنه ما لبث أن رجع إلى المملكة العربية السعودية واستقر مقيماً فيها، وهناك تولى عدداً من الأعمال العلمية والإدارية منها:

1- مدرساً في جامعة الإمام محمد بن سعود.

2- أستاذاً في المعهد العالي للقضاء.

3- أستاذاً لطلاب الدراسات العليا ومشرفاً على الرسائل العلمية.

4- عضواً في المجلس العلمي في جامعة الإمام محمد بن سعود.

5- عضواً في لجنة ووضع الخطط والمناهج العلمية فيها.

6- أنتدب أستاذاً زائراً إلى عدد من الجامعات العربية والإسلامية، منها: جامعة أم درمان الإسلامية، والجامعة الأردنية، وجامعة صنعاء وجامعات المغرب والهند وباكستان وتركيا والجزائر وغيرها.

7- حضر العديد من المؤتمرات الإسلامية في مختلف البلدان الإسلامية.

8- اختير لتمثيل سورية في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي.

9- تفرغ قبل وفاته بسنوات لتأليف الكتب أو تحقيقها ونشر العلم.

وقد تميز الشيخ بنشاطه العجيب في طلب العلم، وخدمته ونشره

فلا يكاد يستقر في مكان حتى يشد الرحال إلى غيره، إذا علم أن هناك شيخاً يمكن أن يستفيد منه، ويأخذ عنه، أو كتاباً يمكن أن يقتنيه أو يحققه أو ينشره، أو بيئة صالحة يمكن أن يدعو فيها إلى الله، أو مؤتمراً يعالج قضية من قضايا الإسلام والمسلمين، لذلك كثرت أسفاره ورحلاته إلى مختلف أرجاء العالم، وقد زار أكثر من ثلاثين بلداً من العالم، فبالإضافة إلى معظم الدول العربية، زار الشيخ الهند وباكستان وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية وإنكلترا وفرنسا وايطاليا وسويسرا وماليزيا وهولندا وغيرها.

ومع ما تميز به الشيخ في مختلف جوانب الحياة العلمية والدعوية والاجتماعية والسياسية، فسأختصر حديثي في هذه الترجمة المتواضعة على جانبين من جوانب حياته الذاخرة، وأدع بقية الجوانب للمتخصصين فيها.

أما الجانب الأول والأهم فهو: الجانب العلمي، وقد بلغ الشيخ فيه شأواً لا يكاد يصله إلا القلة النادرة من العلماء، وإنك إذا تتبعت ما كتب من الكتب أو ما حققه، فستدهشك غزارة علمه، ودقة تحريه للمسائل العلمية.

ويبدو حب الشيخ للعلم وحرصه على تحصيله وبذله لطلابه في مظاهر كثيرة نقف عند أهمها:

أ‌- كثرة شيوخه الذين أخذ عنهم العلم، وقد تقدم ذكر بعضهم في حلب والقاهرة ونضيف إليهم هنا شيوخه في الهند والمغرب والحجاز.

فمن شيوخه في الهند. الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، والشيخ أحمد التنهاوي والشيخ يوسف البنوري، والشيخ محمد بدر العالم، والشيخ المفتي عتيق الرحمن، والشيخ محمد زكريا الكاندهلوي.

ومن شيوخه في باكستان الشيخ محمد شفيع، والشيخ عبد الرشيد النعماني، ومن شيوخه في المغرب الشيخ أحمد الغماري، والشيخ عبد الله الغماري والشيخ عبد الحفيظ الفاسي، وغيرهم، ومن شيوخه في الحجاز الشيخ محمد يسن الفاداني، والشيخ حسن بن محمد المشّاط

والشيخ السيد علوي بن عباس المالكي، وغيرهم، وقد أحصى تلميذه الشيخ محمد الرشيد النجدي في كتابه: (إمداد الفتاح بأسانيد

عبد الفتاح) شيوخه فبلغوا مئة وثمانين شيخاً، موزعين في مختلف أقطار العالم الإسلامي، وأكثرهم أخذ عنهم الشيخ علم الحديث الشريف، وحصل على إجازاتهم فيه.

ب‌- كثرة الكتب التي خلفها ما بين تأليف وتحقيق، وقد بلغت حوالي ثمانين كتابا، وقد أفرد كثيراً منها للعلم وحياة العلماء وسيرهم، فمن الكتب التي ألفها ابتداء:

1- الإسناد من الدين.

2- أخطاء تقي الدين الندوي في تحقيق كتاب ظفر الأماني.

3- أمراء المؤمنين في الحديث.

4- تحقيق اسمي الصحيحين واسم جامع الترمذي.

5- ترتيب " تخريج أحاديث الإحياء " للحافظ العراقي.

6- تراجم ستة من فقهاء العالم الإسلامي في القرن الرابع عشر.

7- الجمع والترتيب لأحاديث تاريخ الخطيب.

8- الرسول المعلم وأساليبه في التعليم.

9- السنة النبوية وبيان مدلولها الشرعي والتعريف بحال سنن الدارقطني. 

10- صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل.

11- صفحة مشرقة من تاريخ سماع الحدث عند المحدثين.

12- العلماء العزاب الذين آثروا العلم على الزواج.

13- قيمة الوقت عند العلماء.

14- كلمات في كشف أباطيل وافتراءات.

15- لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث.

16- مسألة خلق القرآن، وأثرها في صفوف الرواة والمحدثين وكتب الجرح والتعديل.

17- من آداب الإسلام.

18- منهج السلف في السؤال عن العلم وفي تعلم ما ينفع وما لا ينفع.

19- نماذج من رسائل الأئمة السلف وأدبهم العلمي وأخبارهم في أدب الخلاف.

ومن الكتب التي حققها أو قدم لها أو اعتنى بها وأخرجها:

1- الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة في علوم الحديث للإمام اللكنوي.

2- الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، وتصرفات القاضي والإمام للفقيه المالكي شهاب الدين أبي العباس القرافي.

3- إقامة الحجة على أن الإكثار من التعبد ليس من البدعة، للإمام اللكنوي.

4- الإمام ابن ماجة وكتابه السنن، للعلامة النعماني.

5- الانتقاء في فضائل الأئمة الفقهاء، للحافظ ابن عبد البر.

6- الباهر في حكم النبي  في الباطن والظاهر، للإمام السيوطي.

7- بلغة الأريب في مصطلح آثار الحبيب، للحافظ مرتضى الزبيدي.

8- التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن، للإمام المحقق الشيخ طاهر الجزائري.

9- التحرير الوجيز فيما يبتغيه المستجيز، للشيخ محمد زاهد الكوثري.

10- تحفة النساك في فضائل السواك، للعلامة عبد الغني الغنيمي الميداني.

11- تحفة الأخيار بإحياء سنة سيد الأبرار ، للإمام اللكنوي.

12- التحفة المرغوبة في أفضلية الدعاء بعد المكتوبة، للعلامة محمد هاشم التتوي السندي.

13- الترقيم وعلاماته في اللغة العربية، لأحمد زكي باشا.

14- التصريح بما تواتر في نزول المسيح، للإمام محمد أنور شاه الكشميري

15- تصحيح الكتب وصنع الفهارس المعجمة وسبق المسلمين الإفرنج فيها للعلامة أحمد شاكر.

16- توجيه النظر إلى أصول الأثر، للإمام طاهر الجزائري.

17- جواب الحافظ عبد العظيم المنذري عن أسئلة في الجرح والتعديل.

18- الحثّ على التجارة والعمل، للإمام أبي بكر أحمد بن محمد الخلال الحنبلي.

19- خلاصة تهذيب الكمال في أسماء الرجال، للحافظ الخزرجي.

20- ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل، للحافظ المؤرخ الإمام الذهبي

21- الرفع والتكميل في الجرح والتعديل، للإمام اللكنوي.

22- رسالة الإلفة بين المسلمين، لشيخ الإسلام ابن تيمية.

23- رسالة الإمامة، للإمام ابن حزم في جواز الاقتداء بالمخالف في الفروع.

24- رسالة ابن أبي زيد القيرواني في العقيدة الإسلامية.

25- رسالة الإمام أبي داوود السجستاني لأهل مكة في وصف كتاب السنن.

26- رسالة الحافظ الإمام أبي بكر الحازمي في شروط كتب الأئمة الخمسة.

27- رسالة ا لحافظ محمد بن طاهر المقدسي في شروط كتب الأئمة الستة.

28- رسالة الحلال والحرام، وبعض قواعدهما في المعاملات المالية، لشيخ الإسلام ابن تيمية.

29- رسالة المسترشدين في الأخلاق والتصوف النقي، للإمام الحارث بن أسد المحاسبي.

30- سياحة الفكر في الجهر بالذكر. للإمام اللكنوي

31- سنن النسائي، اعتنى به ورقمه وصنع فهارسه.

32- سنية رفع اليدين في الدعاء بعد الصلوات المكتوبة، للعلامة محمد بن الأهدل اليمني.

33- ظفر الأماني في شرح مختصر السيد الشريف الجرجاني، للإمام اللكنوي.

34- فتح باب العناية بشرح كتاب النقاية في الفقه الحنفي، للإمام علي القاري.

35- فقه أهل العراق وحديثهم، للشيخ محمد زاهد الكوثري.

36- قاعدة في الجرح والتعديل وقاعدة في المؤرخين، لتاج الدين السبكي.

37- قصيدة "عنوان الحكم" لأبي الفتح البستي.

38- قفو الأثر في صفو علوم الأثر، لابن الحنبلي الحلبي.

39- قواعد في علوم الحديث، للعلامة ظفر أحمد العثماني التهانوي

40- كتاب الكسب، للإمام محمد بن الحسن الشيباني.

41- كشف الالتباس عما أورده البخاري على بعض الناس، للعلامة الغنيمي.

42- نخبة الأنظار على تحفة الأخيار، للإمام اللكنوي.

43- المصنوع في معرفة الحديث الموضوع، للإمام علي القاري.

44- مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث، للشيخ محمد عبد الرشيد النعماني.

45- المنار المنيف في الصحيح والضعيف، للإمام ابن قيم الجوزيه.

46- المنح المطلوبة في استحباب رفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة المكتوبة، للإمام المحدث محمد بن صديق الغماري.

47- الموقظة في علم مصطلح الحديث، للإمام الحافظ الذهبي.

إن اهتمام الشيخ ـ رحمه الله ـ بالعلم، وأداته الكتاب، جعله حريصاً على اقتناء الكتب، وقراءتها، وتأليفها، وتحقيقها، والاعتناء بها، بأي شكل من الأشكال، حتى غدا أحد المراجع المهمة في العالم الإسلامي في معرفة الكتب مخطوطها ومطبوعها، وربما سافر آلاف الأميال وضرب في أصقاع الأرض، ليحصل على كتاب سمع بوجوده في مكان ما على وجه هذه الكرة الأرضية( )، بل ربما نذر لله النذور إن هو حصل على كتاب يطلبه، وربما باع أغلى ما عنده ليشتري بعض الكتب التي يريدها( )، وهو لا يقصر اهتمامه على نوع معين من الكتب، بل يحرص على اقتناء الكتب من مختلف فروع الثقافة الإسلامية والعربية والثقافة العامة، وكان الشيخ عبد الفتاح رحمه الله تعالى يقول: " الكتب هي الرئة التي يتنفس العالم أو طالب العلم من خلالها "( ).

ولهذا فقد كانت مكتبته من السعة والضخامة بحيث قلما نجد مثيلها لدى أفراد أو حتى مؤسسات ثقافية، وربما وصل عدد الكتب فيها إلى أكثر من ثلاثين ألف مجلد ( ).

ت‌- اهتمامه الشديد بتحقيق المسائل العلمية، وحرصه على إتقان البحث والتدقيق فيها، ونجد هذا النفس الطويل في الاستقصاء والبحث والتتبع لجوانب المسائل التي يبحثها في معظم ما كتب مبتدئاً أو محققاً ( ).

ث‌- حرصه الشديد على استثمار الوقت، وهو ما يفسر نبوغه وتفوقه وكثرة إنتاجه العلمي، مع كثرة مشاغله ومسؤولياته العلمية والدعوية، وقد كانت حياته ـ رحمه الله ـ صورة صادقة لما كتبه في كتابه: (قيمة الزمن عند العلماء)، فقلما كنت تجده إلا وفي يده كتاب يطالعه، بل كانت مجالسه كلها تدور حول مسائل العلم، قراءة أو مناقشة أو مذاكرة، وكان يستغل كل دقيقة وكل لحظة في المطالعة، والقراءة في البيت أو السيارة أو حتى في الطريق أو عند الباعة في حوانيتهم ( ).

ج‌- تواضعه وإنصافه وبحثه عن الحقيقة، يلتقطها حيث وجدها، وإن كانت من رجل يخالفه في المنهج والمشرب العلمي والثقافي، أو كان دونه في المنزلة العلمية، وهو مع حبه لشيوخه واحترامه لهم، لا يجد حرجاً في إعلان مخالفته لهم في آرائهم بأدبه الجم وخلقه الرفيع ( ).

أما مدَّعو العلم، ومروجو الآراء الفاسدة، فموقفه منهم شديد صارم

لا تأخذه فيهم رأفة، فهم عنده (فاقدو الذمة، في دينهم رقة وضعف، يحبون دنياهم، ويؤثرونها على دينهم، ويقدمون ـ بحسب ذممهم ـ من النصوص الشرعية ما يؤيدهم فيما هم عليه من ظلم أو لهو أو بطالة أو فساد) ( ).

أما الجانب الثاني الذي سأقف عليه في حياة الشيخ فهو الجانب الخلقي، فقد تميز ـ رحمه الله ـ بأدبه العالي في كل أحواله، وهو يرى الأدب من صميم الشريعة الإسلامية. يقول في مقدمته لرسالتة 

(من آداب الإسلام): (وهذا أمر من لباب الشريعة، وليس معنى تسميتها أدباً أنها على طرف الحياة والسلوك) ( ). 

ونلحظ ذلك جلياً في أدبه مع الله سبحانه، من خلال مداومته لذكره والثناء عليه، وسرعة بكائه عند ذكره، وهو يعيب أشدّ العيب على الذين يذكرون الله بالصياح والرقص ورفع الأصوات واستخدام الآلات الموسيقية يقول: " ويعدون هذا ذكراً (فإنّا لله من قلة الأدب مع الله) وإنا إليه راجعون"( ). 

وأما أدبه مع النبي صلى الله عليه وسلم، فظاهر جلي في حديثه، وفي تتبعه لسنته، ومن خلال كتاباته كلها، واقرأ إن شئت كتابه: (لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث)، و(الرسول المعلم)، وتعليقاته على (رسالة المسترشدين).

ولا بدّ لي من الوقوف عند أدبه مع الصحابة الكرام، فقد كان يجلهم ويعلي شأنهم، ويترضى عليهم كلما ذكرهم، ويقول: " والصحابة الأجلة البدور الأدلة، هم مقتدانا في الدين بعد الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام

فعلينا الاقتداء بهم، والتوقير لهم، والاستمساك بهديهم "( ).

ومثل هذا الأدب الرفيع نجده عند الشيخ تجاه السلف الصالح، يشهد له بذلك كتاباه القيمان: (قيمة الزمن عند العلماء)، و(صفحات من صبر العلماء على الشدائد)، يقول في مقدمته لهذا الكتاب: (وترحمت على صاحب الخبر المذكور في الأصل أو التعليق، لئلا أدخل تحت قول الإمام أبي محمد التميمي الحنبلي البغدادي: (يقبح بكم أن تستفيدوا منا، ثم تذكرونا ولا تترحموا علينا) ( ).

وكان الشيخ ـ رحمه الله ـ مضرب المثل في أدبه مع أساتذته وشيوخه يكثر من ذكرهم، والثناء عليهم، والدعاء لهم، والوقوف عند قدومهم ويتواضع لهم، ويقبل أيديهم إن أمكنه ذلك، فعندما أثنى عليه شيخه الشيخ حسنين مخلوف في تقريظه لعمله في (رسالة المسترشدين) كتب تعليقا في أسفل الصفحة هذا نصه (قال عبد الفتاح هذا من تواضع شيخنا وسمو أخلاقه العالية الرفيعة فإني منه بمنزلة الوليد من الجد المجيد)( )، وأدبه مع شيخه الشيخ مصطفى الزرقا ـ رحمه الله ـ من العجب العجاب، فهو يلبسه رداءه، ويقدم له حذاءه، ويقدمه في المجالس، ويتواضع له مع كبر سنه وعلو منزلته.

 الشيخ عبد الفتاح أبو غدة يُلبس شيخه 

الشيخ مصطفى الزرقا معطفه 

ومثل هذا الأدب والاحترام نراه مع طلابه ومستفتيه وأصدقائه والناس عامة، فهو يقدم نفسه لمحدثه مشافهة، أو على الهاتف بـ (عبد الفتاح) هكذا بدون ألقاب، ومن أراد الاستزادة من هذا فليسأل طلابه وتلامذته الذين لا يحصيهم العد، نذكر منهم على سبيل المثال: الأستاذ الشيخ محمد عوامة، والدكتور الشيخ محمود ميرة، والأستاذ الشيخ محمد رشيد النجدي، والشيخ حسن قاطرجي، والشيخ محمد مجاهد شعبان، والشيخ محمد عدنان غشيم، والشيخ مجد مكي، ونجله الأستاذ الشيخ سلمان أبوغدة، غيرهم.

وكان الشيخ يمتاز بالإضافة إلى غزارة علمه وسمو أدبه وأخلاقه بذوق رفيع، وحس مرهف رفيق، تلحظه في حديثه وسمته ولباسه ومظهره وطريقة استقباله لضيوفه، واختياره للأمور التي يقتنيها، وألوانها ودقة ترتيبها في أماكنها في بيته، وفي عنايته الفائقة بكتبه ومكتبته وطريقة تعامله مع الكتاب.

مهيب الطلعة، ممشوق القامة، أبيض اللون مشرباً بحمرة، منير الوجه، منوّر اللحية، كساه الشيب إشراقاً ووقاراً، ومنحه اشتغاله بذكر الله وبحديث رسول الله وسيرته صفاءً واستبشاراً

حسن المظهر، يزين رأسه بعمامة بيضاء، يلفها بإحكام متقن فوق (طربوش) أحمر، وفي أواخر عمره اكتفى بالقبعة والمنديل الأبيض.

أصيب في أواخر حياته بضعف في البصر، ثم توالت عليه الآلام فكان يتحملها بصبر واحتساب، وفي يوم الأحد التاسع من شهر شوال، سنة: سبع عشرة وأربعمئة وألف للهجرة، الموافق للسادس من شهر شباط، عام: سبعة وتسعين وتسعمئة وألف للميلاد، عرجت الروح الطاهرة إلى بارئها في أحد مشافي (الرياض) في المملكة العربية السعودية، مخلفة الحزن ولأسى في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، وصلي عليه في مدينة (الرياض)، ثم نقل جثمانه الطاهر على طائرة خاصة إلى (المدينة المنورة) وأعيدت الصلاة عليه بحرم المصطفى  ، ثم ووري التراب في (البقيع) بجوار الحبيب الأعظم .

وأقيمت مجالس العزاء في (الرياض) وفي (المدينة المنورة) وفي مسقط رأسه حلب الشهباء وفي دمشق وبيروت، وكثير من مدن العالم الإسلامي، ونعته وكتب عنه الكثير في الصحف والمجلات العربية والإسلامية ورثاه عدد من شعراء العالم الإسلامي.

ومن قصيدة الشاعر الحلبي (شاعر الدعوة) محمد ضياء الدين الصابوني هذه الأبيات:

يا أخي يا أخا المودة والحــــ=ـب فخذها من قلبي الخفاق

إنّ (عبد الفتاح) خلّ وفيّ=صاحب الفضل والسجايا الرقاق

عالم فاضل جليل قدير=وقد سرى علمه مدى الآفاق

كم له من مآثر صالحات=وخشوع من رهبة الخلاق

قد عرفناه في الحديث إماما=يتحلى بالصبر والأخ

وعرفناه جهبذا لا يجارى=في المعالي والأمور الدقاق

خلق مشرق ورأي حصيف=ويبان يسمو من الإشراق

لا يبالي بحادثات الليالي=صادق قوله عدو النفاق

إيه شهباء قد فقدت عزيزاً=فكسيت الأحزان كالأط

فاسكبي دمعك الهتون عليه=فهو أولى بالدمع والإشفاق

ـ خط الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ـ

المصادر والمراجع

1. بعض كتب المترجم له.

2. حفل الاثنينية الذي أقامه الأستاذ عبد المقصود خوجة تكريما للشيخ.

3. سجلات المدرسة الخسروية.

4. مقابلات ومشافهات مع عدد من إخوان الشيخ وتلاميذه.

5. موقع الشيخ عبد الفتاح أبوغده على شبكة الانترنت.

6. مجلة منبر الداعيات العددان: 21و22 رمضان وشوال، عام: 1417 والعدد: 13 ذي القعدة من نفس العام.

صاحب الفضل والسجايا الرقاق

-----------

(1) حي قديم يقع على مرتفع بين محلة (البياضة) و(باب الحديد)، فيه عدد من المساجد القديمة، وأنظر نهر الذهب2/310، وأحياء حلب وأسواقها، ص333.
(2) تخرج مع الشيخ في هذه السنة كل من وحسب ترتيب نجاحهم: فوزي فيض الله، صالح الرفاعي، عبد الفتاح أبو غدة (المترجم)، عبد الله خطيب، حسن رزوق، حسن مكتبي، محمد بكار، فياض الأسود، علي الجيني، رشيد عساف، موسى زيادة. (عن سجلات المدرسة الخسروية).
(3) انظر قصته في الحصول على كتاب (فتح باب العناية بشرح كتاب النقاية) في كتابه (صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل)، ص 281 فهي من العجائب.
(4) انظر قصة بيعه شالة والده، (وهي زنار من الصوف المزركش المصنوع في بلاد العجم يعدّ من أثمن أنواع الزنانير وأجودها وأجملها)، وهي أغلى تراثه، لشراء بعض الكتب، في المصدر السابق. ص278.
(5) من كلمة له في حفل تكريمه في الاثنينية التي أقامه له الأستاذ عبد المقصود خوجة في مدينة (جدة).
(6) يذكر تلميذه فضيلة الشيخ محمد عوامة ـ حفظه الله ـ إن إذاعة الرياض أجرت مع الشيخ مقابلة قبل عشرين سنة من وفاته، وسأله المذيع عن عدد الكتب في مكتبته، فأخبره بعد إلحاح إنها تبلغ عشرين ألف مجلد، يقول كاتب المقال (هذا في ذلك الوقت، فكم يبلغ حجمها الآن؟) مجلة منبر الداعيات، عدد 22 شوال 1417هـ.
(7) انظر تحقيقاته وتعليقاته المستفيضة الممتعة في مختلف الكتب التي قام بتحقيقها، ففي كتابه (الإسناد من الدين) مثلاً كتب 23 صفحة للتحقيق في كلمة واحدة فقط، من ص 51 إلى 74.
(8) ذكر بعض تلاميذه الذين رافقوه إلى باريس لمعالجة عيونه: (إن الشيخ كان يخرج كتاباً في السيارة ويسلمه إياه، ويطلب منه أن يقرأ له بسبب ضعف بصره، بل أعجب من هذا، أنه أثناء معاينته للجهاز الذي يبحث عنه لاقتنائه ـ وكان من مزايا هذا الجهاز أنك تدخل فيه الورقة فيكبر حروفها أضعافا مضاعفة ـ فكان ـ رحمه الله ـ ينتهز الفرصة ويخرج الكتاب ويدخله في الجهاز، ويستفيد ولو للحظات للقراءة فيه. مجلة منبر الداعيات، العدد: 21و22 سنة: 1417هـ.
(9) أنظر مثلا مخالفته لشيخه الزرقا في بعض فتاويه، ومخالفته لشيخه أحمد شاكر في كتاب (نظام الطلاق في الإسلام). 
(10) انظر كتابه (لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث). ص 33 إلى 55
(11) الرسالة مطبوعة في آخر كتاب (رسالة المسترشدين) الطبعة الثانية. ص: 155 وما بعدها.
(12) رسالة المسترشدين، ص 112.
(13) صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل، ص 38و39.
(14) المصدر السابق، ص39.
(15) رسالة المسترشدين ص7.