كلمات في ترجمة أستاذنا الكبير محمد قطب رحمه الله تعالى


|||عدد مرات المشاهدة244 زيارة|عدد مرات الطباعة1 طباعة|0 تعليق

كاتب الترجمة: الشيخ مجد مكي


 

فقدت الأمة الإسلامية علما من أعلام الفكر الإسلامي، وواحدا من الدعاة والأساتذة الكبار الذين كان لهم دور لا يغفل في الحركة الإسلامية في وقتنا الحاضر وواقعنا المعاصر.. ذاك هو الأستاذ محمد قطب الذي وافته المنية في الساعات الأولى من صباح يوم الجمعة الماضية 4 جمادى الآخرة سنة 1435هـ الموافق4 إبريل 2014م، عن عمر ناهز 98 عامًا. في مستشفى المركز الطبي الدولي في مدينة جُدة بالمملكة العربية السعودية، وصلى الناس عليه عشاء في الحرم المكي الشريف الذي جاوره لأكثر من أربعين عاما مدرسا  ومحاضرا وكاتبا منقطعا في محراب العلم والفكر والدعوة إلى الله على بصيرة.

ومحمد قطب هو الأخ الأصغر للشهيد سيد قطب والذي أعدم في سجون عبد الناصر سنة 1966.. ومع أنه لم يحظ بشهرة أخيه الأكبر، إلا أنه لم يكن أقل منه تأثيرًا في تطور الحركة الإسلامية بالعالمين العربي والإسلامي.

 

مولده ونشأته:

في يوم السادس والعشرين من إبريل عام 1919م.. وفي قرية موشا بمحافظة أسيوط بمصر ـ حرسها الله ـ ولد محمد قطب لوالد مزارع هو قطب إبراهيم ،وهو فلاح بسيط لم يكمل تعليمه ولكنه كان يحب القراءة والمطالعة حتى صار أحد مثقفي القرية، وأما الأم فهي تنتمي إلى أسرة محبة للعلم، فقد برع إخوتها في العلم والأدب والشعر والصحافة والسياسة. لذا كان لهذه المرأة الطيبة دور في إرسال ولديها سيد ومحمد إلى القاهرة ليتلقيا تعليمهما هناك.

 

وفي القاهرة بدأ محمد دراسته فأتم المرحلتين الابتدائية والثانوية، ثم التحق بجامعة القاهرة حيث التحق بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية وآدابها وتخرج فيها سنة 1940 وعمره آنئذ 21 سنة، ثم تابع دراسته في معهد التربية العالي للمعلمين فحصل على دبلوم في التربية وعلم النفس.. وعمل بالتدريس لمدة أربع سنوات، وبإدارة الترجمة بوزارة المعارف لمدة خمس سنوات، ثم بالتدريس مرة أخرى لعامين، ثم مشرفًا على مشروع الألف كتاب بوزارة التعليم.

 

تأثير سيد عليه: 

تأثر الأستاذ محمد قطب بأخيه سيد والذي كان يكبره باثنتي عشرة سنة، تأثرا عظيما، حيث كان سيد يشرف على تعليمه وتوجيهه وتثقيفه حتى كان بمثابة الأب والأخ والصديق.. وقد أقر محمد بهذا التأثر حيث يقول: «لقد عايشت أفكار سيد بكل اتجاهاته منذ تفتح ذهني للوعي، ولما بلغت المرحلة الثانوية جعل يشركني في مجالات تفكيره ويتيح لي فرصة المناقشة لمختلف الموضوعات؛ ولذلك امتزجت أفكارنا وأرواحنا امتزاجاً كبيراً، بالإضافة إلى علاقة الأخوة والنشأة في الأسرة الواحدة وما يهيئه ذلك من تقارب وتجاوب.»

 

ويقول أيضا: "لقد كانت صلة سيد بي من حيث التربية يتمثل فيها العطف والحسم في آن واحد، فلا هو اللين المفسد ولا الشديد المنفر، كما أنه كان يشجعني على القراءة في مختلف المجالات، وكان هو نفسه نهماً في القراءة فساعدني هذا التوجيه على حب المطالعة منذ عهد الطفولة".

 

وأما عن تأثره بخاله فيقول: "كان لوجودنا مع خالي ذي النشاط السياسي والأدبي والصحافي أثره الملموس في توجيهنا - أنا وأخي - نحو الأدب والشعر وتغذية ميلنا إلى القراءة والاطلاع، كما كان له أكبر الأثر في ارتباطنا فكريا بالأستاذ العقاد وأسلوبه في معالجته الأفكار بعمق، وتركيزه على الدقة في التعبير".

 

محنته:

تعرض الأستاذ محمد قطب لمحنة شديدة مع نظام عبد الناصر بعد ثورة يوليو، وكانت محنة طالت آل قطب جميعا بداية بالأستاذ سيد ثم الأستاذ محمد ثم أخواتهما الثلاث وعلى رأسهن حميدة قطب، وقد رأوا الويلات في سجون عبد الناصر، وختمت بإعدام سيد شهيدا حميدا إن شاء الله.. 

وقد تكلم عن هذه المحنة الأستاذ محمد قطب فكان مما قال: "بدأت طلائع تلك الأحداث منذ عودة سيد من أمريكا 1950، فقد شرع قلمه في معركة صحفية سياسية هائلة كانت تعرض حريته للمصادرة بين الحين والآخر بسبب الاعتقال على ذمة التحقيقات. 

 

ثم انفجرت الثورة العسكرية ووقع التصادم بينها وبين أصحاب الاتجاه الإسلامي، خصوصا بعد مسرحية حادث المنشية الشهير سنة 1954م .. وتم اعتقال سيد ، ثم اعتقل أخوة محمد بعده بأيام، وقد شهدا من فنون التعذيب ما لا يخطر على بال إنسان. وقد ألحق كل من الأخوين بمكان من السجن الحربي بعيد عن الآخر، وحيل بينهما حتى لا يعرف أحدهما عن الآخر شيئاً. ثم أفرج عن محمد بعد فترة غير طويلة وبقي سيد في قبضة الجلادين طوال عشر سنوات.

 

يقول محمد قطب: "كانت فتنة السجن الحربي بالغة الأثر في نفسي إذ كانت أول تجربة من نوعها وكانت من العنف والضراوة بحيث يمكن لي القول إنها غيرت نفسي تغييراً كاملاً من بعض الجوانب على الأقل".

خرج محمد ليحمل عبء الأسرة، مدة عشر سنين حتى خرج سيد، ولم يلبث الأمر إلا قليلا حتى شرع النظام في اعتقالات عام 1965م فأعيد سيد وأعيد محمد كذلك إلى السجن. وكان نصيبه أن يقضي فيه ست سنوات متصلة من 30 يوليو 1965م إلى 17 أكتوبر عام 1971م. وكان نصيب أخيه الإعدام بعد محاكمة صورية مع ثلة من كرام الشهداء. لكن كما يقول الأستاذ محمد قطب: "كانت هذه السنوات الست بكل أحداثها ووقائعها هي في النهاية زاد على الطريق".

وبعد خروجه من السجن غادر مصر إلى مكة المكرمة  حيث تفرغ  للدعوة والتأليف والتدريس في قسم الدراسات العليا بجامعة الملك عبد العزيز والتي سميت بعد ذلك بجامعة أم القرى.وطلب منه وزير التعليم العالي الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ بإشارة من الأستاذ محمد المبارك أن يكتب (منهاج التوحيد) لطلاب الثانوية، فألف كتاب (التوحيد) بأجزائه الثلاثة، وقرأه ألوف الطلاب وانتفعوا به، وقد أخرج فيما بعد كتبه التي كتبها في منهج التوحيد إلى كتاب سماه: "ركائز الإيمان"، وهو من كتبه التي يستفاد منها كسائر كتبه.

جهوده العلمية ومؤلفاته:

أمضى الأستاذ محمد معظم حياته  في مكة المكرمة محاضرا ومشرفا وكاتبا، وقد عُرف عنه غزارة الإنتاج، فله أكثر من 30 كتابا من مؤلفاته الفكرية والتربوية والأدبية، يتداولها الإسلاميون من كل الاتجاهات، وفي جميع أنحاء العالم، وقد توج هذا المجهود بحصوله على جائزة الملك فيصل العالمية عام 1988.

أثرى الأستاذ محمد قطب المكتبة الإسلامية المعاصرة بكتب قيمة ومؤلفات هامة تؤسس للفكر الإسلامي المعاصر من منطلق معرفي إسلامي مخالف لنظرية المعرفة الغربية، وهو يربط بين الفكر والواقع عبر العديد من مؤلفاته التي حاولت تفسير الواقع أيضاً من منظور إسلامي.. وقد كان لهذه المؤلفات الأثر البالغ في تربية الأجيال".

 

ومن أبرز هذه الكتب والمؤلفات: 

"وقعنا المعاصر"، و"مذاهب فكرية معاصرة"، و"مفاهيم ينبغي أن تُصحح"، و"كيف نكتب التاريخ الإسلامي"، و"دروس من محنة البوسنة والهرسك"، و"العلمانيون والإسلام"، و"المسلمون والعولمة"، وشبهات حول الإسلام"، و"لا إله إلا الله عقيدة وشريعة ومنهج حياة"، و"شبهات حول الإسلام"، و"حول التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية"، "كيف ندعو الناس؟"، و"المسلمون والعولمة:، و"ركائز الإيمان"، و"لا يأتون بمثله!"، و"دروس تربوية من القرآن الكريم"، و"حول تطبيق الشريعة"، و"المستشرقون والإسلام"، و"هذا هو الإسلام".. وغيرها من المؤلفات الهامة.

إن محمد قطب- بكتبه المتنوعة في موضوعاتها وموادها، أو في محاضراته الشائقة المركزة وفي إنتاجه الغزير- أصبح - كما يقول أستاذنا القرضاوي- يمثِّل مدرسة إسلامية في الدعوة والتربية، والحوار والفكر الإسلامي، الذي يتميز بالأسلوب النيِّر، الذي يخاطب العقل، ويحرك العاطفة، ويحاور الآخر، ويرد على الغرب، كما يرد على المخالفين، ويثير في الشباب اعتزازًا خالصًا للإسلام، وتكاتفا عليه، وجهادا في سبيله، ورفضا لما سواه. كان محمد قطب في عالم الدعوة والثقافة الإسلامية في دنيا المسلمين: نورًا يهدي، وغيثًا يُحيي، وروحًا يسري، وصوتًا يدوِّي، وعزمًا يقوّي، وشمسًا تشرق، وشهابًا يثقب ويحرق، ولكنه لا يحرق إلا الشياطين.

 

لقد ودعت الأمة بوفاته قطبًا من أقطابها، وعلمًا من أعلامها، وقلمًا من أقلامها، ونجمًا من نجومها، وَهَبَ عمره من أوله إلى آخره لها ولدينها، ودعوتها وثقافتها، وحضارتها وتراثها .

نسأل الله تعالى أن يتغمد الفقيد برحمته، وأن يسكنه فسيح جناته.