الشيخ الداعية د. غازي التوبة


|||عدد مرات المشاهدة698 زيارة|0 تعليق

كاتب الترجمة: الأستاذ عمر العبسو


 

(1939- معاصر)

 

- تعدّ فلسطين عش الأنبياء، ومهوى قلوب الأصفياء ، أسدت للبشرية الخير والحق والنور والسلام والهداية، ففي ربوعها عاش نبي الله داود، وسليمان ، ويعقوب...

وإليها هاجر موسى، وفي مهدها ولد عيسى ، ومنها عرج خاتم الأنبياء إلى السماء، طمع فيها أعداء الإنسانية، وحررها الفاروق عمر، وتعرضت للغزو الصليبي، فقيض الله لها البطل صلاح الدين الأيوبي، وفي العصر الحديث صارت فريسة لشذّاذ الآفاق، ونرجو الله أن يهيئ لها جيل الفتح الذي ينهج نهج عمر.. وصلاح الدين، والظاهر بيبرس .

 لقد قدمت فلسطين في العصر الحديث طائفة من أفلاذ أكبادها، حيث فجر الشهيد عز الدين القسام الثورة المسلحة عام 1935م ، وقاد الإمام الشهيد حسن البنا كتائب الفدائيين من الإخوان المسلمين عام 1948م ، وكان لبسالتهم فضل تأخير سقوط القدس عشرين سنة حتى حلّت النكسة بعد النكبة عام 1967م ، ثم نهضت الأمة من غفوتها، وقامت من كبوتها، حيث أسس الشهيد أحمد ياسين حركة المقامة الإسلامية في فلسطين عام 1987م ، كما أسس الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين حتى لقي الله شهيداً في مالطا عام 1995م .

وهذا الشعب العظيم المعطاء أنجب العديد من العلماء الربانيين، والقادة العظام من أمثال : الحاج أمين الحسيني ، والشهيد عبد الله عزام، مروراً بالدكتور عبد العزيز الرنتيسي، والمجاهد خالد مشعل، ورئيس الوزراء الشيخ الداعية إسماعيل هنية، والشهيد صلاح شحادة، والدكتور إبراهيم المقادمة، والسيد المربي جمال منصور، والمهندس إسماعيل أبو شنب، والقائد يحيى عياش، والوزير محمد سعيد صيام، والشاعر عبد الرحمن بارود، وأحمد فرح عقيلان  ...وغيرهم .

 ونعيش في هذه اللحظات ، وعبر بضع صفحات مع  الداعية، والعالم الأكاديمي، والكاتب الفلسطيني الذي سار على درب الجهاد ، وحذا نهج السلف ، فكان خير خلف لخير سلف – نحسبه كذلك، ولا نزكي على الله أحداً – هذا العلم الفذ الذي كتب كثيراً من الكتب المميزة والمهمة في مسيرة الأمة والعمل الإسلامي، إنه الشيخ الداعية الدكتور غازي أحمد التوبة – أطال الله في عمره ، ورزقني وإياه حسن الخاتمة .

المولد والنشأة :

- نشأ غازي أحمد التوبة في فلسطين، وهو من بلدة (صفورية) التي تقع في لواء الجليل على بعد 12كم إلى الشمال الغربي من الناصرة،  وهو من مواليد 15/5/ 1939م في حي الميدان في منطقة الشيخ محمد الأشمر في مدينة دمشق عاصمة سورية .

-وترعرع في كنف والده الشيخ المجاهد أحمد التوبة رحمه الله، من (صفورية) في قضاء (الناصرة) في فلسطين الذي شارك في الجهاد في فلسطين مع حركة عز الدين القسام، وكان أحد تلاميذه، وانضم إلى تنظيم "الجهادية" الذي أسسه الشيخ عز الدين القسام في فلسطين، وهو التنظيم الذي واجه الإنجليز والصهاينة في فلسطين، وقاومهم وقاتلهم، وقد قام الشيخ أحمد التوبة باغتيال الجنرال (أندروز) الحاكم البريطاني للواء الجليل عام 1937م، وقاد فصيلاً من المجاهدين الذين كانوا يتنقلون في جبال فلسطين الشمالية بين عكا وصفد في الثورة الفلسطينية للأعوام 1936-1939م، وتوفي -رحمه الله- وهو محرم لأداء العمرة، ودفن في مكة المكرمة يوم الاثنين 11 من ذي القعدة 1402ه/  الموافق 30 من آب 1982م.

-وأما والدته فهي الحاجة رقية الشريف -رحمها الله-، وهي من سلالة الرسول- صلى الله عليه وسلم-، كانت عابدة صوامة قوامة كثيرة الذكر، عاشت حتى جاوزت التسعين، وتوفيت، ودفنت- رحمها الله- في مكة المكرمة يوم 17 رمضان عام 1436ه/ الموافق 4 تموز 2015م.

-والشيخ د. غازي التوبة له ثلاثة إخوة، وثلاث أخوات، هو أكبرهم.

-تزوج د. غازي أحمد التوبة عام 1962م، وله أربعة من الأولاد وبنتان، وكلهم أتموا دراستهم الجامعية، وله العديد من الأحفاد.

دراسته :

-بدأ الشيخ د. غازي التوبة دراسته الابتدائية في فلسطين، ثم حصل على الشهادة الابتدائية (السرتفيكا) من المدرسة الخيرية في حمص عام 1950م

-وحصل على الشهادة الإعدادية (البروفيه) من ثانوية خالد بن الوليد في حمص عام 1954م.

-كما حصل على الشهادة الثانوية (البكالوريا) من ثانوية خالد بن الوليد في حمص عام 1957م.

- ثم حصل على الليسانس من جامعة دمشق في سوريا عام 1963م .

-كما حصل على الماجستير من الجامعة اللبنانية عام 1975م، وكان عنوان الرسالة: (زفر بن الحارث الكلابي: الأحاديث التي رواها، وشعره، وحياته)، وكان المشرف على الرسالة الدكتور صبحي الصالح رحمه الله تعالى.

-ثم سجّل في جامعة (بهاولبور) في باكستان للحصول على الدكتوراه، لكنّه لم يستطع أن يناقش الرسالة بسبب ظروف حرب الخليج عام 1990م، مما جعله ينقل تسجيل الرسالة إلى "جامعة العالم الأميركية" في نيو مكسيكو، وكان المشرف على الرسالة هو الأستاذ الدكتور سيد عبدالعزيز السيلي أستاذ العقيدة في جامعة الأزهر الشريف في القاهرة وجامعة أم القرى في مكة المكرمة، ثم حصل على شهادة الدكتوراه في عام 2007م بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف، وكان عنوان الرسالة (العقيدة الأشعرية: نشأتها وتطورها).

شيوخه وأساتذته:

-وكان الشيخ قد درس على عدد من المشايخ والأساتذة في عدد من المدن والبلدان العربية، وسنذكر بعضهم على سبيل المثال لا الحصر:

-فقد درس الفقه على الشيخين وصفي المسدي وأبو السعود عبدالسلام –رحمهما الله- في حمص، ودرس جوانب الدعوة والحركة على الشيخ الدكتور مصطفى السباعي في حمص ودمشق، كما درس الحديث الشريف على الشيخ ناصر الدين الألباني في دمشق، كما درس النحو على الأستاذ سعيد الأفغاني في دمشق، كما درس الأدب على الأستاذين: شكري الفيصل وأحمد راتب النفّاخ في دمشق، كما درس علوم القرآن الكريم وعلوم الحديث الشريف وفقه اللغة على الشيخ الدكتور صبحي الصالح في دمشق وبيروت، كما درس التاريخ على الأستاذين عمر فروخ وشاكر مصطفى في دمشق وبيروت، وغيرهم كثير.

أعماله :

-عمل في الحقلين: الدعوي والتربوي-التعليمي في عدد من البلدان العربية والإسلامية والأجنبية، ومنها: سورية، لبنان، الكويت، باكستان، الولايات المتحدة الأمريكية، حيث درّس في تلك الجامعات علوم اللغة العربية، والدراسات الإسلامية، والعقيدة الإسلامية.

-عمل في الحقل التربوي والتعليمي في الكويت في الأعوام 1974-1990م، وشارك في صياغة المناهج التربوية لدولة الكويت، كما شارك في تأليف عدد من الكتب المدرسية في المرحلة المتوسطة والثانوية لمدارس الكويت.

-شارك في العديد من المؤتمرات في بلدان عديدة حول شؤون الإسلام والأمة والحضارة والفكر والسياسة والتربية والدعوة.

-شارك في عشرات من البرامج التلفزيونية حول شؤون الإسلام والأمة والفِكْر والحضارة. 

-يشرف الدكتور على موقع: منبر الأمة الإسلامية للدراسات والأبحاث (al-ommah.org)

مؤلفاته :

- كتب مئات المقالات في مختلف الأمور: الإسلامية، والفكرية، والسياسية والتربوية والحضارية ..الخ، ونشرها في صحف ومجلات في عدد من البلدان العربية والأجنبية، ومنها: مجلة حضارة الإسلام التي أصدرها الشيخ الدكتور مصطفى السباعي في دمشق، ومجلة الآداب ومجلة الأديب في بيروت، ومجلة الوعي الإسلامي ومجلة المجتمع في الكويت، ومجلة المنار في القاهرة، ومجلة الأمة في قطر.

كما كتب في عدد من الصحف اليومية، ومنها: جريدة الحياة وجريدة الشرق الأوسط اللتان تصدران في لندن، وصحف "الوطن" و"القبس" و"الأنباء" في الكويت.

-كما نشر عشرات المقالات في بعض مواقع الإنترنت، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: موقع الإسلام اليوم، وموقع الجزيرة نت.

- مهتم بشؤون العقيدة الإسلامية، كما أنه مهتم بشؤون الأمة، وكذلك مهتم بشؤون الحضارة الغربية.

- من كتبه المنشورة:

-الفكر الإسلامي المعاصر: دراسة و تقويم، 1969م

-النكسة في بعدها الحضاري، 1973م

-في مجال العقيدة: نقد وعرض، 1986م

-جذور أزمة المسلم المعاصر: الجانب النفسي، 1993م

-الجماعة في الإسلام: المشروعية والإطار، 1995م

-التغيير في العالم الإسلامي: أزمة موضوعية أم ذاتية؟، 1996م

-أبو الأعلى المودودي، فكره ومنهجه في التغيير: دراسة وتقويم، 1996م

-الأمة الإسلامية بين القرآن والتاريخ: دراسة وتحليل، 1999م

-إشكالية النهضة بين الفكر القومي العربي والصحوة الإسلامية، 2003م

-النفس المسلمة: صور من بنائها وأحوالها، 2005م

-القضية الفلسطينية: الواقع والآفاق، 2005م

-لماذا سقطت الخلافة العثمانية؟ قراءة في عوامل ضعف الأمة، 2008م

-صفورية والمجاهد والفتى، 2011م

-رؤى وآراء معاصرة: دراسة نقدية، 2012م

-قراءات في شؤون الإسلام والأمة والحضارة: رؤية نقدية، 2015م

-برامج تلفزيونية:

قدّم الشيخ الكثير من البرامج التلفزيونية، ومنها:

-برنامج: كيف نرتقي بنفوسنا؟، واحتوى على عدة حلقات، منها:

كيف نتغلّب على الخوف؟

وكيف نتغلّب على الحزن؟ إلخ........

-وبرنامج: شخصيات، واحتوى حواراً في عدة حلقات حول عدة شخصيات، هي:

محمد عبده، مالك نبي، عباس محمود العقاد، طه حسين، تقي الدين النبهاني، وحسن البنا.

-كما قدّم مؤخراً "برنامج قراءات"، واحتوى عدة حلقات منها:

--صفات العالم

--حول مقولة: لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة

--ما هي الدولة المدنية؟

--تغيير الواقع: من أين يبدأ؟

--لماذا تعثّر "الربيع العربي"؟

--مشروع نهضة الأمة

--أمتنا وعصر الانحطاط

--"قابلية الاستعمار" عند مالك بن نبي

--أمتنا بين التفتيت والتجزيء السياسي

--من أين ننطلق في تغيير الواقع المحيط بنا؟

--النص الثابت والواقع المتغير

--مقاصد الشريعة

--كيف نتعامل مع الديمقراطية؟ 

--رسالة إلى إخواننا الأكراد

--قراءات في مؤتمر حركة النهضة

-وقد بثّت برامج الشيخ كثير من القنوات، منها: قناة الجزيرة، قناة المستقلة، قناة دليل، فضائية القناة، قناة T.R.T. التركية، قناة الحوار، قناة الرسالة، قناة صفا، قناة المجد، وحلب اليوم، والدرر الشامية، وقناة الرافدين إلخ.....

من أقواله : 

1-من الجلي أن هناك جناحين تحلّق بهما الأمة، هما: جناحا العقل والنقل، وبمقدار استوائهما الصحي يكون تحليق الأمة ونجاحها.

ومن الجلي –أيضاً- أن جناحي النقل والعقل لمّا يأخذا استواءهما الصحي في الوقت الحاضر، لذلك كان هناك تعثّر في مسيرة أمتنا.

ومن الواضح أن وجود التقويم والمراجعة والتمحيص عامل أساسي في تصحيح مسارنا الثقافي والشرعي والعلمي والفكري....إلخ.

2- حاولت الأمة النهوض بعد سقوط الخلافة العثمانية في مطلع القرن العشرين، وتبنّت المشروع القومي من أجل النهضة، ورسم ساطع الحصري ملامح المشروع فكريا، ثم قاده سياسيا الملك فيصل في العراق وجمال عبد الناصر في مصر، لكن المشروع فشل لأنه تنكر للدين الإسلامي، وأخطأ في تحديد عوامل بناء أمتنا. 

ثم انبثق المشروع الإيراني على يد الخميني في إيران، لكنه فشل لأنه قام على الطائفية، وقدم أقوالا لا أفعالا في مجال التعامل مع الغرب.

ثم جاء زلزال الربيع العربي إيذانا ببدء مشروع النهضة الجديد الذي رسمنا له بعض المعالم التي يجب أن تسعى قيادات الأمة إلى تحقيقها في أرض الواقع.

3- إن اختيار الصحابة –رضوان الله عليهم- للهجرة وليس لميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم مبتدأً لتاريخهم هو ثمرة لتربية الرسول صلى الله عليه وسلم لهم، فهي تربية تقوم على تقديم المنهج على الشخص، وتقديم الرسالة على الرسول، فالهجرة كانت جزءاً من حركة الرسالة على الأرض، وكانت منعطفاً مهماً في حياة المسلمين، وكانت نقلة نوعية في المجتمع الإسلامي إذ نقلتهم من الاستضعاف إلى التمكين، ومن الدعوة إلى الدولة، ومن الجماعة إلى الأمة، لذلك اختيرت لتكون مبتدأً لتأريخهم. 

4- هذه أمتنا التي بناها الرسول صلى الله عليه وسلم، وقادها الصحابة والتابعون والعلماء والأمراء على مدار التاريخ الماضي، واستمرت موجودة حاضرة رغم الأمراض التي اعتورتها، ورغم إنهاء كمال أتاتورك الخلافة عام 1926م، صحيح أنها خسرت قيادتها السياسية بعد سقوط الخلافة لكن الأمة بقيت موجودة حاضرة بكل المقاييس وبكل المقوّمات المطلوبة: التاريخ الواحد، المشاعر الواحدة، الآمال والآلام الواحدة، الثقافة الواحدة، اللغة الواحدة، الأرض الواحدة إلخ....

لقد كان الحفاظ على الأمة الإسلامية وإعادتها إلى حيويتها السابقة هو مدار صراع بين العلماء المخلصين وبين الغرب الذي اجتهد خلال القرنين الماضيين أن يجزّئها، وأن يضعفها، وأن ينهب خيراتها، وأن يشكّكها بقيمها، وأن يلحقها بنموذجه الثقافي إلخ.....

لكن الحقيقة التي لابد من تقريرها أن الأمة كانت أعصى مما يتصور بعضهم على محاولة التغريب والمحو الثقافي والإضعاف والتشكيك إلخ...، وأنها كانت سنداً رئيسياً ساعد العلماء في بناء جماعاتهم وحركاتهم وأحزابهم ومواقفهم، لذلك فإن أولى واجباتنا في المرحلة القادمة هي المحافظة على وحدة أمتنا، وإعلاء شأن ثقافتها، وتعزيز قوتها، ووعي صفاتها، ومداواة أمراضها، والدفاع عن حياضها إلخ.....

المراجع :

1- أخذت هذه المعلومات من فضيلة الشيخ الداعية بتاريخ 2/ 4 / 2017م .

2- صفحة الشيخ الدكتور غازي التوبة على الفيسبوك .

3- أعلام الحركة الإسلامية في سورية – عمر محمد العبسو – مخطوط .