شاعر الأقصى (يوسف العظم) لمحات من حياته وأدبه


|||عدد مرات المشاهدة136 زيارة|0 تعليق

كاتب الترجمة: الأستاذ يحيى حاج يحيى


 

ولد الأستاذ يوسف العظم في مدينة معان _جنوبي الأردن _عام 1931 ،وأتم تعليمه فيها حتى الإعدادية ، ثم أكمل الثانوية في عمان . ودرس بعد ذلك في بغداد ثم الأزهر في مصر وحصل على شهادته عام 1953 ، ليلتحق بمعهد التربية للمعلمين بجامعة عين شمس ، ويتخرج فيها عام 1954 .

عمل في تدريس اللغة العربية ، وبرز كداعية إسلامي متعدد النشاطات ، فحاضر وخطب وناقش وكتب .

والأستاذ يوسف متعدد النشاط ، غزير الإنتاج . شارك في المجالس النيابية مرشحا عن مدينة معان التي أحبته ، وتكرر تمثيله لها ، وسجل مواقف باسم الإسلام لا زال المسلمون يذكرونها له بالإكبار و التقدير .

كما شارك في كتابة المقالات و القصائد في الصحف الأردنية والعربية والإسلامية ، ثم رئس مجلة صحيفة (الكفاح الإسلامي ) التي تصدت لبقايا النفوذ البريطاني ، وتبنت المطالب الشعبية الحياتية ، ودافعت عن الحريات العامة وعن قضية فلسطين وكانت مرآة للفكر الإسلامي وآرائه ومواقفه .

وأصدر في مجال الفكر ،كتاب (الإيمان وأثره في نهضة الشعوب ) الذي كتب مقدمته الأستاذ سيد قطب .

كما أصدر سلسلة ( المنهزمون ) في ستة كتب تعرض فيها لمناقشة أهم القضايا التي تهم المسلمين من مثل الرجعية والتقدمية ، فصل الدين عن الدولة واليمين عن اليسار ،وغير ذلك مما يوضح الرؤية أمام الجيل المسلم الذي تعرض ويتعرض لهجمات التشكيك و الاستلاب ، وأتبعها بكتابه القيم ( تاريخنا بين تزوير الأعداء وغفلة الأبناء) فضح فيه المناهج التاريخية التي عمدت إلى تشويه الوقائع والأحداث والمستشرقين ودورهم في الإنصاف والتزوير ، والطائفيين وجهودهم في تزوير التاريخ ، وعرض لطائفه من الشبهات و المفتريات في تاريخنا عبر العصور .

وفي الجانب التربوي التفت إلى أجيالنا الإسلامية الناشئة في المدارس الرسمية والتبشيرية فأطلق صرخته المدوية في كتابه ( أين محاضن الجيل المسلم ) وسعى مع عدد من المخلصين لإنشاء مدارس الأقصى التي تبدأ برياض الأطفال إلى المرحلة الثانوية ، وألف لها مجموعة من الكتب التي تضم منهاجا للتربية كما يريدها الإسلام وقد احتوت على أحد عشر مؤلفا ، ذاع صيت كثير منها في تأسيسه للأنشودة الإسلامية للأطفال ، وكان من أبرزها في هذا المجال ( أناشيد وأغاريد للجيل المسلم ) ولابد هنا من الإشارة إلى دور الأستاذ العظم في ريادة شعر الأطفال إلى جانب محمود أبو الوفا وإذا كان لأبي الوفا فضل السبق ، إذ أنه وضع أسسا نقدية للنشيد ، فإن للشاعر يوسف العظم الفضل في تنويع الموضوعات فقد أكمل البناء وأحسنه ، وفتح الباب واسعا لمن كتب بعده ،سواء في الموضوعات أم في اختيار البحور الرشيقة والأوزان الخفيفة !

وكما كتب أناشيد للأطفال ،كتب القصة القصيرة للشباب في مجموعة حملت عنوان (يا أيها الإنسان ) أقاصيص للطلاب اتسمت بأسلوب بسيط وهادف ،ملامحها متقاربة ضمن إطار النـزعة الإنسانية ، وهي تناسب طلاب المرحلتين الإعدادية و الثانوية .وأما كونه شاعر الأقصى فقد انحصرت اهتماماته في شعره في موضوعين : فلسطين ومقدساتها ومأساة أهلها ، والأوضاع الاجتماعية المتردية التي تعيشها أمتنا أو يراد لها أن تعيشها .

وقد استأثرت قضية فلسطين باهتمام شاعرنا ،فصدرت جميع أشعاره معبرة عن هذا الاهتمام ،وهو لا يكاد ينسى الأقصى بل يذكره حتى في المواقف التي يتحدث فيها عن غيره ، كما في ابتهالاته الشعرية (لبيك ) إذ يقول :

يا مسجد الخيف في الأقصى أحبتنا وفي الخليل وفي حيفا وبيسان

تهفو قلوبهم للزحف منطلقا يحرر القدس من رجس وأوثان

وهو يحرص على إبراز هوية الأقصى ، فهو ليس مجرد جدران وحجارة وإنما كما في ديوانه (قناديل في عتمة الضحى) :

إنما الأقصى عقيدة ووسام وقصيده

وهو صرح أبت العلياء إلا أن تشيده 

بارك الله حواليه بآيات مجيده

وهو أرض النور فيه المصطفى أرسى سجوده

وهو رمز للمعالي زين التاريخ جيده

إنما الأقصى عقيدة ،فافتدوا تلك العقيدة

ويعرف أصدقاء الشاعر ومحبوه شغف العظم بفلسطين و الأقصى ، فها هو ذا الشاعر صالح الجيتاوي يطرز له أبياتا على بطاقة من الشعر ، ويذكر فيها بالأقصى و الشاعر على فراش المرض :

شاعر الأقصى ، أوى ( الأقصى ) ينادي من بعيد

قم وهدهد حزنه المشبوب باللحن الفريد 

يا منار الشعر والدعوة و الفكر الرشيد

لا عدمناك شديد العزم في بأس الحديد

وفي ديوانه ( في رحاب الأقصى ) يناجي يوسف العظم القدس ، ويبكي فقدها ، ويشخص أسباب سقوطها بيد اليهود ، ويصرح بالسبب الذي سكت عنه معظم الشعراء في عصرنا وهو : خروج الناس عن عقيدتهم وضياعهم بين تيارات شتى وأورثتهم التخاذل والهوان وهو يستحث الهمم لتعود كسابق عهدها :

من لي بسيف لا يهاب الردى في كف من يزهو به الموكب

أو راية في جحفل ظافر يقوده الفاروق أو مصعب

القدس في أفق العلى كوكب تشع بالنور فلا تعجبوا

مذ حل في أفيائها غاصب ما عاد فيها بلبل يطرب

ثم وهو يمشي ( على خطا حسان ) كما في ديوانه الذي حمل هذا الاسم تظل قضية فلسطين شغله الشاغل ويبقى الحديث عن القدس والجهاد غضا طريا

ذكّرتهم بفلسطين تسيل دما جراحها وبحق ضاع أو سلبا

وعشت للأمل المرجو ارقبه أن يصبح النفط في تاريخنا غضبا

يكوي جباه العدى من غير مرحمة وفي حمانا يرى كالغيث منسكبا

برا وخيرا وإيمانا وتضحية وجحفلا ظافرا في زحفه لجبا

ويعود الشاعر في ديوانه (( عرائس الضياء )) ليؤكد انه شاعر الأقصى والقضية الفلسطينية فقد تركزت معظم قصائده على هذا الجانب فمن قصائد فلسطينية صريحة إلى قصائد جهادية تدعو للتضحية والفداء يقول في قصيدة (( فلسطينية تروي قصتها في بيروت ))

ذبحوني من وريد لوريد وسقوني المر في كل صعيد

مزقوا زوجي ، فلم أعبأ بهم ومضوا نحو صغيري ووحيدي

غرسوا الحربة في أحشائه فغدا التكبير أصداء نشيدي 

دمروا بيتي، وهل بيتي هنا؟ إن بيتي خلف هاتيك الحدود !

وتلفت فلم أعثر على غير أبناء الأفاعي والقرود

وحين تنهض الانتفاضة بفتيتها الأماجد ،وغضبها العارم يهدي الشاعر ديوانه ( الفتية الأبابيل )إلى الفتية الذين بعثوا الماضي من رفات ، وأيقظوا الحاضر من سبات وخطو نحو المستقبل في ثبات ، وإلى من أرضعتهم مع اللبن حب الله ورسوله ، وحب القدس والأقصى وفلسطين

حجارة القدس نيران وسجيل وفتية القدس أطيار أبابيل

وساحة المسجد الأقصى تموج بهم ومنطق القدس آيات وتنـزيل

والشعب يزحف إيمانا وتضحية ما عاد يوقف زحف الشعب تنكيل

وصيحة الشعب حرا في تدفقه من المساجد تكبير وتهليل

تكلم الحجر القدسي فانتفضت سواعد الصيد واندكت أباطيل

ولا ينضب معين الحب لفلسطين والإسلام في قلب شاعرنا الكبير ، ولا يجف ينبوع الوفاء لهما ،ولكن المرض الذي ألم به في سنواته الأخيرة ، والمؤامرة على فلسطين ، جعلتا الصوت الجهير يخفت قليلا ، فيظن بعضهم أن العظم خارج الساحة ،وكأني بالشاعر قد أحس بهذا الظن ، فتأتي قصيدته (هل أضاعوني حقا) لتعبر عن هذا الأمر ،

وإذا هو الفارس الذي لا يحجبه غبار :

أضاعوني وأي فتى أضاعوا لنصرة دعوة وحوار فكر

وقد نشط الكذوب بلا توان يروج فرية تغتال طهري

ولولا إخوة الله قاموا يردون السهام لشر نحر

للاقت في النفوس هوى مريضا وألقت في القلوب بذور وزر

ولكن الكثيرين يعرفون قدر الشاعر ومكانته ويذكرون له جهاده يوم كان الكلام يكلف كثيرا فتحتفي به جامعة الزرقاء ورابطة الأدب الإسلامي في حفل تكريم جمعه بالشاعر الراحل وليد الأعظمي .

رحم الله يوسف العظم _ أبا جهاد _ الذي لقي ربه وهو يصلي ، يوم الأحد 15 رجب 1428 هـ عن عمر تجاوز الخامسة والسبعين وعلى مثله تحزن القلوب وتذرف الدموع !!.

المراجع:

1_ شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث للجدع وجرار جـ / 4 .

2_ تجربة الصحافة الإسلامية في الأردن في الخمسينات / زياد أبو غنيمة /.

3_ معجم الأدباء الإسلاميين المعاصرين / ج 3 / لأحمد الجدع .

4_ رائد شعر الطفل المسلم / مجلة منار الإسلام / ذو القعدة 1411 / يحيى حاج يحيى.

5_ القصص الإسلامي المعاصر عرض وتوثيق / يحيى حاج يحيى.

6_ دراسات في الشعر الإسلامي المعاصر / احمد الجدع / .

7_ دواوين الشاعر : قناديل في عتمة الضحى _ عرائس الضياء _ على خطا حسان _ الفتية الأبابيل _ مجموعة لبيك _ في رحاب الأقصى