القانون المدني في القرآن

 

 

نشأ الإسلامُ بمكة ونما واكتمل بالمدينة، وقد كان العهد المكي للإسلام عهد تكوين وتأسيس لعقائده، وإقامتها على أسس متينة من البراهين العقليَّة والوجدانيَّة الصحيحة؛ وعهد هدم لعقائد الشرك والوثنيَّة، ونقض لدعائمها وإزالة شبهاتها ودحض أباطيلها. فلهذا كانت حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه بمكة حياة كفاح واحتمال للأذى والشدائد في سبيل الدعوة الإسلاميَّة، وحياة تفكير وتدبير لمقاومة ما يَعترض هذه الدعوة من عَقَبات. 

وكانت سور القرآن المكيَّة أكثرها في العقائد والدعوة والبراهين على وجود الله تعالى ووحدانِيَّته، وتنز يهه عن الشريك والصاحبة والولد، وتثبيت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم بقصص أولي العزم من الرسل الذين أوذوا وعُودوا وحُوربوا وصبروا وانتصروا، والعاقبة للحق والمحقين. 

أما العهد المدني للإسلام بعد هِجْرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يَثْرب، فقد كان عهد تكوين للدولة الإسلاميَّة وتنظيم لشؤونها، وإعلاء لكلمتها، ووضع النظم والقوانين الكفيلة بتنظيم علاقات أفرادها بعضهم ببعض، وتنظيم علاقاتهم بغيرهم في حالي السلم والحرب؛ ولهذا كانت حياة الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة حياة تقنين، ووضع نظم وقوانين للأسرة، وللمعاملات، وللعقوبات، ولكل ما تقتضيه شؤون الأمَّة التي توافرت لها مقدمات دولة. وكانت السور المدنيَّة أكثرها في تقنين الأحكام العمليَّة لما يَعْرِض للمكلَّفين أفراداً وجماعات. 

والناظر في الأحكام العمليَّة التي شرعها، يلمح فرقاً واضحاً جلياً بين الأحكام التي شرعها في العبادات وما في حكمها كأحكام الأحوال الشخصيَّة، وبين الأحكام التي شرعها في المعاملات والدستوريات والاقتصاديات وشبهها. 

ذلك أنَّه في النوع الأول من الأحكام فصَّل بعض التفصيلات، وعرض لأحكام بعض الجزئيَّات، فبيَّن الأعضاء الواجب غسلها في الوضوء، والأعذار التي تُبيح التيمُّم، والأعذار التي تبيح الفطر في رمضان، والمحرَّمات زواجهنَّ من النساء، وفروض أصحاب الفروض في الإرث، وعِدَّة المطلَّقات والمتوفى عنهنَّ أزواجهنَّ، وغير ذلك مما جاء به القرآن في العبادات وما في حكمها من تفصيلات وجزئيات، وأما النوع الثاني من الأحكام فلم يتعرَّض في الكثير الغالب من آياتها إلى التفصيل. بل اكتفى بالإجمال واقتصر في كل نوع على تقرير أحكامه الأساسيَّة ومبادئه العامَّة. والحكمة في هذا: أنَّ العبادات وما في حكمها استأثر الله تعالى وحدَه بعلم الحكمةِ في تفصيل أحكامها. فهو الذي يسنُّ لعباده كيف يعبدونه وفي أي وقت يعبدونه، والمقصود بها ابتلاء المكلَّف واختبار طاعته وامتثاله، فلا مجال للعقل فيها، ولا تتطوَّر بتطور البيئات واختلاف الأحوال، ولهذا نصَّ العلماء على أنه لا قياس في العبادات؛ فالتفصيل في أحكامها لا يوقع المكلفين في الحرج لأنهم لا مجال لهم في تغييرها.

وأما أحكام المعاملات والدستوريَّات والاقتصاديَّات وغيرها مما عدا العبادات، فمرجعها إلى تحقيق مَصَالح الناس، وجلب النفع لهم ودفع الضر عنهم، ومصالح الناس تختلف باختلاف البيئات والأزمان والأحوال، ورُبَّ قانون يحقق مصلحة في زمن، ويُثير مفاسد في زمن آخر. أو لأمة أخرى، فلو شرع القرآن أحكام هذا النوع مُفصَّلة محدَّدة لوقع المسلمون في الحرج إذا وجدوا في القرآن تفصيلاً جزئياً لا يتفق ومصلحتهم.

فمن حكمة الشارع الحكيم :أنَّ القرآن لم يتعرَّض للتفصيلات وأحكام الجزئيات في القوانين التي تتطوَّر بتطور الناس وتختلف باختلاف مصالحهم؛ لأنَّ القرآن الكريم هو القانون الأساسي العام للمسلمين كافَّة في كل زمان وفي كل مكان.

فمن الحكمة أن تكون آياته فيما يتطوَّر ويختلف، على وضع مَرِن يتقبَّل المصالح ويساير التطورات دفعاً للحرج عن الناس؛ لأنَّه لا حرج على المسلمين أشد من أن يؤمنوا بأن مَصلحتهم يَعْترضها قرآنهم.

لهذا اقتصر القرآن في الأحكام المدنيَّة والدستوريَّة والجنائيَّة، والاقتصاديَّة والدوليَّة، على الأحكام الأساسيَّة، والمبادئ العامَّة التي لا تختلف ولا تتطور بتطور البيئات، وترك التفصيلات لكل أمة يفصلها ولاة أمرها وأولو الحلِّ والعقد فيها، بما يتفق وأحوالها، ويحقق مصالحها، في حدود المبادئ العامة، والأحكام الأساسيَّة التي قرَّرها الدستور الإسلامي، وهو القرآن. وهو المثل الأعلى في التقنين الحكيم الذي يراد أن يكون قانوناً عاماً للمسلمين كافَّة في كل زمان ومكان. وعلى هذا الأساس جاءت الأحكام المدنيَّة في القرآن قَليلة وفيها إجمال. وليست قِلَّتها وإجمالها إلا للحكمة البالغة التي أشرنا إليها، وليكون أولو الأمر في سعة من أن يُفصِّلوا أحكامهم المدنيَّة التي تلائم أحوالهم وتتفق ومصالحهم.

فالبيع، وهو أكثر العقود المدنية تداولاً، وعدد موادِّه في القانون المدني المصري عشرون ومائة، لم يَرِدْ في القرآن بشأنه إلا أحكام أربعة، وكلها أحكام أساسيَّة لا تختلف ولا تتطوَّر.

الأول: أحَلَّه الله سبحانه بقوله في سورة البقرة: [وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا] {البقرة:275}.

والثاني: اشترط سبحانه التراضي لكل مُبادلة بقوله سبحانه في سورة النساء: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ] {النساء:29}.

والثالث: أوجب سبحانه إشهاده وشهره بقوله: [ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ] {البقرة:282}.

والرابع: نهى سبحانه عن الاشتغال به في وقت النداء لصلاة الجمعة بقوله سبحانه في سورة الجمعة: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا البَيْعَ] {الجمعة:9}.

 هذه هي الأحكام الأربعة التي وردت في القرآن بشأن البيع، وهي كلها أحكام أساسية عامَّة لا تختلف ولا تتطوَّر. 

فإباحة البيع لا سبيل إلى تبديلها؛ لأنَّ هذا ضروري للناس، وتراضي المتبايعين وأي مُتبادلين لا تختلف فيه بيئة عن بيئة لأنه من نتائج احترام حقِّ الملكية. والإشهاد على البيع خشية الجحود وإثارة الخصومات مما يُقِرُّه كل قانون عادل. وكذلك ترك البيع إذا كان يشغل عن فرض ديني: لأنه لا يُترك الفرض الديني لمصلحة مالية. 

أما ماعدا هذه الأسس من التفصيلات فلكل أمَّة إسلامية أن يفصلها ولاة أمرها بما يُلائم مَصْلحتها. فلهم أن يُقيِّدوا إطلاق البيع المباح، وينصوا على أنواع من البيع يحظر إذا رأوا فيها ظلماً أو إضراراً بالناس. ولهم أن يُفصِّلوا معنى التراضي، وما يبطل التراضي، وما يَعيبه. ولهم أن يفصلوا طرق الإشهاد ومسـائله وما يحققه. وكل هذه التفصيلات التي تسنها الجماعة التشريعيَّة لمصالح محقَّقة يتصدَّون إليها، لا يأباها القرآن، ولا تعارض الدستور الأساسي الإسلامي. 

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

المصدر: (مجلة لواء الإسلام، العدد السادس، المجلد الثاني، صفر 1368 ديسمبر 1948).