أدب اللسان في سورة الحُجرات

أدب اللسان في سورة الحُجرات

التصنيف: روضة المنابر
الجمعة، ٦ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ - ٢٢ أيار ٢٠٢٦
114

أما بعد:


فيا أيها الأخوة المؤمنون:
يخاطبنا اللهُ عز وجل في كتابه خطاباتٍ متعددة كما أشرنا إلى ذلك في خطبةٍ سابقةٍ فنجد في القرآن: (يا أيها النبي)، ونجد في القرآن: (يا أيها الناس)، ونجد في القرآن: (يا أيها الذين آمنوا)، وهذا الخطاب موجهٌ لمن آمن بالله ربًّا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا، وبالإسلام دينًا، فإذا كنت أيها السامع من هؤلاء فإن عليك أن تصغي بأذنيك وقلبك لتستمع إلى كلمات الله سبحانه وتعالى وهو يأمرك وينهاك ويعلمك ويفهمك ويبين لك ما ينبغي أن تقوم به وما عليك أن تنتهي عنه وهكذا...
وكنا قد دعونا في خطبة سابقة كذلك إلى أن يهتم كل مسلم كل مؤمن بخطابات الله عز وجل الموجهة إليه.
وخطاباتُ الله المبدوءة بقوله سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا) جميعها تأتي في السور المدنية، في العهد المدني، كل خطابات الله (يا أيها الذين آمنوا) نزلت في المدينة المنورة، هي خطابات إلى المؤمنين ليؤسسوا لعلاقة عظيمة مع الله، وليؤسسوا لعلاقة متينة مع إخوانهم المؤمنين، وليؤسسوا لعلاقة متينة مع الحياة والأحياء، ولذلك أنت مدعو -أيها المؤمن- إلى أن تقرأ القرآن ولتستخرج بنفسك -وأنت تتلو كتاب الله- - هذه الخطابات، لتعلم عددها، ولتعلم مواقعها في السور القرآنية، ولتعلم التوجيهات الربانية التي وجهها الله إليك، ولتصنفها على باب الإيمان، وباب الفقه، وباب الآداب والأخلاق والسلوك، وهكذا...
قم -أيها المسلم، أيها المؤمن- قم بهذا بنفسك، استمتع وانتفع، وارتفع وتمتع بكتاب الله، وبخطاب الله الخالق العظيم لك، لتزداد علمًا وفهمًا وعملًا وفقهًا وسلوكًا حسنًا إذا فعلتَ هذا.
أنت مدعو إلى أن تقوم بهذا بنفسك، لا تنتظر أحدًا، ولا تعتمد على أحد، اقرأ أيها المؤمن ختمة كاملة وليكن همك أن تستخرج خطاب الله عز وجل لك، انظر إلى السور المدنية وتمتع بهذا الخطاب، تخيل أن الله الخالق العظيم يخاطبك أنت أيها الإنسان، فأنت عضو في الذين آمنوا، أنت منهم، وإذا فُقد أو عدم كل مَن على وجه الأرض من المؤمنين ولم يبق إلا أنت فاعلمْ أنك أنت المكلف بأنْ تُحقق ما جاء في هذه التوجيهات، أنت المخاطب بهذا، لا تنظرْ إلى غيرك، ولا تنتظرْ غيرك، أنت المخاطب بهذا، وأنت المكلف بهذا، اجعل نفسك كأنه لا أحد على وجه الأرض مكلفًا بإقامة هذه التوجيهات الربانية المبدوءة بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا) سواك.
وإذا جئنا إلى شيءٍ من هذه الخطابات، إذا جئنا إلى سورة من سور القرآن التي احتوت على شيء من هذه الخطابات -والسورُ تتفاوتُ في عدد الخطابات، فبعض السور قد نجدُ فيها أكثر من عشر مرات (يا أيها الذين آمنوا) وقد نجد أقل من ذلك، وقد نجد سورًا لا نرى فيها خطابًا واحدًا، فما السر في ذلك؟
هذا متروك لك أيها المسلم لتقرأ وتتدبر وتتفكر وتتنور وتتبصر بكتاب الله سبحانه وتعالى.


ولنأخذ أنموذجًا على ذلك:
في سورة الحجرات نجدُ خمسةَ خطابات من الله سبحانه وتعالى إلى الذين آمنوا، وعندما نتأمل في هذه الخطابات نجد بينها رابطًا عجيبًا هو أن هذه الخطابات كلها تتعلق بأدب اللسان، هذا اللسان الذي هو من أصغر أعضائك -أيها الإنسان- ولكنه يمكن أن يأخذ بك إلى الجنان، ويمكن أن يأخذ بك إلى دركات النيران، هذا اللسان الصغير في حجمه الكبير في خطره يقول الإمام الشافعي: رأيت على باب صنعاء هذين البيتين:

احذرْ لسانَك أيها الإنسانُ

** لا يلدغنَّك إنه ثعبانُ

كم في المقابر مِنْ قتيلِ لسانه

** كانت تهابُ لقاءَهُ الشجعانُ


إنه ثعبان... وهذا الثعبان لا شأنَ له إلا أنْ يلدغ ويقتلَ، فاحذره أيها الإنسان، احذرْ لسانك، يجبُ عليك أنْ تبقى دائمًا في حذرٍ منه، في احتراسٍ منه، في مخالفةٍ له، أنْ تشعر دائمًا بما قاله الصحابيُّ الجليلُ عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: "ما شيء أحوج إلى طول سجن من اللسان"، هذا اللسانُ أحقُّ الأشياء أنْ يُسجن أنْ يُخزن أنْ يُتهم أنْ يُحذر مِنْ أنْ يَذهب بك إلى المخالفات الخالفات، وإلى السيئات المُسيئات، وإلى الندامات القاتلات، فكم جرَّ اللسانُ على صاحبه مِنْ خسارةٍ فادحة، ومِنْ ندامةٍ ذابحة، ومِنْ همٍّ مقيمٍ، ومِنْ غمٍّ أليمٍ!


أيها الإنسان:
الكلمة ملكٌ لك، ولكنك إذا نطقتَها أصبحتَ مملوكًا لها.
هذا اللسان جنديٌّ مِن جنودك، ولكنك إذا سمحتَ له أن يتصرف كيفما شاءَ أصبحَ هو الملك عليك وأنت الجندي، فتنقلبُ الآية، وتسقط الراية، وتأتي الندامة، وتذهب الكرامة...
احذر لسانك إنه ثعبان
كلامٌ جميلٌ، ورأيٌ نبيلٌ، وتوجيهٌ سديدٌ، رشيدٌ مفيدٌ، وفي كتاب الله وفي سورة الحجرات حيث تطالعنا الآياتُ خمس مرات ينادينا ربُّنا سبحانه وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا) فماذا يريد اللهُ عز وجل منا؟
كما قلتُ لكم، كلُّ هذه النداءات... كل هذه السورة تدورُ على محور اللسان:
يقول الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) أدبٌ من آداب الإنسان:
مِن آداب اللسان أن لا يقدم بين يدي الله ورسوله، لا تقترحْ على الله، احذرْ من هذا اللسان أن يتجاوز حدَّه، وأن يجهل حقه، ويذهب ليقترح على الخالق، على الحكيم، على المدبر الحليم، يقترح عليه كيف يدبر الأشياء، وكيف يدبر الخلق!
وكذلك لا تقدموا بين يدي رسوله، المسلمُ يسمع ويطيعُ، ليس مِن حقه أن يقدم الاقتراحات لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إذا طُلبت منه المشورة فليقدمها بأدبٍ وتقديرٍ واحترامٍ، أمّا أنْ تضع نفسك في مقام المملي والآمر على الله وعلى رسوله وتسمح للسانك بأنْ يقدم هذه الاقتراحات فهذا شيءٌ لا يجوز أن يكون أو أن يقع مِن الذين آمنوا.
(يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) أدبٌ آخرُ من أدب اللسان. عندما تتحدثُ مع النبي فاعلم أنك في حضرة رسول الله، حبيب الله، نبي الله، فانظرْ كيف تتأدبُ بأدب الخطاب مع هذا الرسول الكريم (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي).
أدبٌ أخر إذ يقول الله عز وجل: (يا أيها الذين امنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) إن جاءكم فاسقٌ بنبأ، فاسق كذوب لا يتثبتُ من الأخبار، ينقل الأخبار، ويزعج الأخيار، يلقي بالأخبار صباحَ مساء، يمينًا وشمالًا، يفرق بين الناس، ينم بين الناس، وأولاك شرار عباد الله كما قال عليه الصلاة والسلام: "خيار عباد الله الذين إذا رُؤوا ذكر الله، وشرار عباد الله المشاءون بالنميمة، المفرِّقون بين الأحبة، الباغون للبرآء العنت"، ينسبون العيوب إلى الأبرياء، يتهمون الناس بما لم يقولوا وبما لم يفعلوا، فيقطعون أواصر المحبة بينهم، المفرقون بين الأحبة شرار خلق الله المشاءون بالنميمة.
إذًا هذا اللسان الذي يغتابُ، الذي يفتري، الذي يكذب، الذي لا يبالي أحدًا، ولا يراقب الله عز وجل وهو يلقي بالكلام وبالملام ذات اليمين وذات الشمال يجب أن يَكف ويُكف.
فإذن أيها المسلم احذرْ من هذا الإنسان الذي لا يضبط لسانَه، ولا يراقب جنانَه، ولا يخشى الله تعالى.
على كل مسلم أنْ يحذر من الغيبة، من النميمة، من نقل الكلام حتى لا يكون فاسقًا.
هذا اللسان هو الذي يجرُّ عليك الويلات، وهو الذين يمكن أن يجعلك موصوفًا بالفاسق، لسانك هو الذي يجعلك موصوفًا بأبشع الأوصاف، ومنها وصف الفاسق، نسأل الله العافية.


خطاب آخر من آداب اللسان:
(يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنَّ خيرًا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوقُ بعد الإيمان).
انظروا إلى هذه التوجهات الربانية كيف الله عز وجل يحذرنا... إنه اللسان إذًا الذي يسخرُ بالناس، يتكلمُ على الناس، يستصغرُ الناس، يحتقرُ الآخرين، ولا ينظر إلى عيوبه ولغوبه، ومثالبه ومعايبه، ولا ينظر إلى قصوره وتقصيره، وإلى سيئاته وعثراته، فهو مشغولٌ متكبرٌ متعالٍ يرى نفسَه فوق الآخرين، وهو في الحقيقة دونهم... إذًا هذا الإنسان يسخرُ يتكلمُ ينبزُ بالألقاب يطلقُ الألقاب على الآخرين الألقاب التي يكرهونها (ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان).
وأدبٌ آخر: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم) أنْ تظن بالآخرين سوءًا وأنْ تحكمَ عليهم من خلال هذا الظن، وكيف تحكم عليهم؟ بلسانك.
مرة أخرى هذا اللسان الذي يصنِّف الآخرين على مزاجه، وعلى هواه، فاحذروا، (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن).
ثم (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) ألم أقل لكم بأنَّ محور هذه السورة هو أدب اللسان؟ فهذا خطابٌ إلهي كذلك إلى الأعراب الذين يدَّعون الإيمان بألسنتهم فيرد اللهُ عز وجل عليه ويقول لهم: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) أنتم أعلنتم الإسلام ظاهرًا، وأمّا باطنكم فما زال غير مؤمن.
أدبُ اللسان محور سورة الحجرات حيث نقرأ خمسةَ خطاباتٍ من الله عز وجل لنا: (يا أيها الذين آمنوا).
كلُّ هذا -أيها الإخوة- يدلنا على خطورة اللسان...
الذي يُمكن أن يبني، ويُمكن أن يهدم.
الذي يُمكن أن يرتفع بك، والذي يُمكن أن ينخفض ويهوي بك.
الذي يُمكن أن يقودك إلى النجاة والسعادة، والذي يُمكن أن يقودك إلى الهلاك والنكادة.
الذي يُمكن أن يصل بك إلى نعيمٍ خالدٍ دائم، والذي يمكن أن يصل بك إلى عذابٍ بئيسٍ قاتم ...
فانتبه أيها المسلمُ إلى نفسك، اقرأ كتابَ الله، وانظرْ إلى خطاب الله لك...
اقرأ سورة الحجرات وانظر كيف يؤدبنا الله تعالى، وكيف يعلمنا الله، وكيف يُخلِّقنا، وكيف يحذرنا من هذا اللسان الذي يهدم المجتمعات، ويفرق بين الأحبة، ويفسد العلاقات، ويقتل الأوقات، ويهدر الطاقات، الذي يصلُ بنا إلى عداوات لا تنتهي، والى شحناء دائمة، والى بغضاء تحلق الدين.
اقرؤوا كل هذا، وتدبروه، واعملوا به بعد أن تفهموه حق فهمه، لنكون مؤمنين حقًّا، ثم لنكون مسلمين حقًّا.
أقول هذا القول وأستغفر الله.



خطبة جمعة ألقيتْ في جامع أبي هريرة بدبي في (15 من جمادى الآخرة سنة 1434) = (26/ 4 / 2013م).

بقلم: عبد الحكيم الأنيس

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مدرسة الصيام - أخلاقيات الصائمين
الأحد، ٢٦ رمضان ١٤٣٦ هـ - ١٢ تموز ٢٠١٥مدرسة الصيام - أخلاقيات الصائمين
هذه خطبة جمعة ألقيتها في جامع السلام بحلب في رمضان 1398، وجدت أصولها بين أوراقي ،وقد قام ...
من آداب السفر - ـ
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩من آداب السفر - ـ
من آداب السفر للشيخ ناجي الطنطاوي   إن الإسلام يصبغ المسلم بصبغته ،ويرافقه في حركا...
مولد النور لفياض عبسو - الرحمة المهداة
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩مولد النور لفياض عبسو - الرحمة المهداة
مولد النور بقلم: فياض عبسو قال الله تعالى :{هو الذى بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليه...