أنجدوا شعبكم بِداراً
الشيخ :محمد فاروق البطل
الإخوة الأحباب أعضاء الرابطة في كل مكان!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،وبعد:
ما أحراني أن أكون وإياكم من الربانيين الذين وصفهم الله سبحانه بقوله: [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ فَآَتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآَخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ] {آل عمران:148}
كلنا نتمنى كطلاب علم شرعي أن نكون كما وصف الله تعالى ، وننال شرف الربيِّين الربانيين العلماء الذين أثنى الله عليهم... ولكِن دعونا نسأل أنفسنا ـ أيها الأحباب! أين نحن حقيقة من هذا الوصف الرباني؟
أما خادمكم الذي يكتب هذه الحروف، فوالله إني لأخجل من نفسي أولاً، وأخجل مِن أداء الرابطة ثانياً.
أما خجلي من نفسي فهو أن لا أكون مع شعبي الثائر حذو القذة بالقذة،وهو يثور من أجل حريتنا وكرامتنا، من أجل مستقبل أمتنا وأجيالنا، من أجل مستقبلٍ حرٍ عزيز كريم ينعم به أبناء شعبُنا، كنتُ أتمنى أن أكون في أرض الثورة ،أرض الرباط ،أرض بلاد الشام المباركة ،جنباً إلى جنب مع أبناء شعبنا الأحرار ،وقد حاولت ذلك ـ يشهد الله ـ لكن ماذا عساي أن أعمل و/33/ سنة وحدود بلدي مقفلة في وجهي، بفعل الطاغية المجرم الأثيم حافظ حفظه الله في جهنم ،وبفعل ولده بشار، بشره الله بعذاب الخزي والهوان في الدنيا و الآخرة وبفعل قانون /49/ الذي يحكم عليَّ وعلى أمثالي بالإعدام ، وهم عشرات الألوف.
ثلاث وثلاثون سنة... أنا وزوجتي وأولادي محرومون من زيارة بلدنا الحبيب...
ومعظم إخواني وأحبابي أعضاء الرابطة هم محرومون كذلك من زيارة بلدهم وأهلهم ،محرومون كذلك أن ينالوا شرف مشاركة شعبهم البطل جهاده وبذله وتضحيته.
وأصدق الإخوة القول: أنني بينما كنت أسجل هذه المشاعر الأسيفة، طالعني موقع الرابطة بمقال لأحد الإخوة من علماء الداخل بتاريخ 10/4/1433 و3/3/1412 تحت عنوان: موقف العلماء في سورية عامة وحلب خاصة من الثورة: عاتب الإخوةَ العلماءَ في الداخل على موقفهم السلبي من الشعب في ثورته المباركة حيث وضعهم أمام ثلاثة خيارات ثم عاتب بأدب جم العلماء المهاجرين فقال كلمة حق: (... حتى العلماء الذين هاجروا ـ وأعتذر عن قسوتي في الحديث ـ ووالله ما هي إلا كلمة حق، أبتغي بها وجه الله وغيْرتي على طلاب العلم، بكافة أطيافهم وتعدد مشاربهم ،أقول: إن العلماء في الخارج ما قاموا بما يجب عليهم ،وبما يُطلب منهم ،وإن كانت نِعالهم تُشرِّف علماء الداخل الذين خنعوا أمام الباطل ،ونافقوا له ابتغاء مكاسب دنيوية ،ووظائف ومناصب ،فأنا أقدر لهم هجرتهم وغربتهم، لكنْ يطلب منهم أكثر من ذلك بكثير...([1]).
أقول للأخ الكاتب الكريم: صدقتَ فيما قلتَ: فالرابطة بانتشارها الواسع حيث اتسعت أرض الهجرة، لم تتمكن بعدُ من تعبئة كل امكانيات وطاقات السادة العلماء أعضاء الرابطة، وهي كثيرة وموفورة بحمد الله تعالى ،و لكننا نبذل الجهد ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً ،غير أنني أعترف أننا لم نرتفع بعدُ ، ولم نرتقِ إلى مستوى الثورة السورية ،ولا إلى مستوى عطاء الشعب السوري البطل ،وتضحياته الجسام ،وتصميمه الشجاع على تحقيق أهدافه ، ونيل مطالبه.
نعم... لا تزال جهودنا متواضعة ومحدودة. تبنَّت الرابطة الدعوة إلى مؤتمر العلماء السوريين لنصرة الشعب السوري ،وكان مؤتمراً حاشداً بحمد الله تعالى، حضره كثير من علماء العالم ، ثم دعت الرابطة إلى الملتقى الإسلامي بدورتَيْه نصرة للشعب السوري، وقد تم عقد هذا الملتقى بفضل الله أولاً، وببركة الثورة السورية ثانياً ،وكان خطوة تاريخية غير مسبوقة لأنه جمع معظم أطياف العمل الإسلامي السوري على هدف واحد: هو التعاون على نصرة شعبنا في سورية، ودعم ثورته المباركة، والاتفاق على ميثاق يجمعهم، ومؤسسات تضبط عملهم، هذا إلى جانب المهمة الإغاثية للرابطة، ورعاية المخيمات، وإقامة الدورات التربوية للشباب والشابات فيها ،وانتداب الإخوة العلماء لزيارة الإخوة المهاجرين وتوجيههم، وهذا كذلك إلى جانب ما تقدمه الرابطة من بحوث ودراسات وتراجم وفتاوى عبر موقعها الالكتروني
(www.islamsyria.com)وعبر مجلتها بشائر الإسلام الالكترونية(http://www.islamsyria.com/magazine.php?action=tree_menu ).
لكن يبقى السؤال موجهاً لأعضاء الرابطة: هل ما قدَّمَتْه الرابطة من جهد يعدل كِفاء ما يقدمه شعبنا السوري البطل من دماء وتضحيات ،وما يعانيه المرابطون في الثغور من خوف ورعب، ويتم أطفال، وترمل نساء ،واعتقال أحباب ،ونقص طعام ، وحرمان دواء ،وشدة برد ،وانقطاع وقود ،وتشرد أهل ،وحصار مدن ،وقهر عدو مدجج بالسلاح ،كذاب مراوغ.... يتهم الشعب كل الشعب، بالخيانة والإرهاب والتواطؤ مع إسرائيل، والتسلح بسلاحها لأنه طالب بالحرية والعدالة والكرامة وحكم القانون.
لا...والله...لا يستويان لا في ميزان الله، ولا في ميزان العلم، ولا البشر.
نعم...الشعب السوري يطالب العلماء ورابطتهم أن يكونوا في مستوى الحَدَث ،وفي مستوى المسؤولية،وفي مستوى ورثة الأنبياء والرِّبيين والربانيين الذين وصفتهم الآية الكريمة التي استهللت بها هذه الرسالة.
ولكن لئن كان بعضنا لا يستطيع دخول البلد ،فإن بعضنا الآخر يستطيع العودة إلى البلد، فليلبِّ النداء ،وليْكن إلى جانب شعبنا الحر الأبي ،مجاهداً ،و موجهاً ، ومربياً...
والبقية من أعضاء الرابطة المهاجرين يستطيعون أن يفعلوا الكثير، فالجهاد ليس نوعاً واحداً، ولا شكلاً واحداً ،فهناك الجهاد الروحي ،و هناك الجهاد العلمي ،وهناك الجهاد الدعوي ،وهناك الجهاد الإعلامي ،وهناك الجهاد السياسي ،وهناك الجهاد المالي ،وهناك الجهاد العسكري ،وكل جهد يبذل لإعلاء كلمة الله فهو جهاد ـ كما تعلمون ـ ولا أريد أن أردد الأدلة والشواهد، لأنها محفوظة لديكم ،ولكنها تحتاج إلى تطبيق ،ولعل البعض يسأل: كيف؟ كذلك أنتم أدرى بوسائل التطبيق، بدءاً من استحضار نية الجهاد ،ومروراً بالدعاء لشعبكم بالفرج والعز والنصر في أوقات الإجابة والقبول.
وتحدثاً بنعمة الله تعالى فنحن أيها الإخوة ممن كتب الله عليهم الهجرة، قد أنجزنا ربنا وعده ، وحقق فينا قوله :[وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا] {النساء:100} . فلله الحمد والشكر والمنة ، ولكن الواجب يقتضينا أن نؤدِّي حق هذه النعمة كما قال صلى الله عليه وسلم : (إذا أحدث الله لك نعمة ، فأحدث له عبادة) .
ومن نعمة الله علينا أيضاً أن العالم الذي تنكَّر لقضيتنا، وتجاهل آلامنا، وسكت عن ظالمينا طيلة ثلاثين سنة أو يزيد، تحوَّل اليوم وبفضل الله إلى مدافع عنا ، مجتهد في نصرتنا ، مردد للحقائق التي كشفنا فيها خيانة النظام وطائفيته ، وظلمه ، واستبداده ، قبل من ثلاثين سنة.
ولذلك فنحن اليوم نجد أنفسنا في فضاء رحب ، ووسط عالم ثائر متعاطف معنا ضد هذا النظام الأرعن الظالم القاتل .
نحن اليوم إذا دعونا الشعوب إلى نصرتنا قالت : لبيكم... لبيكم.
وإذا ناشدنا الشعوب أن تستنكر ظلم هذا النظام وجوره، وعدوانه قالت نحن معكم ، وأرواحنا دونكم.
وإذا طالبنا الشعوب أن تبذل المال عوناً لشعبنا السوري في محنته القاسية قالت وبكل ترحيب ؛ جيوبنا مفتوحة بين أيديكم.
وإذا أردنا أن نرفع الصوت عالياً في شرح قضيتنا والدفاع عن ثورتنا قالت لكم القنوات الفضائية والمنابر : ساحتنا الإعلامية مبسوطة أمامكم.
وإذا أردنا أن نحرك الأقلام لنعبر عن معاناة شعبنا جراء ظلم هذا النظام الطائفي وأن نعبر عن حقه في أن يعيش حراً عزيزاً كريماً قالت الصحف والمجلات : أعطونا نتاج أقلامكم وثمرات أفكاركم وشكراً لكم.
أيها الإخوة ! والله لا أقول هذا الكلام مبالغاً ، ولا عن عاطفة جياشة ، وإنما أقوله من ممارسة وخبرة ، وإنها لثورة انتزعت إعجاب العالم وأدهشته ، وهي ليست محتاجة لنا ، ولكن نحن محتاجون إليها، فلنتعبد الله سبحانه في خدمتها ، ووالله ليس لنا من عذر حتى ولو كنا خارج أرضنا، لأن الله سبحانه قد فتح لنا كل الساحات، ويبقى أن نعمل ونتحرك ، مخلصين لله القصد، ملتزمين بأسلوب الحكمة ، نبدأ من أنفسنا أولاً.
أنصح بقراءة هذه المقالة بتمامهاه ،شكر الله لكاتبها.