نماذج من السنن الإلهية
لعلنا نشير إلى بعض هذه السنن التي ذكرها الحق في كتابه ليرتكز عليها العالم المؤمن حين ينظر في تضاعيف السماوات والأرض لاستنباط السنن الكونية، منها:
1- حيادية القوانين الربانية: من السنن العامة أن الله يعطي على الجهد في الدنيا للمؤمنين والكافرين سواء على قدر ما يبذلونه من الجهد بالطريقة الصحيحة قال تعالى: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [سورة الإسراء: آية20]، وهذا يعني أن التمكين في الدنيا ليس في ذاته مقياسًا للخيرية، وإلا لكان المغول - الذين هجموا على الشرق وأزالوا دولًا ودكُّوا حضارات - خير الناس، وإن كنا مأمورين بأن نبلغ التمكن فيها أيضًا، كما أن التمكين في الأرض والاستمرار في التمكين من لوازم الإيمان، {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [سورة الأنبياء: آية105]، وهذا يعني أيضًا أن الاستمرار في التمكن لا يمكن أن يحصل مع الكفر؛ لأنه لا يملك أدوات الاستمرارية، بل فيه بذرة الفناء والدمار.
2- سنن الله في الاختلاف: من القوانين والسنن سنن الاختلاف، ومن حاول أن يجعل الناس أمة واحدة فمرده إلى الفشل، قال سبحانه وتعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [سورة هود: آية118]، فالله عز وجل يبين لرسوله صلى الله عليه وسلم ولو شاء ربك يا محمد لجعل الناس كلها جماعة واحدة على ملة واحدة ودين واحد، قال قتادة: لجعلهم مسلمين كلهم، وقوله: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} أي ولا يزال الناس مختلفين، {إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} [سورة هود: آية١١٩]، قال بعض أهل التأويل: هو الاختلاف في الأديان، فتأويل ذلك على رأي هؤلاء: ولا يزال الناس مختلفين على أديان شتّى من بين يهودي، ونصراني، ومجوسي، ونحو ذلك (1).
ومع ذلك نحن مأمورون بالدعوة قطعًا للعذر وإبراءً للذمة، {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [سورة الأعراف: آية164].
3- سنن الله في التداول: من السنن الربانية سنة التدافع، قال الله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [سورة البقرة: آية٢٥١]، وقال: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [سورة الحج: آية٤٠].
ومن هنا فإن العلو في الأرض لا ينحصر في شعب دون شعب، ولا في قوم دون قوم، {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [سورة آل عمران: آية١٤٠]، إن المداولة توحي بالحركة الدائمة وبالتجدد وبالأمل، وتقرر أن الأيام ليست ملكًا لأحد، ومن ثم لا داعي لليأس والهزيمة، فمن هم في القمة ستنـزل بهم حركة الأيام إلى الحضيض، ومن هم في القاع الآن ستصعد بهم الحركة نفسها إلى القمة، إن المداولة القرآنية تحمل كافة جوانب إيجابيتها التاريخية: حركة العالم المستمرة، وتمخّض الصراع الفعال، وديمومة الأمل البشري الذي يرفض الحزن والهوان (2)، ولقد آمن كثير من المؤرخين وفلاسفة الحضارة بظاهرة التعاقب الحضاري، حتى غدت عندهم حقيقة ثابتة لا مراء فيها، والحق أنها قاعدة يجب أن تكون متفقًا عليها، وهي سنة الله في خلقه، وهذا أمر ثابت منذ كان للحضارة وجود، وإلا لكانت الإنسانية عرفت حضارة واحدة، فظلت قائمة منذ الأزل إلى ما شاء الله، ثم عاشت الإنسانية في ظلام. فتعاقب الحضارات والأمم والتبدل بين القوة والضعف على مسرح التاريخ؛ شاهد على سنة الله في خلقه، وقد غدت فكرة دورات التاريخ وتداول الحضارة من أهم الأفكار والنظريات التي حظيت باهتمام فلاسفة الفكر الحضاري لدى الغرب ابتداءً من فلاسفة اليونان، ومرورًا بالفكر الكنسي وانتهاء بالعصر الحديث في أوربا، وإن اختلفت في تفسير أسباب سقوط الحضارات (3).
4- شروط الاستخلاف في الأرض: إن السنن الخاصة بقيام الأمم وزوالها من أهم ما نقرؤه في القرآن الكريم في هذا الباب، وهي من أهم ما يحتاجه المجتمع المسلم اليوم، نظرا للأفكار والتصورات الخاطئة التي امتلأت بها عقول البعض.
من هذه السنن أن الاستخلاف في الأرض يكون بالإيمان والعمل الصالح، قال سبحانه وتعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [سورة النور: آية 55]، والاستخلاف في الأرض غير مقصور على عهد الصحابة والخلفاء الراشدين، وإنما هو ثابت من الله تعالى، وسنة مطردة (4).
وإنَّ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بداية لسقوط حضاري، {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [سورة المائدة: آية 78 - 79] لأنه حينئذٍ سيستشري الفساد في الأرض، ثم سرعان ما يزول الاستخلاف، قال سبحانه وتعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [سورة الأنفال: آية٥٣]، لقد هلكت أمم وزالت دول بسبب انغماسهم في الترف والشهوات (5)، {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [سورة الإسراء: آية16].
5- الكفر والمعاصي والذنوب سبب لهلاك الأمم: إذن فانتهاء الحضارات ما هي إلا نتيجة حتمية للكفر والذنوب، والفسق، والظلم، والمعاصي، هذه سنة الله في خلقه، {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [سورة النحل: آية112 و113]، وقال: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [سورة العنكبوت: آية40]، وقال: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [سورة الأنفال: آية 52].
وإن نهاية الظلم وشيكة، وعاقبته وخيمة، فهو منذر بزوال العمران، وكما يقال: فدولة الظلم ساعة، ودولة العدل إلى قيام الساعة، {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} [سورة إبراهيم: آية13]، وعاقبة المكذبين وخيمة {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [سورة الأنعام: آية11]، والشرك عاقبته دمار وهلاك، {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ} [سورة الروم: آية42]، والعاقبة للمتقين {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [سورة النور: آية٥٥].
إن الباطل لا يدوم؛ لأنه ليس له في الواقع ما يؤيده ويؤازره، فإذا جاء الحق فلا يلبث أن يدفع الباطل، وتكون العاقبة للحق، {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقً} [سورة الإسراء: آية81]، ومن المعروف أن الباطل لا يملك أدوات الاستمرار والتمكين في الأرض؛ باعتباره لا يملك الميزان والضابط الذي ينجيه من الانحراف والغرور والمعاصي، وكلها مهلكات، {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [سورة الرعد: آية١٧]، "فالأخطاء المتراكمة هي السبب الحقيقي الذي يدمر الحضارة ويوقف دورانها، ويأذن لغيرها بالقيادة، حتى تموت الأمم وتسقط الحضارات من داخلها قبل أن يسقطها أعداؤها.. وقدرة الأعداء في التغلب إنما تكون فاعلة عندما تجد الاستعداد والضعف الذي يمكِّن لها، والأخطاء الذاتية المتراكمة التي تحصرها قبل أعدائها، {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [سورة البقرة: آية81]، ومن سنن الله أن جعل الظلم الاجتماعي سببًا في دمار الاقتصاد، {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ} [سورة القلم: آية 17-20]" (6).
6 - سنن الله في الترف والمترفين: من رحمته سبحانه وتعالى بالناس أنه لم يرد بسط الرزق لهم جميعًا؛ لأنه يفضي إلى المفسدة (7) {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [سورة الشورى: آية27]، ولقد هلكت أمم وزالت دول بسبب انغماسها في الترف والشهوات {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [سورة الإسراء: آية16].
المصدر : العدد الرابع من مجلة مقاربات التي يصدرها المجلس الإسلامي السوري
الحلقة الأولى هنا
=======-
(1) تفسير الطبري: 7 / 137
(2) التفسير الإسلامي للتاريخ" عماد الدين خليل: ص 259
(3) راجع "سنن القرآن قيام الحضارات وسقوطها" محمد هيشور: ص133-136
(4) راجع (التفسير الكبير) الفخر الرازي، 8/ 413، و(السنن الإلهية) عبد الكريم زيدان: ص 180
(5) راجع (حول التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية) محمد قطب: ص 92-102
(6) حتى يتحقق الشهود الحضاري) عمر عبيد حسينة: ص 48
(7) - (التفسير الكبير) الرازي:9/ 598
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


