بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
يكثر الحديث في هذه الأيام عن جواز الأضحية بغير بهيمة الأنعام التي ذكرها القرآن والسنَّة، وهي: الإبل، والبقر، والغنم، والمعز. وذهب من ذهب إلى ذلك عملًا برأي ابن حزم الأندلسي رحمه الله تعالى الذي قال: «والأضحية جائزة بكل حيوان يؤكل لحمه من ذي أربع أو طائر؛ كالفرس والإبل وبقر الوحش والديك وسائر الطير والحيوان الحلال أكله، والأفضل في كل ذلك ما طاب لحمه وكثُر، وغلا ثمنُه»، وهو أول من قال بهذا الرأي، وعزاه إلى ابن عبَّاس وبلال رضي الله عنهم، وفيه نظر.
ولم يُعرف هذا القول عن أحدٍ قبل ابن حزم (ت: 456هـ)، ولا عمن جاء بعده – فيما أعلم – سوى ابن المُبَرِّد (ت: 909هـ)، وذلك في رسالته الموسومة بـ(الرد على من شدد وعسّر في جواز الأضحية بما تيسر). وقد نُشرت ضمن مجلة (الحكمة)، العدد (24)، وهي النسخة التي وقفتُ عليها، بتحقيق إسماعيل بن غازي مرحبا، وقد ذيَّلها بتعليقات نافعة ومهمة. كما صدرت لها طبعة أخرى عن دار المقتبس، بتحقيق إياد بن عبد اللطيف بن إبراهيم القيسي، غير أني لم أقف عليها.
وقد جاء في الأبواب والتراجم لصحيح البخاري للكاندهلوي: «وفي التوشيح من فروع الشافعية: عن ابن عبَّاس أنه يكفي إراقة الدم ولو من دجاج أو إوزّ، وكان الشيخ محمد الفضالي يأمر الفقيرَ بتقليده، ويُقاس على الأضحية العقيقة، فيجوز لمن لم يقدر على ثمن الشاة أن يَعُقّ ولدَه بالدِّيَكة على مذهب ابن عباس»(1).
وممن أفتى بهذا القول في العصر الحديث: عميد كلية الفقه بجامعة مرمرة في إسطنبول، الدكتور زكريا بياز، إلا أني لم أقف على نص كلامه مباشرة، وإنما قرأتُ نقلًا لخّص رأيه، ثم أفتى به كذلك الدكتور سعد الهلالي.
والعمدة التي اعتمد عليها هؤلاء جميعًا هي كلام الإمام ابن حزم رحمه الله، فيما قرره في المحلى (6/29-30)(2). وأما من جاء بعده، فكلامه لا يخرج عن كونه شرحًا لمذهبه، أو تأييدًا له، أو نقلًا لقوله وتجويزًا للعمل به.
أدلة القائلين بجواز الأضحية بغير الأنعام ومناقشتها
واستدل ابن حزم لرأيه هذا بعدة أدلَّة منها:
الدليل الأول:
ما رواه الشيخان، عن أبي هريرة مرفوعًا: «من اغتسل يوم الجمعة غُسل الجنابة ثم راح، فكأنما قرَّب بَدَنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرَّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرَّب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرَّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرَّب بيضة...».
وما رواه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل المُهَجِّر إلى الجمعة كمثل من يُهدِي بَدَنَة، ثم كمن يُهْدِي بقرة، ثم كمن يُهْدِي بيضة».
قال ابن حزم رحمه الله معقبًا بعد أن أورد الخبرين: «ففي هذين الخبرين هَدْي دجاجة وعصفور، وتقريبهما، وتقريب بيضة؛ والأضحية تقريبٌ بلا شك، وفيهما أيضًا: فضل الأكبر، فالأكبر جسمًا فيه منفعة للمساكين، ولا مُعْتَرض على هذين النصين أصلًا».
أقول: ومن العجيب أن ابن حزم خرج هنا عن ظاهريته وحرفيَّته؛ فترك ظاهر الآية، وهديَ النبي ﷺ، وعملَ الصحابة من بعده، إلا ما نُقل عن ابن عباس وبلال – وسيأتي بيان توجيهه كما نص عليه الأئمة – ثم عدل إلى القياس، فقاس الأضحية على التبكير إلى الجمعة. وهذا في حدِّ ذاته يدل على عدم وجود نصٍّ شرعيٍّ صريح يجيز التضحية بغير بهيمة الأنعام، ولو ساغ المُضِيُّ على هذا النسق، للزم - كما في الحديث - تصحيح الأضحية بالبيضة؛ لقوله ﷺ: «ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرَّب بيضة»، فالحديث واحد، وتقريره فيه «إعمال بعض الحديث وإهمال بعضه»(3).
ثم إنما هذا مَثَلٌ ضربه النبي ﷺ للحث على المبادرة إلى الجمعة والتنافس في الطاعة، ولا تعلُّق له بفقه الأضحية وأحكامها.
وقد علّق التهانوي رحمه الله على كلام ابن حزم بقوله: «فكان عليك أن تردَّ قول ابن عبَّاس بقول النبي ﷺ في حديث المُهجِّر، وتقول: إن اسم الهدي يقع على الدجاجة والعصفور والبيضة أيضًا، وإلا فأنت متناقض متلاعب... والحق أن الإهداء فيه مفسَّر بالتصدُّق دون إراقة الدم؛ بدليل ذكر البَيْضة فيه... والتقريب: التصدُّق بالمال تقرُّبًا إلى الله عز وجل، وأما قولك: إن الأضحية تقريب بلا شك، فنعم، لكنها مقيَّدة بإراقة الدم كالهَدْي»(4).
الدليل الثاني:
ما أورده من طريق وكيع، حدثنا أبو مَعْشَر المَدِيني، عن عبد الله بن عُمَيْر مولى ابن عبَّاس، عن ابن عبَّاس: أنه أعطى مولى له درهمين وقال: اشتر بهما لحمًا، ومن لقيك فقل: هذه أضحية ابن عبَّاس.
ولم أقف له على إسناد غير هذا، وهو ضعيف لضعف أبي معشر، وعلى فرض صحته فقد قال الإمام الشافعي في (الأم) معلقا على هذه الرواية عن ابن عباس: «وقد بلغنا أنَّ أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا لا يضحيان كراهية أن يقتدى بهما، [فـ]يظن من رآهما أنها واجبة.
وعن ابن عباس أنه جلس مع أصحابه ثم أرسل بدرهمين فقال: اشتروا بهما لحمًا. ثم قال: هذه أضحية ابن عبَّاس.
وقد كان قلَّما يمر به يوم إلا نحر فيه أو ذبح بمكة، وإنما أراد بذلك مثل الذي رُوي عن أبي بكر وعمر، ولا يعدو القول في الضحايا هذا، [أو] أن تكون واجبة، فهي على كل أحد صغير أو كبير، لا تجزي غير شاة عن كل أحد. فأمَّا ما سوى هذا من القول فلا يجوز»(5).
وقال ابن عبد البر في الاستذكار: «ومعلوم أنَّ ابن عباس إنما قصد بقوله أنَّ الضحية ليست بواجبة، وأن اللحم الذي ابتاعه بدرهمين أغناه عن الأضحى، إعلامًا منه بأن الضحية غير واجبة ولا لازمة، وكذلك معنى الخبر عن بلال لو صحَّ، وبالله التوفيق»(6).
قلت: وقد أورد العلماء أثر ابن عباس وبلال في سياق بحثهم مسألة وجوب الأضحية أو سُنيتها، لا في معرض الاستدلال على جواز الأضحية بغير بهيمة الأنعام.
الدليل الثالث:
والدليل الثالث ما أورده من طريق سعيد بن منصور، حدثنا أبو الأحوص، أخبرنا عمران بن مسلم - هو الجعفي - عن سُوَيد بن غَفَلة قال: قال لي بلال: ما كنتُ أبالي لو ضحَّيتُ بدِيكٍ، ولأنْ آخذَ ثمنَ الأضحية فأتصدقَ به على مسكينٍ مُقترٍ؛ فهو أحب إلى من أن أضحِّي.
وهذا الإسناد صحيح، وهو أصح ما ورد في ذلك - وإن كان عمران بن مسلم، مختلفا فيه أهو الجعفي أم ابن رياح؟ وعلى كل حال كلاهما ثقة - وقول بلال إنما هو اجتهاده، وليس اجتهاد الصحابي حُجة، ولو كان من كبار الصحابة، هذا إن سلمنا بأن قصد سيدنا بلال هو التضحية بالديك على ظاهر اللفظ.
لكن لهذا الأثر توجيه ذكره ابن عبد البر في (التمهيد)، حيث قال بعد أن ساق آثارًا عن بعض الصحابة في ترك الأضحية أحيانًا: «وهذا أيضًا محمله عند أهل العلم لئلا يعتقد فيها للمواظبة عليها أَنَّها واجبة فرضًا، وكانوا أئمَّة يقتدي بهم مَن بعدهم ممن ينظر في دِينِه إليهم؛ لأَنَّهُم الواسطة بين النَّبِيّ ﷺ وبين أُمَّته، فساغ لهم من الاجتهاد في ذلك ما لا يسوغ اليوم لغيرهم، والأصل في هذا الباب أن الضحيَّة سُنَّة مؤكدة؛ لأن رَسُول الله ﷺ فعلها وواظب عليها، أو ندب أمته إليها، وحسْبُك أن من فقهاء المسلمين من يراها فرضًا لأمر رَسُول الله ﷺ المضحي قبل وقتها بإعادتها، وقد بينَّا ما في ذلك، والحمد لله»(7). ونقله القرطبي في تفسيره وأقرَّه(8).
قلت: ووجه الدلالة المُستنبَط من أثري ابن عباس وبلال رضي الله عنهم لا يرتبط ببيان جنس الأضحية، لكنه يرتبط ببيان حكمها الفقهي أهو الوجوب أم عدم الوجوب؟ ومسلك كل من بلال وابن عباس يُعد من محاسن فقه المُفتين والعلماء؛ إذ يتعمَّدون أحيانًا مخالفة ما اعتاده عامَّة الناس، ليفهم الخلقُ أن هذه الشعائر والسنن ليست فرائض واجبة يأثم تاركها، لكنها من باب التطوع والندب.
الدليل الرابع:
وقد زاد ابن المُبرِّد في رسالته دليلًا آخر استند إليه لم يذكره ابن حزم، فقد استدل بما رواه مالك في الموطأ (2/501): عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أنه قال: سمعت أبي [يقول]: تستحبُّ العقيقة ولو بعصفور.
وقد حمل شُرَّاح الموطأ ذلك على المبالغة، وهي ضرب من ضروب المجاز، لا على الحقيقة.
قال ابن عبد البر: «وأما قوله: ولو بعصفور. فإنه كلام خرج على التقليل والمبالغة ... وقد أجمع العلماء أنه لا يجوز في العقيقة إلا ما يجوز في الضحايا من الأزواج الثمانية إلا من شذ ممن لا يعد [خلافه] خلافًا»(9).
ونقل الباجي في (المنتقى) عن ابن حبيب: ليس يريد أن يجزي العصفور، وإنما أراد بذلك تحقيق استحباب العقيقة، وألا تترك، وإن لم تعظم فيها النفقة(10).
إنكار ابن حزم وابن المُبَرِّد للإجماع:
وقد أنكر كلٌّ من ابن حزم وابن المبرد وجود إجماع في أنَّ الأضاحيَّ لا تكون إلا من بهيمة الأنعام.
قال ابن حزم: «واختلفوا في التضحية بما يحل أكله من طائرٍ أو غيره»(11)، وفي السياق ذاته، أكد ابن المبرد في رسالته صـ 165، بعد أن ذكر رأى العلماء فيما يجزئ في الأضحية: «وذهب جماعة من العلماء إلى أن الأضحية يجزئ فيها كل ما يحل أكلُه من طائرٍ وذي أربعٍ مباح. وهذا الذي أختاره وأقول به، وليس هذا بمخالف للإجماع، فإني لم أر أحدًا ذكر هذه المسألة بالإجماع، ولا ذكر فيها الإجماع، ولا ذكر فيها إجماعًا، بل أكثر ما ذكر فيه أنه محلُّ وِفاق، كما ذكره صاحب الفروع».
أدلة وجوب الأضحية من الأنعام:
أولًا: الأدلة من القرآن والسنة:
دلَّ الكتاب والسُّنة على أن الأضحية لا تكون إلا من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم:
من القرآن:
قال الله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: 27-28].
فالآية نصٌّ في أن الذبح المشروع في هذه الشعيرة، وهو الهدي، إنما يكون من بهيمة الأنعام.
من السُّنَّة:
وجاءت السنة مؤكدة لذلك.
1- فعن أنس بن مالك، قال: قال النبي ﷺ يوم النحر: «من كان ذَبَحَ قبل الصلاة فليُعِدْ». فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن هذا يوم يشتهى فيه اللحم - وذكر جيرانه - وعندي جَذَعَةٌ خيرٌ من شاتي لحم؟ فرخَّص له في ذلك، فلا أدري بلغت الرخصة من سواه أم لا، ثم انكفأ النبي ﷺ إلى كبشين فذبحهما، وقام الناس إلى غُنَيْمَة فتوزَّعوها. أو قال: فتجزعوها [أي اقتسموها]. متفق عليه رواه البخاري (5549)، ومسلم (1962).
وفيه ذكر الشاة والجذعة من الضأن، مما يدل على أن المتبادر في الأضحية عندهم إنما هو بهيمة الأنعام.
2- وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما، قال: خَطَبَنا النبي ﷺ يوم الأضحى بعد الصلاة، فقال: «من صلَّى صلاتنا، ونسك نسكَنا، فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة، فإنه قبل الصلاة ولا نسك له»، فقال أبو بردة بن نِيَارٍ خالُ البَرَاء: يا رسول الله، فإني نسكتُ شاتِي قبل الصلاة، وعرفتُ أن اليوم يومُ أكلٍ وشُرْب، وأحببتُ أن تكون شاتي أول ما يذبح في بيتي، فذبحتُ شاتي وتغديتُ قبل أن آتي الصلاة، قال: «شاتُك شاةَ لحم». قال: يا رسول الله، فإن عندنا عَناقًا لنا جذعةً هي أحبُّ إلي من شاتين، أفتجزي عني؟ قال: «نعم ولن تجزي عن أحدٍ بعدك». متفق عليه. رواه البخاري (955)، ومسلم (1961).
وفيه دلالة على أن الأضحية مُحدَّدة الجنس والسِّنِّ، وأن الإجزاء متعلق بما ورد به الشرع من بهيمة الأنعام.
3- وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تذبحوا إلا مُسِنَّة، إلا أن يعسر عليكم، فتذبحوا جذعةً من الضأن». رواه مسلم (1963).
فالنبي ﷺ بيَّن جنس الأضحية وسِنَّها، ولو جاز فيها غير بهيمة الأنعام لبيَّنه؛ إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
4- عن عمارة بن عبد الله قال: سمعتُ عطاء بن يسار يقول: سألت أبا أيوب الأنصاري: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله ﷺ؟ فقال: «كان الرجل يُضحِّي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويُطعمون، حتى تباهى الناس، فصارت كما ترى». رواه الترمذي (1505) وقال: حسن صحيح.
يدل الحديث على أن الهدي العملي في عهد النبي ﷺ وأصحابه كان التضحية ببهيمة الأنعام، مع كثرة وقوع الأضاحي. كما أن سؤال عطاء بن يسار لأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه عن صفة الضحايا في عهد النبي ﷺ، ثم اقتصار أبي أيوب في الجواب على الشاة، يدل على أن المعهود المعروف عندهم في الأضحية إنما هو بهيمة الأنعام، وهو موافق لظاهر القرآن والسُّنَّة وإجماع أهل العلم.
5- وعن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: «ما عمل آدميٌّ من عملٍ يوم النحر أحبُّ إلى الله من إهراق الدم، إنه ليأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإنَّ الدم ليقعُ من الله بمكانٍ قبل أن يقع من الأرض، فطِيبُوا بها نفسًا». رواه الترمذي (1493) وحسَّنه.
يدل الحديث على أن الأضحية عبادة مقصودها إراقة الدم على الوجه المشروع، وأن ذلك لا يكون إلا ببهيمة الأنعام التي جاءت بها النصوص، فكان في الحديث تأكيدٌ على أن الأضحية لا تكون إلا منها دون غيرها.
6- وعن البراء بن عازب، رفعه قال: «لا يضحَّى بالعرجاء البَيِّنُ ضلَعُها، ولا بالعوراء البيِّن عَوَرُها، ولا بالمريضة البيِّنُ مرضها، ولا بالعَجْفاء التي لا تُنْقِي». رواه الترمذي (1497) وغيره وقال: حسن صحيح.
يدل هذا الحديث على أن الأضحيَّة عبادة لها أحكامها الخاصة وأوصافها المحددة. ومن هنا جاء بيان النبي ﷺ دقيقًا في تحديد العيوب التي تمنع قبول الأضحية، وكلها عيوب تختص ببهيمة الأنعام.
وهذا يؤكد أن الأضحية مقصورة عليها؛ فلو جازت التضحية بغير الإبل والبقر والغنم من الضأن والمِعْزَى لبينه النبي ﷺ للأمة، لشدة حاجتهم إلى ذلك البيان.
ومن العجيب أن ابن المُبَرِّد يرد على مثل هذه الأحاديث، بقوله: «أما كون الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، فلأن النبي لا يفعل إلا الأفضل، والتضحية ببهيمة الأنعام أفضل، فالنبي صلي الله عليه وسلم كان يحافظ على أفضل الأعمال».
نعم رسول الله لا يفعل إلا الأفضل، لكن مهمة الرسول صلي الله عليه وسلم هي البلاغ والبيان، والأضحية من العبادات، بل هي من أعظم العبادات، وقد بيَّن لنا النبي صلي الله عليه وسلم ما يخصها وما يجزئ فيها، وبين لنا سنها والعيوب التي تمنع الإجزاء، ووقتها... فكيف يترك بيان جوازها من غير بهيمة الأنعام مع وجود نص صريح هو الآية السالفة الذكر ولو بالقول أو الإشارة.
وقال ابن المبرد: «وأما قولهم، لم يفعل ذلك الصحابة، فليس بمُسَلَّم، فإن بعض الصحابة فعل ذلك». يريد بذلك ابن عبَّاس وبلالًا، وقد بينا توجيه الأئمة كالشافعي وابن عبد البر لما روي عنهما.
ثانيًا: الإجماع:
تضافرت نقول النظَّار والفقهاء من مختلف المذاهب المتبوعة على حكاية الإجماع على حصر الأضحية في بهيمة الأنعام (الإبل والبقر والغنم) وتأكيده، وذلك قبل عصر ابن المُبَرِّد (ت: 909هـ)، ومن أبرز هذه النقول:
قال الإمام ابن عبد البر (ت 463) في الاستذكار (5/321): «وقد أجمع العلماء أنه لا يجوز في العقيقة إلا ما يجوز في الضحايا من الأزواج الثمانية، إلا من شذَّ ممن لا يعد [خلافه] خلافًا».
وقال أبو حامد الغزالي (ت 505) في أثناء حديثه عن أركان الضحايا «أما الجنس، فلا يجزئ إلا النَّعَم، وهو الإبل والبقر والغنم»(12).
وقال ابن رشد (ت: 595): «وكلهم مجمعون على أنه لا تجوز الضحيَّة بغير بهيمة الأنعام، إلا ما حكي عن الحسن بن صالح أنه قال: تجوز التضحية ببقرة الوحش عن سبعة، والظبي عن واحد»(13). ونقل ابن رشد هذا يبين مقصود أبي عمر ابن عبد البر بقوله: إلا من شذَّ.
وذكر ابن قدامة في المغني (ت: 620): «ولا يجزئ في الأضحية غير بهيمة الأنعام، وإن كان أحد أبويه وحشيًّا، لم يجزئ أيضًا. وحُكِيَ عن الحسن بن صالح أن بقرة الوحش تجزئ عن سبعة، والظبي عن واحد»(14).
وقال الإمام النووي (ت: 676): «ولا يجزئ في الأضحية إلا الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، لقول الله تعالى: {لِيَذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ}»(15). وقال في موضع آخر (8/394): «نقل جماعة إجماع العلماء عن التضحية: لا تصح إلا بالإبل أو البقر أو الغنم، فلا يجزئ شيء من الحيوان غير ذلك».
فهؤلاء العلماء جميعًا، ماتوا قبل ابن المبرد (ت 909)، وقد حَكَوُا الإجماع على ذلك!
ومما سبق يتضح أن مذهب ابن حزم ومن تبعه في غاية الضعف، بل هو رأيٌ شاذ، لا يَسنُده نظر ولا أثر.
ولعلّ سؤالًا يُثار هنا:
إذا كان المذهب الحنفي يقول بوجوب الأضحية، أفلا يكون الأخذ بهذا الرأي نوعًا من التخفيف عن الناس؟
فالجواب: لو كان المقصود هو التخفيف عن الناس حقيقةً لكان الأولى تقليد من يرى أن الأضحية سُنَّة مؤكدة غير واجبة، وهو قول معتبر، بل قول جمهور أهل العلم، بدل التعويل على رأيٍ شاذٍّ يخالف ما استقرَّ عليه الفقهاء في شروط الأضحية وأنواعها وجنسها.
الخلاصة:
الأضحية المعتبرة شرعًا التي يتحقق بها معنى النسك والتقرب إلى الله تعالى، إنما تكون من بهيمة الأنعام؛ لأنها الثابتة بالقرآن وبنصوص السُّنَّة قولًا وفعلًا وتقريرًا، وبإجماع علماء المسلمين القولي إلا من شذ، وإجماع عامتهم العملي الذي جرى عليه العمل عبر العصور. أما ما ورد عن بعض السلف من إطلاق اسم الأضحية على غير بهيمة الأنعام، من شراء اللحم أو التضحية بغير بهيمة الأنعام، فذلك محمول على المجاز والتوسع في العبارة، لا على إرادة الأضحية الشرعية المعهودة.
يقول شيخنا القرضاوي رحمه الله: «والذي أراه أن الأضحية المعتبرة شرعًا ما كان من بهيمة الأنعام؛ لأنها هي الثابتة بقول النبي ﷺ وتقريره، وما عدا ذلك مما أطلق عليه لفظ أضحية، فهي أضحية مجازًا، فقد روى أن ابن عباس رضي الله عنهما اشترى لحمًا بدرهمين، وقال: هذه أضحية ابن عبَّاس. وقال بلال رضي الله عنه: ما كنتُ أبالي لو ضحيتُ بديك. فهذا ما قَدِرا عليه وكان في وسعهما، فهي أضحية مجازًا»(16).
وعليه؛ فمن لم يجد سعة لشراء شاة، فله أن يشتري من اللحم أو الطيور أو غير ذلك ما يقدر عليه، فيطعم أهله، ويوسِّع عليهم في يوم العيد، وله أن يُسمِّي ذلك أضحية على سبيل المجاز وتطييب الخاطر، لكن ذلك كله لا يُجزئ عن الأضحية الشرعية التي يُتقرب إلى الله تعالى بإراقة دمها نسكًا وعبادة، ولا عن العقيقة، ولا في الهدي.
هوامش:
(1) الأبواب والتراجم لصحيح البخاري (6/74)، تحقيق: د. ولي الدين بن تقي الدين الندوي، نشر: دار البشائر الإسلامية للطباعة، بيروت.
(2) نشر: دار الفكر بيروت، مسألة (977).
(3) إعلاء السنن (17/ 207) تحقيق: محمد تقي العثماني، إدارة القرآن والعلوم الإسلامية-كراتشي، 1418 هـ
(4) إعلاء السنن (17/ 207).
(5) الأم للشافعي (2/246)، دار الفكر – بيروت، ط، 1403 هـ - 1983 م. وقد صوبنا بعض التصحيفات من معرفة السنن والآثار للبيهقي (14/15)، دار الوفاء (المنصورة - القاهرة).
(6) الاستذكار لابن عبد البر (5/230)، تحقيق: سالم محمد عطا، محمد علي معوض، نشر: دار الكتب العلمية – بيروت، ط، 1421هـ – 2000م.
(7) التمهيد لابن عبد البر (23/194- 195)، تحقيق مصطفى بن أحمد العلوي ومحمد عبد الكبير البكري، نشر وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، 1387 هـ.
(8) الجامع لأحكام القرآن (15/108)، تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، نشر دار الكتب المصرية، ط 2، 1384 هـ - 1964 م.
(9) الاستذكار (5/321).
(10) المنتقى شرح الموطأ لأبي وليد الباجي (3/102)، نشر: مطبعة السعادة – مصر، ط، 1332 هـ.
(11) مراتب الإجماع صـ 154، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.
(12) الوسيط للغزالي (7/132)، تحقيق أحمد محمود إبراهيم ومحمد محمد تامر، نشر دار السلام القاهرة، ط 1، 1417هـ
(13) بداية المجتهد (2/193)، نشر دار الحديث، القاهرة، 1425 هـ - 2004 م.
(14) المغني لابن قدامة (9/440)، نشر مكتبة القاهرة، 1388 هـ - 1968 م.
(15) المجموع (8/392)، نشر دار الفكر.
(16) فقه الحج (15/527)، ضمن موسوعة الأعمال الكاملة، نشر الدار الشامية بيروت، ط 1، 1444 ه، 2022 م.
بقلم: إسماعيل إبراهيم فيوض
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


