سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((25))  سورة البقرة

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((25)) سورة البقرة

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٦ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ - ٢٢ أيار ٢٠٢٦
113

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((25))

سورة البقرة - الدرس (23)
النفاق والمنافقون صفات وأحوال (1)


لقد أوضحنا في الدرس السابق سنة الله تعالى الجارية في شأن المؤمنين، ثم في شأن الكافرين بدايات سورة البقرة، وفي هذا الدرس نبين سنة الله تعالى في شأن المنافقين.


إذ إن سنته فيهم تجري كما تجري على الكافرين، ونضرب لذلك مثلاً في سورة الأحزاب قبل أن نعود إلى سورة البقرة، قال سبحانه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62)﴾ [الأحزاب].


حيث وجَّهَ الله رسوله صلى الله عليه وسلم إلى شدَّةِ الحذرِ من أهل النفاق الذين هم أقبح أثراً وخطراً من الكافرين أنفسهم، قال شيخ الحرم سنان الدين الأماسي: "إن النفاق نوع من الكفر وهو أغلظه؛ لأن من كان ظاهره مسلماً وباطنه كافراً أقبح حالاً ممَّن تَمَحَّضَ في الكفر ظاهراً وباطناً، ولهذا ذمَّ اللهُ تعالى المنافقين في سورة البقرة أكثر ممَّا ذم سائر الكفار"(1).


وقال مجاهد: أربع آيات من أول البقرة نزلت في المؤمنين وآيتان في الكفار وثلاث عشرة آية في المنافقين(2).


ولذلك أنذر الله المنافقين كي يخرجوا من المدينة، وإن لم يفعلوا فَلَيُسَلِّطَنَّ رسوله عليهم، ويُمَكِّنَهُ منهم، حتى يستأصل هؤلاء الملعونين، ويُحَكِّمَ سنَّته فيهم كما جرى قدره في الذين خلوا من قبل، إما يهود بني قريظة أو المشركين؛ لأن أهل الشر العازمين عليه لا بد من قتلهم أو نفيهم ليُحْسَم خطرهم، وتلك سنة الله المُطَّردة الثابتة فيهم وفي أمثالهم.


_ هذا ولتنوير القارئ بأثر وخطر فرق المنافقين، فإننا سنذكر أسماء السور التي شنَّعت عليهم وذمَّتهم وقبَّحتهم.


منها سورة البقرة: من آية 8-20، ومن 75-82، ومن 142-145، ومن 204-207.


وفي سورة آل عمران: من آية 9-11، ومن 69-74، ومن 118-120، ومن 152-158، ومن 165-168 ومن 176-179.


وفي سورة النساء: من آية 59-84، ومن 88-91، ومن 105-116، ومن 136-147.


وحسبنا قوله تعالى في آية: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: 145].


وفي سورة المائدة: آية 41، ومن 51-53، ومن 57-63.


وفي سورة التوبة التي وصفت بأنها الفاضحة قال القرطبي: قال سعيد بن جبير: "سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن سورة براءة؟ فقال: تلك الفاضحة، ما زال ينزل: ومنهم ومنهم ... حتى خفنا أن لا تدع أحداً". فقد فضحهم الله في الآيات: 41-129.


وفي سورة الأنفال: التي علَّقت على غزوة بدر، من آية: 49-55، وفي سورة النور: التي علقت على حادثة الإفك من آية: 11، و33، ومن 47-54، ومن 62-64. وفي سورة الأحزاب: التي وصفت بالفاضحة لهم أيضاً من آية: 9-27 ومن 36-40، والآية 48، ومن 60-62، وفي سورة محمد من آية: 16-32، وفي سورة الفتح من آية: 1-17، وفي سورة الحديد من آية: 12-15، وفي سورة المجادلة من آية: 5-10، ومن 14-22، وفي سورة الحشر من آية 11-17.


_ وسورة (المنافقون) فهي سورة خاصة بالنفاق والمنافقين، وتعرض السورة لظاهرة النفاق بين ضعاف النفوس في المدينة بعد الهجرة النبوية، غير أن العبر منها تنطبق على كل زمان ومكان، وهذه السورة تضم 11 آية في شأنهم، وقد نزلت بعد غزوة أحد، وآيات منها عن غزوة الْمُصْطَلِقِ(3).



*تعريف النفاق:


_ لغة: اختلف أهل اللغة في أصل كلمة النفاق، فقيل: إنه مأخوذ من النَّفَق، وهو السَّرَبُ في الأرض له مخلص إلى مكان آخر يستتر فيه كل من دخله، فسمي النفاق بذلك لأن المنافق يستتر بكفره، أو قيل: مأخوذ من نَافِقَاء اليربوع _الجربوع(4)، وهو باب جحره.


_ اصطلاحاً: قال الإمام ابن كثير: النفاق هو "هو إظهار الخير وإسرار الشر"، وقال سنان الأماسي: "ومنه اشتق المنافق، وهو الذي يدخل في الشرع من باب ويخرج من باب، ويظهر الإسلام ويكتم الكفر"(5).



*أنواع النفاق.


والنفاق على ضربين: الأول: نفاق ينقل عن الملة _أي الإسلام_، وهو: الشك في دين الله تعالى والرد لشرع رسوله صلى الله عليه وسلم، وصاحب هذا كافر مخلد في النار، _أي ما لم يتب_ وقد نعى الله عليه وعلى أمثاله خبثهم وفضحهم واستهزأ بهم ووصفهم بأنهم صمٌّ بُكمٌ عميٌ، وضرب لهم شنيع الأمثال(6).


وقد ذكر الله أول مثال لهم في أول آية من الآيات الثلاثة عشر في شأنهم فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)﴾.


_ قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ} أي بعض الناس، فهؤلاء أظهروا الإيمان بالله واليوم الآخر، وأبطنوا الكفر والضلال ليخدعوا الصحابة والمؤمنين بهدف الاطلاع على أسرارهم وإذاعتها ونقلها إلى أعدائهم من المشركين واليهود والنصارى، وإنما فعلوا ذلك ليدفعوا الأذى عن أنفسهم، ومخادعتهم لله ورسوله والمؤمنين يعلمها الله، ولا تجوز عليه هذه المخادعة.


_ وقوله تعالى: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} أي: ضرر عملهم لاحق بهم، فهم يغرّون أنفسهم بالأكاذيب ويلقونها في مهاوي الهلاك(7). وفي رواية ورش عن نافع: {وما يخادعون إلا أنفسهم} أي: إن تكرار خداعهم والتباري فيه سيكون وبالاً عليهم، إذ لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.


* وقفة: في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ وأنه لم يعممهم ويجابههم بتعيينهم _وستَرَ عليهم_؛ إغراءً لهم ودعوةً للإقلاع عن النفاق، وربما يصغوا إلى القرآن، لينصرفوا عن غيهم، إذ لو عينهم وشملهم في الوصف وكشف الستر عنهم لأعرضوا ولم يكن أملٌ في هدايتهم(8).


*كما أنه من قوله تعالى: {وَمَا يَشْعُرُونَ} نفي شعورهم بما يخادعون به، لأنهم لم يحاسبوا أنفسهم على ما اقترفوه من الكفر، بل جروا في مراءاتهم على ما ألفوه وتعودوا عليه، وقسمٌ من هؤلاء المنافقين يزعمون أنهم قد دخلوا في الإسلام ظاهراً وهجروا عقائد الكفر، لكن عند الاختبار والتمحيص يستبين مكرهم وخداعهم، فهؤلاء - بلا شك - منافقون سائرون في طريق الكفر بالنفاق، ومذهبهم فيه معروف ومكشوف، كاليهودية والنصرانية والمجوسية والوثنية والإلحاد ونحو ذلك من مذاهب الكفر(9) والعياذ بالله منهم وممن شاكلهم.


*قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا...﴾ المراد به هنا مرض القلب، وهو الشك في الدين الذي أثار لهم الشُبهات؛ فأصبحت قُلوبهم قاسية مليئةً بالحقد والكراهية، واتبعوا أهواءهم وغرائزهم، وزادهم الله مرضاً على مرضهم، ويُحتمل أن يكون من باب الدُعاء عليهم بزيادته(10). والتتمة في الدرس القادم إن شاء الله


هوامش:
(1) ينظر: تبيين المحارم: 2/54، تحقيق د. خالد حسن هنداوي، ط دار الروضة، إستانبول.
(2) ينظر: تفسير القرطبي: 5/425، وفتاوى ابن تيمية: 28/433، والتفسير الوسيط، د. وهبة الزحيلي: 1/12.
(3) ينظر (ظاهرة النفاق): 1/141_699، حيث جرى التفصيل في السور المذكورة حسب ترتيب النزول، و2/5/215 على المنهج الموسع نفسه لأستاذنا الشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني رحمه الله.
ونقلنا في درسنا هذا جرى بتعداد أسماء السور على ترتيب ورودها في القرآن، بذكر النفاق والمنافقين تسهيلاً على القارئ، وتوضيحاً كي يراجع ما يتعلق في هذا الموضوع إذا أراد التوسع في تفسير الآيات. وينظر: (تفهيم القرآن لمحمد فاروق الزين: ص 345).
(4) هو دويبة من الفأرة لكن ذنبه أطول، ينظر: المصباح المنير قي غريب الشرح الكبير: 1/217، وبنو تميم يبدلون الجيم ياءً في بعض المواضع، مثل الجمعة، يقولون : اليمعة، وهذه اللهجة منتشرة في بعض بلاد الخليج.
(5) ينظر: تفسير القرطبي: 1/159، تفسير ابن كثير: 1/167، تبيين المحارم: 2/45_55.
(6) تفسير المراغي: 1/148.
(7) تفسير المراغي: 1/50.
(8) ينظر: من بلاغة القرآن: ص29، لأحمد البدوي.
(9) ظاهرة النفاق: 1/59.
(10) ينظر: صفات المنافقين في سورة البقرة: ص73_75، لأحمد ردعان.


بقلم: د. خالد حسن هنداوي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...