سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((36))  سورة البقرة

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((36)) سورة البقرة

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٢ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ - ١٤ آب ٢٠٢٦
30

سؤال وجواب.. من تفسير وتفهيم الكتاب ((36))

سورة البقرة - الدرس (34)
السنن الإلهية في بني إسرائيل (8)


*قال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)﴾ .


_ ما سبب نزول الآية؟
روي أنها نزلت في الأنصار، وكانوا حلفاء لليهود، وبينهم جوار ورضاعة، وكانوا يودون لو أسلموا(1).
_ فإنه لمَّا ذكر سبحانه تعنُّت اليهود، وعدم انقيادهم لأمره ومجادلتهم لأنبيائه... أردف ذلك بذكر بعض قبائحهم التي ارتكبوها، كتحريف كلام الله تعالى، وادعائهم بأنّهم أحبابه، وأنّ النار لن تمسَّهم إلّا أيّامًا معدودةً، وبدأ ذلك بتيئيس المؤمنين من إيمانهم، وشرح من هنا شنائع أفعال الذين كانوا في زمن النبي ﷺ (2)، فكانت سنته سبحانه فيهم:


14_ اليأس من إيمانهم وهدايتهم.
حيث نرى الآيات التفتت إلى المؤمنين تقنّطهم من هدايتهم، تسلية للنبيّ ﷺ عما كان يشتد حرصه عليهم من طلب إيمانهم في معرض التبكيت عليهم (3).
وذلك أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام والصحابةَ رضي الله عنهم لمَّا سمعوا هذه الآيات؛ طمعوا أن يؤثِّر ذلك في قلوبهم فيؤمنوا، فقال عز وجل: {أَفَتَطْمَعُونَ} أي: ما زلتم تطمعون في إيمانهم، وتأملون أن يصدقوكم بما تخبرونهم بعد كل ما شاهدتموه منهم...! وهم قوم بأعيانهم كما في قوله تعالى: {أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6] (4).
ونقل الخازن _وهو الأصوب_ أن المراد: الذين كانوا في زمنه ﷺ، لأن الضمير راجع إليهم، وعلى هذا يكون معنى {يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ} يعني التوراة، لأنه يصح أن يقال لمن يسمع التوراة: يسمع كلام الله، وهو يعلم ويقرُّ أن التحريف حدث فيه (5).


*مسألة:
قال الطاهر بن عاشور: إنما نهينا عن الطمع في إيمانهم لا عن دعائهم للإيمان _لأننا ندعوهم للإيمان وإن كنا آيسين منه_؛ لإقامة الحجة عليهم في الدنيا عند إجراء أحكام الكفر عليهم (6).


15_ إظهار فسقهم في تعمُّدهم لتحريف كلامه سبحانه وتعالى.
فقال: ﴿... وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)﴾ أي: إن كَفَرَ هؤلاء وحرّفوا فلهم سابقة في ذلك، كما حرّفوا صفة رسول اللَّه ﷺ وآية الرّجم.
قال ابن عباس ومقاتل: نزلت في السبعين الذين اختارهم موسى ليذهبوا معه إلى الله تعالى، فلما ذهبوا معه إلى الميقات وسمعوا كلام الله وهو يأمره وينهاه، رجعوا إلى قومهم، فأما الصادقون فأدوا ما سمعوا، وقالت طائفة منهم: سمعنا الله في آخرٍ كلامه يقول: "إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا ولا بأس"(7).
_ ولقائل أن يقول عند قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا} وقوله {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ}: كيف يلزم من إقدام البعض على التحريف حصول اليأس من إيمان الباقين، فإن عناد البعض لا ينافي إقرار الباقين؟.
وقد أجاب أبو بكر القفال عنه فقال: يحتمل أن يكون المعنى: كيف يؤمن هؤلاء! وهم إنما يأخذون دينهم ويتعلمونه من قوم هم يتعمدون التحريف عناداً، فأولئك إنما يعلمونهم ما حرفوه وغيّروه عن وجهه، والمُقَلِّدُونَ يقبلون ذلك، ولا يلتفتون إلى أقوال أهل الحق، وهو كقولك للرجل: كيف تفلح وأستاذك فلان!؟ أي: وأنت عنه تأخذ، ولا تأخذ عن غيره(8).
وإذا كان أحبار هؤلاء ومقدِّميهم على هذه الحالة، فما ظنك بسفلتهم وجُهَّالهم، وأنهم إن كفروا وحرفوا فلهم سابقة في ذلك(9).
و قال الشيخ علي الصابوني:
ولما ذكر تعالى العلماء الذين حرّفوا وبدّلوا؛ ذكر العوام الذين قلدوهم ونبّه أنهم في الضلال سواء، فقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78)﴾ أي: ومن اليهود طائفة من الجهلة العوامّ، الذين لا يعرفون القراءة والكتابة ليطَّلعوا على ما في التوراة بأنفسهم ويتحققوا بما فيها(10).


* ثم جاءت سنة الله تعالى فيهم أن:

16_ توَعَدهم بالويل والعذاب العظيم، وذلك لتحريفهم كلامه سبحانه.
فقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)﴾
قال الإمام الطبري رحمه الله: أي: العذابُ الذي هو شُرْبُ صديدِ أهلِ جهنمَ، الذي في أسفلِ الجحيمِ، لليهودِ الذين يَكْتُبون الباطلَ بأيديهم ثم يقولون: هذا من عندِ اللهِ(11).
_ ومما جاء في السنة مما يثبت ويبين تحريفهم وتلاعبهم بأحكام الله تعالى وآياته ما جاء في الصحيح عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه قَالَ: « مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا، فَدَعَاهُمْ ﷺ فَقَالَ: (هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ)؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالَ: (أَنْشُدُكَ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ)؟ قَالَ: لَا، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُهُ الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، قُلْنَا: تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ). فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} إِلَى قَوْلِهِ {إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ} [المائدة: 41]... الحديث(12).


17_ كَشْفُ معتقداتهم وأقوالهم السرية وأفعالهم الماكرة.
وقد جاءت السنة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76)﴾
قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن منافقي اليهود كانوا إذا لقوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لهم: "آمنا بالذي آمنتم به وإن صاحبكم صادق وقوله حق وإنا نجد نعته وصفته في كتابنا"، {وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ} فالتقوا بكعب بن الأشرف وكعب بن أسد ووهب بن يهودا ورؤساء اليهود لاموا منافقي اليهود على ذلك وقالُوا: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ}.
وقال مقاتل: كان المسلم يلقى حليفه، أو أخاه من الرضاعة من اليهود، فيسأله: أتجدون محمداً في كتابكم؟ فيقولون: نعم، إنه لحق. فسمع كعب بن الأشرف وغيره، فقال لليهود في السر: "أتحدثون أصحاب محمد بما فتح الله عليكم؟" _ أَي: بما بُيِّن لكم في التوراة من أمر محمد_، ليخاصموكم به عند ربكم باعترافكم أنه نبي، أفلا تعقلون أن هذا حجة عليكم".
_ ونقل الخازن أن هذا قول يهود بني قريظة بقول بعضهم لبعض حين قال لهم النبي ﷺ: "يا إخوان القردة والخنازير". قالوا: من أخبر محمداً بهذا؟ هذا ما خرج إلا منكم(13).
_ قوله تعالى: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} قيل: هو من قول اليهود لبعضهم البعض كما سبق، وقيل: هو خطاب من الله تعالى للمؤمنين متصل بقوله: {أَفَتَطْمَعُونَ}، والمعنى: أفلا تعقلون حالهم وأن لا مطمع لكم في إيمانهم(14).
_ وفي الآية تشبيه لهم بالمنافقين الذين يفعلون بالسر ما لا يقولونه بالعلن،
كما جاء في أوائل سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14)﴾.
_ هذا وقد كان النبي ﷺ حريصاً أشد الحرص على أن يعتبر المسلمون بما حلّ باليهود من جَرَيان سنة الله بالغضب عليهم بسبب تحايلهم على الأحكام وعملهم الدائب على التفلت منها، فكان عليه الصلاة والسلام لا يني يبين لأمته أن الوقوع فيما وقع فيه اليهود شر مستطير، واتجاه يتنافى مع الالتزام بشريعة الإسلام ومنهجه في الحياة، بل هو سبب الهلاك والعياذ بالله(15).
***


هوامش:
(1) البحر المحيط: 1/271.
(2) ينظر: تفسير حدائق الروح والريحان، لمحمد الأمين الهرري: 2/9.
(3) ينظر: تفسير الرازي: 3/559، وتفسير القاسمي: 1/333.
(4) فجاء _ بالهمزة والفاء_ مبالغةً في إنكار الطمع مع كونه كالمستحيل عادةً. تفسير ابن كمال باشا: 1/226. أي: أتطمعون بتعلق شديد.
(5) مختصر الخازن: 1/42.
(6) التحرير والتنوير: 1/567.
(7) ذكره الواحدي في أسباب النزول: ص27، والبيضاوي: 1/156.
(8) البحر المحيط: 1/438، تفسير القاسمي: 1/334.
(9) تفسير البيضاوي: 1/89.
(10) صفوة التفاسير: 1/71.
(11) ينظر: تفسير الطبري: 2/165، زاد المسير: 1/82.
(12) صحيح مسلم: رقم: (1700).
(13) ينظر: مختصر الخازن: 1/43، زاد المسير: 1/81.
(14) ينظر: تفسير البيضاوي: 1/89.
(15) اليهود في القرآن والسنة (بعض من خلائقهم)، د. الصالح: ص 19.


بقلم: د.خالد حسن هنداوي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...