مَقام العلماء في الخلق عظيم جليل، فهم النجوم التي يُهتدى بها في الظَّلماء، والمفزَع الذي يُفزع إليه عند اشتداد الفتن وحلولِ الغِيَر. وقد جاء في حديث أنسٍ رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إِنَّ مَثَلَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَرْضِ كَمَثَلِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ يُهْتَدَى بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فَإِذَا انْطَمَسَتِ النُّجُومُ أَوْشَكَ أَنْ تَضِلَّ الْهُدَاةُ) [أخرجه أحمد بإسناد ضعيف، ومعناه صحيح تشهد له النصوص].
وإنما عَظُم مقامهم في الشرع لجلالة ما يحملون، وثِقَل ما يتحملون من التبعات والواجبات. فأمانتهم عظيمة، ومسؤوليتهم كبيرة.
ومن أعظم ما يجب على أهل العلم: أن يبينوا للناس دينهم، ويبلغوهم شريعة ربهم، فإن الله تعالى أخذ عليهم في ذلك الميثاق والعهدَ المؤكد فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 187].
وهذه الآية وإن كانت نزلت ابتداءً في أهل الكتاب فإنها تشمَل علماء هذه الامة، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو معلوم، وقد أشار إلى ذلك ابن كثير بقوله: "هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وأن ينوِّهوا بذكره في الناس فيكونوا على أُهبة من أمره، فإذا أرسله الله تابعوه، فكتموا ذلك وتعوَّضوا عما وُعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدُّون الطفيف، والحظ الدنيوي السخيف. فبئس الصفقة صفقتهم، وبئس البيعة بيعتهم. وفي هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم؛ فيصيبَهم ما أصابهم، ويُسلكَ بهم مسلكُهم. فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع الدال على العمل الصالح ولا يكتموا منه شيئا" [تفسير القرآن العظيم (2/485-486 ط ابن الجوزي].
وما لم يقم العالم بهذه الأمانة، ويفِ بهذا الميثاق فإنه لا يستحق أن يكون في ركب ورثة الانبياء، ولا في زمرة العلماء، فهو دخيل عليهم، مجانبٌ هديَهم وطريقتَهم.
وظاهرٌ في الآية أن الله تعالى يأمر بالبيان، وينهى عن ضده (وهو الكتمان)، فالعالم كما هو مأمور بالبيان والبلاغ منهيٌّ كذلك عن الكتمان والإخفاء، وأفحش ما يكون هذا عندما يسأله الناس، أو يحتاجون إلى علمه، فالمتعين عليه حينئذ أن يبين حكم الله، ويقوم مقامَ صدق بما أُخذ عليه من الميثاق.
قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159].
وهذه الآية كسابقتها يدخل فيها علماء هذه الأمة وإن كانت نزلت ابتداء في أهل الكتاب، وتأمل عقوبة الكتمان في الآية المتمثلة في لعنة الله لهم وطردهم من رحمته، بل ولعنةِ الجن والإنس وجميع الخلائق كما جاء في تفسيرها عن بعض السلف؛ وذلك أن فسادهم يعم الأرض كلها، فاستحقوا هذه اللعنة جزاء وفاقا.
والبيان المأمور به إنما هو على ما تُوجِبه الشريعة لا على ما تهواه النفوس وتُغلَّب فيه المصالح الشخصية أو الحزبية الضيقة، فبعض مَن يبين العلم والشرع يبينه على هوى نفسه لا على معيار الشرع؛ فيسكت في موضع البيان، ويتكلم في موضع السكوت، ويشتد في موضع اللين، ويلين في موضع الشدة. وإنما آفة العلم والشرع من هؤلاء.
وأعظم ما يحول بين العالم وبيان الحق أمران:
أولهما: حب الدنيا والتعلق بها.
والثاني: مراعاةُ المخلوقين حكَّاما أو محكومين.
وعالم الملَّة إن استبان له الحق لا يبالي بالخَلق، وإنما نظرُه إلى خالقه ومولاه، وإن سكت عن البيان لمصلحة يقتضيها الشرع لم يتعدَّ ذلك إلى قول الزور، وتأبى عليه نفسه أن يكون مطية للظلمة وأصحاب الجاه والرياسات، وأكثر فتنة المتشرِّعة اليوم إنما هي من هذا الباب، وبعضهم لا يكتفي بذلك، بل يَلْبس الحقَّ بالباطل، ويُلبِّس على الناس دينهم.
وكلما عظم الجهل وفشا في الخلق، وظهر الباطل وانتشر كانت حاجةُ الناس إلى البيان أشد، والتبعةُ على أهل العلم أثقل. وأعظم ما يصدق هذا على الزمن الذي نحن فيه؛ إذ غُيبت فيه الشريعة، واندرست كثير من رسومها وآثارها، وسلك أهل البـــاطل في ترويج باطلهم كل مسلك. فسبيل أهل العلم أن يقوموا لله، ويشهدوا بالقسط، ويبينوا الحق على رَسْم الشرع من غير وَكْس ولا شطط.
وأختم بكلمة عظيمة للعلامة المصلح ابن باديس يقول فيها: "إن مسؤولية العلماء عند الله فيما أصاب المسلمين في دينهم لعظيمة، وإن حسابهم على ذلك لشديد طويل؛ ذلك بما كتموا من دين الله، وبما خافوا في نصرة الحق سواه، وبما حافظوا على منزلتهم عند العامَّة وسادة العامَّة، ولم يحافظوا على درجاتهم عنده [سبحانه]، وبما شحُّوا ببذل القليل من دنياهم في ما يرضيه، وبما بذلوا وأسرفوا في الكثير من دينهم فيما يغضبه، اللهم إلا نفرا منهم بينوا وما كتموا، ونصحوا لله ولرسوله ولكتابه ولعامة المسلمين وخاصتهم فقامت بهم حجة الله، وتداولت بهم أجيال المسلمين إرث النبوة، واتصل بهم سند الحق، وانفضحت بهم شبهة الباطل. أولئك هم الطائفة التي لن تزل ظاهرة على الحق لا يَضر بها [هكذا في المطبوع] من خذلها حتى تقوم الساعة" [آثار ابن باديس (3/115)].
بسام بن خليل الصفدي
الأربعاء 15 رمضان 1447
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


