مِن الجهل ما يَخْدَع

مِن الجهل ما يَخْدَع

التصنيف: ركن الشباب
الأحد، ٢٦ ذو القعدة ١٤٣٧ هـ - ٢٨ آب ٢٠١٦
780

 

إن مَثَل النصوص الشرعية والمذاهب الفقهية التي استقامت بها حياة الناس، واستقرت عليها عاداتهم في العبادات والمعاملات، وسُيِّرت بها دول عَبْرَ تاريخ المسلمين-: مَثلُها كَمَثل عَين ينبع منها ماء مَعين صافٍ لا ينضَبُ، فَجاء جَمْع من الخبراء فَبنَوا عليها سدودا لتتجمع فيها المياه حتى لا تضيع في الفيافي، ثم أَجْرَوا أنهارا وجداول يستفيد منها الناس في الزراعة والشرب وإنتاج الطاقة. فقام حول هذه الأنهار والجداول قرى ومداشر ومدن (أي قامت حضارة). غير أنك تجد في بعض هذه الجداول والأنهار ماءً كدراَ، وتَغَيُّره ناتج عن الاستغلال والاستعمال، فلا يشبه في ظاهره ماءَ المنبع الصافي.

تصوروا لَوْ قام أحمق أو جاهل بِسُنَن العمران ونادَى في الناس أَنِ اطردوا عن أنفسكم الكسل وتَخطوا هذه السدود أو اهدموها، واتركوا هذه الجداول والأنهار التي لا يصفو من مائها إلا القليل أو غَوِّروها، وارجعوا إلى العين الصافية وارتووا منها مباشرة، فَماؤُها يجري على الأرض، متدفقا رقراقا! 

فماذا سيحدث أيها الإخوة لو غَيَّب الناسُ المستفيدون من هذه السدود عقولَهم واتبعوا هذا الأحمق أو الجاهل بقانون التطور؟

إن مِمَّا تتميز به الدول الإسلامية اليوم عن باقي الدول الأخرى المتخلفة مثلها، والتي تعتمد في تسيير شؤونها على قانون الغرب: أن الدول الإسلامية تستطيع -إن تخلت عن القانون الغربي- أن تبني على تراثها الفقهي المذهبي فتنشئ قانونا نابعا من تراثها ومستنبطا من دينها، ففي هذا الفقه المذهبي قوانين واضحة مرتبة ومنظمة تتعلق بالأشخاص والجماعات من ولادتهم إلى ما بعد مماتهم، نستطيع التخريج عليها لمعالجة ما يجدّ من الحوادث الناجمة عن سنن التطور. والغرب يعرف منا ذلك حق المعرفة، ويخاف من هذه الميزة، ويوليها اهتماما بالغا.

وزيادة في البيان أقول لمن يدعو إلى تخطي هذه المذاهب: خذوا قول الله تعالى: "فَرِهانٌ مقبوضة"، واتركوا جانبا كتب المذاهب، واستعينوا بنيل الأوطار وسبل السلام -وأمثالهما من الكتب التي دعا أصحابها إلى تجاوز المذاهب والرجوع إلى النصوص التي بين أيدينا-، واستخرجوا منها ما تُُكَوِّنوا به قوانين لمسألة الرهن. 

ثم أعطيهم تمرينا آخر فأقول: خذوا حديث "من حاز شيئا عشر سنين فهو له.."، وكَوِّنوا لنا منه شيئا يتعلق بالحيازة.

الحاصل من هذا كله أيها الإخوة أن بعضاً منا يقرأ في كتب المذاهب أبوابا من العبادات، ويقارنها بما وصلنا من أحاديث مروية بأسانيد صحيحة، فيُخيَّل إليه شيء من الخلل في هذه المذاهب فيظن أنه قد وجد لهذا الخلل المتخيل حلا، وهو وجوب الرجوع إلى النصوص. وينسى أو يتناسى أن الفقه فيه معاملات أيضا، فهذا القسم هو الأحق بان نقارنه بالنصوص التي بين أيدينا. 

أما هذا العبد الضعيف فالأمر بالنسبة إليه سهل، وهو أن فقهاء الأمصار قد وَرِثوا عن الصحابة والتابعين ثروة فقهية، وَبَنَوْا عليها. وهذه الثروة الموروثة هي التطبيق العملي للنصوص الشرعية التي هي أوسع بكثير مما هو موجود في كتب السنة. ومَنْ أَهملها فقد أهمل حظاً وافرا من السنة، وفَاتَه فَهْمٌ مُوَفق من الصحابة والتابعين لإشارات القرآن وظلاله. وفي هذه الثروة معالجة لمسائل الوصايا والرهن والحيازة وغيرها من المعاملات التي وصلتنا فيها نصوص قليلة جدا، كما أن العلماء عبر الأجيال عالجوا مستجدات العصر من خلال التخريج على هذا الفقه الموروث عن السلف. ففقهاء الأمصار أيها الإخوة وجدوا دولة قوية البنيان مترامية الأطراف، ووجدوا حضارة قائمة مبنية على القرآن والسنة وهدي الخلفاء الراشدين. ولم يعتمدوا في اجتهادهم على النصوص فقط، بل اعتمدوا على أقوال الصحابة والتابعين وأقضيتهم، وَبِها استناروا في فهم النصوص. وإذا قال قائل: نرجع إلى القرآن والسنة كما رجعوا، فَقَد أبان لنا عن جهلِه بتاريخ التشريع.

ومَن أراد التأكد مما قلتُه فليرجع إلى الموطأ، ومصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة، وسنن سعيد بن منصور، وكتب محمد بن إبراهيم بن المنذر والاستذكار لابن عبد البر والتمهيد له، والمحلى لابن حزم، وغيرها من الكتب التي اهتمت بنقل أقوال الصحابة والتابعين.

عَلَّمنا الله وإياكم أسيادي ما جهلنا.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...