موقف المسلم من مصائب الأمّة (14)

موقف المسلم من مصائب الأمّة (14)

التصنيف: فقه الدعوة
الجمعة، ٢٠ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠٢٦
21

الولاء والبراء عند المؤمنين. دروس من الفتنة الكبرى:
والمقصود بالفتنة الكبرى ما جرى بين الصحابيين الجليلين عليٍّ ومعاوية رضي الله عنهما وأرضاهما، من الخـُلـْف والاحتراب في أعقاب مقتل شهيد الدار عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه.
فقد كان في تلك الفتنة والحرب بين الفريقين - على ما فيها من المآسي - تجسيد وترسيخ لمبدأ الولاء والبراء الذي لم يتزلزل بالرغم من عاتيات الفتن التي عصفت به، كما كان فيها مدرسة للأحكام الشرعية، العقدية والعملية، التي تجلت واقعاً عملياً من خلال تلك الفتنة.
فقد علمتنا تلك الحرب أن قتلى الفتنة والبغي فيما بين المسلمين يُغَسَّلون ويُكَفَّنون ويُصلَّى عليهم، سواء في ذلك الظالم والمظلوم، لأنهم ليسوا قتلى جهاد، بل قتلى فتنة.
وعلمتنا تلك الفتنة أنه لا سبي ولا غنيمة بين المسلمين، فإذا ظهر أحد الفريقين على الآخر في الفتنة فليس لهم غنيمة الأموال ولا استرقاق الذراري والنساء.
وعلمتنا تلك الفتنة أيضاً أنه لا يحل لأي من الفريقين، ولو كان مبغياً عليه مظلوماً، لا يحل له أن يستدفع ظلم وبغي إخوانه بموالاة ومحالفة أعداء دينه، فإن عدو الدين عدو مشترك بين الفريقين، والقضية عندئذ قضية عقدية مبدئية، لا مساومة عليها ولا تراجع عنها تحت أي ضغط كان.
فقد كان عليٌّ رضي الله عنه في الكوفة من أرض العراق، وكان وراءه الفرس في عراق العجم، ولكنه، رضي الله عنه، لم يأذن لنفسه ولم يأذن له دينه أن يوالي الفرس ويتخذ منهم عمقاً استراتيجياً وكثرة عددية يستعين بهم على حرب معاوية رضي الله عنه، ومن معه من أهل الشام، وقد كان عليٌّ رضي الله عنه يرى نفسه محقاً في حربهم.
وقد كان معاوية رضي الله عنه في دمشق من أرض الشام، وكان وراءه من الروم أقاليم ومَلِك ودولة ذات شأن وشوكة، وكان يرى نفسه أيضاً محقاً في حرب علي رضي الله عنه، ولكنه لم يأذن لنفسه ولم يأذن له دينه أن يتخذ من نصارى الروم حلفاء وأولياء وأعواناً على حرب عليٍّ ومَن معه مِن أهل العراق.
وودَّ الروم والفرس لو ظفروا بشيء من ذلك يشفون به غيظ قلوبهم من المسلمين، ويروون ظمأ سيوفهم من دماء المسلمين بذريعة الانتصار لمن استنصر بهم من المسلمين.
ولكن إدراك كل من عليٍّ ومعاوية رضي الله عنهما، لخطورة هذا الأمر على دين كل منهما وإسلامه، ووضوحَ مبدأ الولاء والبراء في عقيدة كل منهما، وتـَشبُّعَ كل منهما بتربية وتوجيه القرآن في هذا الشأن، حالَ بين الروم والفرس وبين ما يشتهون، بل لم يكن الروم والفرس يجرؤون على مجرد عرض الخدمة والمساعدة على علي أو معاوية رضي الله عنهما، ليقينهم سلفاً بأن هذا العرض ليس له موطئ قدم على أرض الأخوّة الإسلامية، ولا موقع له في عقيدة وقناعة كل من الرجلين.
وقد كان كل الذي حاوله الروم في استثمار بيئة الفتنة أن ملك الروم حاول أن يجتاح أطراف الشام الشمالية ليدرك بعض ثأره من معاوية الذي كان قد أذله وقهره في حروب الفتوح زمن كل من عمر وعثمان رضي الله عنهما، حيث كان عثمان والياً لهما على الشام.
قال ابن كثير في تاريخه، في ترجمة معاوية رضي الله عنه: "وطمع في معاوية ملك الروم بعد أن كان قد أخشاه وأذله وقهر جنده ودحاهم، فلما رأى ملك الروم اشتغال معاوية بحرب علي تدانى إلى بعض البلاد في جنود عظيمة وطمع فيه. فكتب معاوية إليه: والله لئن لم تنته وترجع إلى بلادك يا لعين، لأصطلحن أنا وابن عمي عليك، ولأخرجنك من جميع بلادك، ولأضيقن عليك الأرض بما رحبت. فعند ذلك خاف ملك الروم وانكف وبعث يطلب الهدنة" اهـ.(1)
فقد تـَشبَّع الرعيل الأول من أجيال الإسلام بهذا المعنى الذي ضعف وضمَر بعدُ في قلوب الناس، مما مكن لأعداء الإسلام أن يضربوا الإسلام بأيديهم وأيدي المسلمين، كالذي كان من ملوك الممالك الإسلامية في الأندلس، الذين جعل بعضهم يستعين على بعض بعدوهم من الفرنجة، وكالذي كان من ملوك المالك الإسلامية في البلاد الشامية إبان الحملات الصليبية، حيث جعل يستعين بعضهم على بعض بعدوهم من الصليبين.
أقول: هذا المعنى من قداسة مبدأ الولاء والبراء، الذي تشبع به جيل الصحابة رضي الله عنهم، ومن تبعهم بإحسان، لم يتذوق المنافقون منه قليلاً ولا كثيراً، وإنما جعلوا كل همهم أن يجدوا عدواً للإسلام يضعون أيديهم في يده، ويوالونه ويناصرونه على الدين الذي يُظهرون الانتماء إليه، ولو كان ذلك العدو من مشركي العرب، أو من يهود الحجاز، أو من نصارى الشام، فقد كان كل أولئك أقرب إلى قلوب المنافقين من النبي صلى الله عليه وسلم ومن سائر المؤمنين، كما يتضح ذلك في العنوان التالي.


الولاء والبراء عند المنافقين.
موالاتهم لمشركي العرب: لقد وعت لنا السيرة مواقف عدة، خذل المنافقون فيها المؤمنين لمصلحة المشركين الحاقدين على الملة والأمة، وكان من أخطرها وأشهرها موقف المنافقين يوم أحد، يوم خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة باتجاه جبل أحد في ألف مقاتل، ليلقى جيش المشركين من قريش، الذي خرج من مكة حتى نزل عند سفوح جبل أحد في ثلاثة آلاف مقاتل، يحدوهم الحقد والحَنَق والرغبة في الانتقام ليوم بدر.
حتى إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم بموضع يقال له: [الشوط] وهو مكان قريب من موضع المشركين بحيث يتراءى الجيشان، إذا بعبد الله بن أبَي، رأس النفاق والمنافقين، ينسحب من جيش النبي صلى الله عليه وسلم بنحو من ثلاثمائة مقاتل، مظهراً الاعتراض والاحتجاج على أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ برأي غيره في الخروج ولم يأخذ برأيه في المكث في المدينة.
رجع ابن أبَيٍّ بمن أطاعه من المنافقين، وهم يبلغون نحواً من ثلث جيش المسلمين، وانسحب باتجاه المدينة وهو يقول: ما ندري علام نقتل أنفسنا؟!
وتبعهم عبد الله بن حرام الأنصاري، والد جابر رضي الله عنهما، يُذكـِّرهم واجب الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن دينه، ويحضهم على الثبات ويوبخهم على التولي والانسحاب، ويقول لهم: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأجابوه متعللين: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع، ولكنا لا نحسب أن قتالاً سيقع.
فرجع عنهم عبد الله بن حرام رضي الله عنه قائلاً: أبعدكم الله أعداءَ الله، فسيغني الله عنكم نبيه صلى الله عليه وسلم.
كيد ومكر وكذب وتناقض، كل ذلك كان واضحاً في كلام أولئك المنافقين. فقد قالوا حين هموا بالانسحاب: ما ندري علام نقتل أنفسنا؟!. ولما حثهم عبد الله بن حرام على الثبات قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع.
وهذا الاضطراب والتناقض يدل على أن وراء ذلك تدبيراً وكيداً تمّ توقيته بدقة وإحكام، وإلا فإن من حق كل قارئ لهذا الخبر أن يتساءل: لماذا لم يمتنع ابن أبَي من الخروج أصلاً؟! لماذا خرج ثم تولى بعد أن تراءى الجمعان، وكان يسعه ألَّا يخرج أصلاً؟!
إنه يريد من وراء ذلك أن يثبط الهمم ويَفُتَّ في عضد الجيش ويبث روح الانهزام فيه، وفي نفس الوقت فإنه ينعش الروح القتالية عند الخصوم المشركين الذين ينظرون إلى جيش المسلمين وقد وقع فيه الشرخ والنقص والتراجع.
وكاد المنافق يدرك بعض هذا لولا أن الله سلّم، فقد همّت بنو حارثة من الأوس، وبنو سلِمة من الخزرج أن تلحقا بابن أبي ومن معه، ولكن الله تعالى تولاهما بالتثبيت فلم تنكـُصا.
وقد أنزل الله تعالى في هاتين الطائفتين المؤمنتين قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)} [آل عمران]
وأنزل في ابن أبَي ومن معه قوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168)} [آل عمران]


موالاة المنافقين لليهود:
وذلك في شأن بني قينقاع، وهم من يهود الحجاز الذين كانوا يساكنون النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، وكانوا ممن عاهد النبي صلى الله عليه وسلم أن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم.
ولكن اليهود شرقوا بريقهم لما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ظهر ببدر، وكان بنو قينقاع شرّ طوائف اليهود الثلاث التي تجاور المدينة، وقد كانوا قوماً صاغة وحدادين وأصحاب مهن، وأصحاب سوق وتجارة، مما مكنهم من حيازة المال الوافر والعتاد الحربي وتكوين قوة ضاربة قِوامها نحو من سبعمائة من المقاتلين ما بين حاسر ودارع.
فحملهم غرورهم بتلك القوة والكثرة، وغيظُهم من ظهور النبي صلى الله عليه وسلم ببدر، على أن يجترئوا على الإساءة إلى المسلمين مرة بعد أخرى، والنبي صلى الله عليه وسلم يعظهم ويذكرهم ويخوفهم عاقبة الغدر ونقض العهد، ويدعوهم إلى الاعتبار بمصير المشركين في بدر.
ولكنهم تجاهلوا كل ذلك وقالوا: لا يغرنك أنك لقيت في بدر قوماً لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس.
ثم حدث أن امرأة أنصارية مِنْ الْعَرَبِ قَدِمَتْ بِجَلـَبِ لَهَا فَبَاعَتْهُ بِسُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَجَلَسَتْ إلَى صَائِغٍ بِهَا، فَجَعَلُوا يُرِيدُونَهَا عَلَى كُشْفِ وَجْهِهَا فَأَبَتْ، فَعَمِدَ الصّائِغُ إلَى طَرَفِ ثَوْبِهَا فَعَقَدَهُ إلَى ظَهْرِهَا وهي غافلة، فَلَمّا قَامَتْ انْكَشَفَتْ سَوْأتهَا، فَضَحِكُوا بِهَا، فَصَاحَتْ. فَوَثَبَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصّائِغ فَقَتَلَهُ - وَكَانَ يَهُودِيّا - وَشَدّتْ الْيَهُودُ عَلَى الْمُسْلِمِ فَقَتَلُوهُ، فَاسْتَصْرَخَ أَهْلُ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْيَهُودِ، فَغَضِبَ الْمُسْلِمُونَ فَوَقَعَ الشّرّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي قَيْنُقَاعَ.
وحينئذ خرج النبي صلى الله عليه وسلم بجنود الله من الصحابة إلى حصار بني قينقاع، فقد نقضوا العهد وهتكوا العرض وسفكوا الدم. فامتنعوا بحصنهم، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم الحصار عليهم خمس عشرة ليلة، ثم قذف الله في قلوبهم الرعب، فرضوا بأن ينزلوا مذعنين لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحكم ما يشاء في رقابهم وأموالهم ونسائهم وذراريهم، فنزلوا ووُضعوا في القيود بانتظار أن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم.
وكانوا في الجاهلية حلفاء الخزرج الذين يرأسهم عبد الله بن أبَيٍ ابنُ(2) سلول الخزرجي، الذي كان رأس النفاق وكبير المنافقين في المدينة بعد هجرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إليها.
وخشي ابن سلول أن يحكم النبي صلى الله عليه وسلم على رجال بني قينقاع بالقتل، فقام يطالب النبي صلى الله عليه وسلم بالعفو عن دمائهم قائلاً: يا محمد أحسن في مواليَّ. فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكرر ابن سلول مقالته بإلحاح، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم.
فما كان منه إلا أن أدخل يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فغضب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظللاً، وقال: ويحك أرسلني. فقال ابن سلول في وقاحة وإصرار: لا والله لا أرسلك حتى تـُحسن في موالي، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة؟ إني والله امرؤ أخشى الدوائر.
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلحاحه وهبهم له - أي ترك قتلهم من أجله - تأليفاً له، لعل ذلك الإحسان يستميله إلى الحق.
فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم بالجلاء، وأن لا يساكنوه في المدينة، وأن يَتركوا سلاحهم وأموالهم ومتاعهم، إلا حمل بعير واحد لكل ثلاثة منهم.
وقد كان عبادة بن الصامت الأنصاري رضي الله عنه، خزرجياً أيضاً، وكان له من حلف هؤلاء اليهود مثلُ ما لابن سلول، ولكنه لما رأى النفاق يطل برأسه بادياً في موقف ابن سول، أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فخلع أمامه حلف بني قينقاع وتبرأ منهم وقال: يا رسول الله، أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار ووَلايتهم.
أجل إنّ قضية الولاء والبراء قضية جوهرية في تصنيف أهل الإيمان وأهل الكفر، لا يصح أن يكتنفها غموض أو لبس أو تردد، ولا بد فيها من المفاصلة البينة، كالذي فعله عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
قال ابن كثير: ففيه - يعني عبادة بن الصامت - وفي عبد الله بن أبَيّ نزلت الآيات في المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ...} إلى قوله: {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} اهـ (3)
ولم يتعظ ابن سلول والمنافقون معه بتلك الآيات ولم يأبه بذلك الوعيد الشديد: {ومَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} ولو كان في قلبه شيء من إيمان لوجد مَعَرَّةً وسُبَّة في أن يُصنـَّف مع الكافرين، ولكنه لم يأبه لأنه من الكافرين على الحقيقة، ولذلك فإنه لم ينته عما هو فيه من موالاة اليهود مرة أخرى في واقعة بني النضير.
إذ لم يمض إلا نحو من سنة ونصف السنة على نقض بني قينقاع، حتى وقع النقض والغدر من يهود بني النضير الذين أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم يكلمهم في أن يعينوه في دية قتيلين من بني كلاب، قتلهما الصحابي عمرو بن أمية الضمري في طريق عودته من موقعة "بئر معونة" ثأراً لأصحابه السبعين التي قتلوا غدراً في تلك الموقعة، ولكن القتيلين كانا يحملان كتاب أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعلم به عمرو الضمري.
وكان العون على تلك الدية من مقتضيات المعاهدة التي أبرمها النبي صلى الله عليه وسلم مع يهود بني النضير بعد الهجرة.
وأظهر اليهود ترحيباً بطلب النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: نفعل يا أبا القاسم، اجلس هاهنا حتى نقضي حاجتك. فجلس صلى الله عليه وسلم إلى جدار من بيوتهم ينتظر ما وعدوه، ومعه ثلة من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر.
وسوّل الشيطان لليهود أن يستغلوا الفرصة، ويستثمروا ما يرونه ثغرة نادرة، يستطيعون من خلالها أن يعتدُوا على حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم لبعض: إنّكُمْ لَنْ تَجِدُوا الرّجُلَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ هَذِهِ، فَمَنْ رَجُلٌ يَعْلُو عَلَى هَذَا الْبَيْتِ فَيُلْقِي عَلَيْهِ صَخْرَةً فَيُرِيحَنَا مِنْهُ؟
فَانْتَدَبَ لِذَلِكَ أَحَدُهُمْ فَقَالَ: أَنَا لِذَلِكَ. فَصَعِدَ لِيُلْقِيَ عَلَيْهِ صَخْرَةً كَمَا قَال.
وكان جبريل أعجل منهم بالخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ، فَقَامَ صلى الله عليه وسلم مسرعاً حتى دخل المدينة، وتبعه أصحابه مستفهمين عن الأمر الذي حمله صلى الله عليه وسلم على مغادرة المكان قبل أن يأتي اليهود بما وعدوا به من المعونة على الدية، فأخبرهم بما همّت به يهود.
وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة الأوسي إلى بني النضير برسالة شفوية يقول لهم فيها: ( اخرجوا من المدينة لا تساكنوني بها، وقد أجَّلتكم عشراً، فمن وجدتُ بعد ذلك بها ضربت عنقه.
وعلم اليهود أنهم استحقوا العقاب بالغدر الذي أحدثوه، وأنهم لا قبل لهم برد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلوا يتأهبون للخروج قبل أن يمضي الأجل التي ضربه لهم.
إلا أن ابن سلول أرسل إليهم سراً: أن اثبتوا وامتنعوا ولا تخرجوا من دياركم، فإن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم يموتون دونكم، وتنصركم قريظة وتنصركم غطفان.
واغتر بنو النضير بوعود المنافق الأكبر ابن سلول، واستقر رأيهم على رد أمر النبي صلى الله عليه وسلم، والتأهب للمواجهة، وأرسل زعيمهم حيي ابن أخطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنا لا نخرج من ديارنا، فافعل ما بدا لك.
وهكذا كان أذى أولئك المنافقين في موالاتهم لليهود أشد من أذى اليهود أنفسهم على المسلمين، إذ اضطر النبي صلى الله عليه وسلم بسبب تلك الموالاة الذميمة إلى أن يُجيش جيشاً ويخرج لحصار بني النضير في وقت كان المسلمون فيه أحوج ما يكونون إلى تقليل أو تأجيل المواجهات، لِما كان قد انفتح عليهم من الجبهات، وبُذل ضدهم من المكائد والعداوات، وتوالى عليهم من الابتلااءات.
فقد أصيبوا إصابة بالغة مؤلمة في أحد، ثم أصيبوا في واقعة غدر من قبيلتي "عضل والقارة" كان ضحيتها عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أصيبوا في نفس الشهر بواقعة غدر أخرى أشد وأفظع، نفذها بنو عامر في نجد، كان ضحيتها سبعون من قراء الصحابة وفضلائهم ودعاتهم.
وها هم اليوم يضطرون بسبب ذلك الولاء الأثيم بين المنافقين واليهود إلى مواجهة بني النضير.
خرج النبي صلى الله عليه وسلم في جيش يحمل رايته علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وضرب الحصار على بني النضير، فجعلوا يرشقون المسلمين بالحجارة والنبل من فوق الأسوار، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحرق بساتينهم.
فلما رأوا حرق بساتينهم، وخِذلان ابن سلولَ لهم، واعتزال قريظة عن نصرتهم، لم يجدوا بداً من الاستسلام والموافقة على الجلاء الذي سبق أن قبلوا به قبل أن يحرضهم ابن سلول على الامتناع والمقاومة.
وقد أنزل الله تعالى في تلك الموالاة المنكرة توبيخاً للمنافقين استحقوه بجدارة، فقد أصابوا من النذالة أقصاها ومن المذمة منتهاها، فلا هم أخلصوا الولاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللدين الذي يستعلنون بالانتماء إليه، ولا هم وفوا لبني النضير بالوعود التي قطعوها والأيمان التي حلفوها. فأنزل الله تعالى فيهم قوله في سورة الحشر: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (12)} إلى أن قال: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (17)}.
أما وقائع موالاة المنافقين للنصارى، فموعدها الجزء التالي إن شاء الله.


هوامش:
(1) البداية والنهاية، جـ8 ص513
(2) بتنوين "أبيٍ" ورفع "ابن" وإثبات ألفها، لأنها صفة لـ: :"عبد الله" وليس صفة لـ "سلول"، لأن "سلول" اسم أمه وليس اسم جده كما قد يتبادر. فكلمة "ابن" ليست واقعة بين اسمين علمين ثانيهما أب للأول، ولذلك تثبت ألفها. انظر شرح النووي على صحيح مسلم جـ 2 ص102 .
(3) تفسير ابن كثير جـ2 ص87



بقلم: إبراهيم يوسف منصور

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...