الهندسة التربوية.. كيف يتحول الهم التربوي إلى منظومة بناء مثالية

الهندسة التربوية.. كيف يتحول الهم التربوي إلى منظومة بناء مثالية

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الجمعة، ١١ محرم ١٤٤٨ هـ - ٢٦ حزيران ٢٠٢٦
20

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:

فإن أي شخص مارس عملية التربية بأي صفة كان (أباً أو أمّاً أو معلماً أو موجهاً أو غير ذلك) يدرك كم هي مسؤولية كبيرة ومهمة صعبة؛ لأنها تتعامل مع النفس البشرية التي تمثل آية عظيمة من آيات الله تعالى، أقسم بها الله تعالى في سياق أحد عشر قسماً في مطلع سورة الشمس، فقال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} (الشمس:7) قال السعدي: “ فالنفس آية كبيرة من آياته التي حقيقةٌ بالإقسام بها، فإنها في غاية اللطف والخفة، سريعة التنقل والحركة والتغير والتأثر والانفعالات النفسية، من الهم، والإرادة، والقصد، والحب، والبغض، وهي التي لولاها لكان البدن مجرد تمثال لا فائدة فيه، وتسويتها على هذا الوجه آية من آيات الله العظيمة“[1].

فالتربية ليست خواطر وأماني، أو ردود أفعال على أخطاء المتربي في مواقف حياتية متنوعة، بل هي مهمة صعبة شاقة ومستمرة، يشترك فيها عدد الفاعلين المؤثرين، فهي تشبه البناء الذي ينبغي أن يخطط له المهندس، ليكون بناء استراتيجيا دقيقا ومتكاملا، ويتوكل على الله في العمل.

ومشكلتنا اليوم ليست في وجود الهم التربوي المخلِص، فهناك مربون مخلصون يبذلون جهودهم بالليل والنهار، لكن نتائج جهدهم مشتتة ومبعثرة وربما قاصرة، لعدم وجود المخطَّط التربوي المتكامل، فمشكلتنا اليوم هي في غياب المنظومة التربوية المتكاملة، ومن هنا جاءت فكرة هذا البحث ليقدم رؤية متكاملة للتربية للانتقال من „التربية العفوية“ إلى „الهندسة التربوية المتكاملة“.

لماذا استخدمت مصطلح الهندسة التربوية؟
التكامل: لأن المربي يبني شخصية المتربي، ولا يكفي في هذا البناء وجود العاطفة فقط، بل لا بد من وجود قانون، ومنهج وبيئة حاضنة، فكما أن الجدار المنفرد لا ينشئ بيتا، ولا يرفع سقفاً، فإن العاطفة فقط لا تبني جيلاً.
المعيارية: ولأن الهندسة تسمح لنا بمعرفة مواضع الخلل عندما يحصل أي قصور في التربية، من خلال مراجعة الجهود التربوية، وعمليات التقويم المستمر للجهد التربوي والمراجعة الذاتية، كما يراجع المهندس مخططات البناء للتأكد من صواب العمل.
الاستمرارية: ولأن المربي يريد أن يستمر الجيل الصالح من بعده أثرا له بعد وفاته، كما أن المهندس يبني ويتطلع لأن يبقى البناء شاهدا له على إتقانه وهندسته وتميزه.

ومن أين يأتي المربي بمكونات الهندسة التربوية؟
والجواب هو ما سيقدمه له هذا البحث من خلال البحث والاستقراء لنصوص القرآن الكريم، ومواقف النبي مع أصحابه، حيث مثل „النموذج النبوي “ النموذج الأفضل والأكمل على مدار التاريخ حيث نقل جيلا كاملا من غياهب الجهل والجاهلية إلى نور الإسلام ومدارج الحضارة، وأسس هذا الجيل لدولة الإسلام التي أصبحت الدولة العظمى في العالم على مدى قرون طويلة، بالإضافة إلى الاستفادة من كل ما توصلت إليه العلوم التربوية الحديثة مما لا يخالف نصاً شرعياً.

والآن إلى مكونات الهندسة التربوية المثلى، وفق ما توصلتُ إليه من خلال البحث في أسس التربية النبوية، وقد قسمت البناء التربوي إلى عدد من المحاور، المتكاملة فيما بينها، وهذا التقسيم هدفه تسهيل الموضوع، ولا يعني ذلك عدم وجود تداخل بين بعض الأسس والمحاور؛ لأن عملية التربية عملية معقدة ومتداخلة، حيث تتناول العقل والعاطفة، والجسد والروح.


محاور الهندسة التربوية المثلى:

تقوم هذه الهندسة التربوية على سبعة محاور متكاملة، تمثل بمجموعها منظومة بناء الإنسان في الهدي النبوي، وهي محاور متداخلة تعمل في آن واحد.

وفيما يلي بيان هذه المحاور:
1. المحور الأول (الغاية من التربية): ويهدف إلى بيان الغاية من التربية، والهدف منها، حيث تهدف الهندسة التربوية المثلى لبناء „المسلم الحق“ المتكامل تزكيةً واستخلافاً، وفق منهج شامل ومتوازن، لكي يتحقق بصفة العبودية لله تعالى، ويحقق الاستخلاف في الأرض وفق شرع الله تعالى، ويجتهد للقيام بأحسن الأعمال التي ترضي الله تعالى.

2. المحور الثاني (الأساس المرجعي للتربية): ويهدف إلى بيان المرجعية التي تنطلق منها الهندسة التربوية المثلى، فهي تنطلق من عقيدة التوحيد، وتبني الشخصية المتكاملة من خلال (النقل الصحيح، والعقل الصريح، والفطرة السليمة، وبآليَّةٍ أسالِيبُها: الأصالة، والمعاصرة، والإبداع)[2]، هذه الشخصية التي تتمثل القيم الإنسانية بعيدا عن التشويه والتضليل والزيغ، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (الأنعام:161).

3. المحور الثالث (العلاقة التربوية): بين المربي والمتربي، ويهدف إلى بناء المناخ التربوي والعلاقة العاطفية الإيجابية بين المربي والمتربي، بحيث تزول الحواجز النفسية التي تمنع الاستفادة والتلقي، وتبني الثقة وتزرع التفاؤل، وتغرس الإحساس بالمسؤولية، وتصحح الخطأ وترمم العلاقة وتعزز المصداقية.

4. المحور الرابع (المنهجية التربوية): وفيها نجيب على سؤال الكيفية، كيف نسير؟ وكيف نحافظ على المسار الصحيح، ونتعاهد المتربي ونقوم سلوكه أولا بأول، لنصل به إلى الاستقلالية التربوية أو ما يسمى (الفطام التربوي) والرقابة الذاتية، ونعالج أزماته وتراجعاته.

5. المحور الخامس (الأساليب وأدوات التنفيذ): وفيه نبين أهم الأساليب التربوية التي طبقها النبي والتي أثبتت فعاليتها ونجاعتها في التربية والتأثير والتغيير في الفكر والسلوك، كما نبين كيف نستفيد من الوسائل والأدوات والموارد والمواقف ونوظفها التوظيف التربوي الصحيح.

6. المحور السادس (مراعاة المتربي): فكل متربي له شخصيته وله ظروفه وقابلياته واستعداداته، وبالتالي يقوم هذا المحور على تخصيص التربية لتناسب كل متربي، وتحوله إلى شخص يتمثل القيم الإسلامية ويتابع المسير.

7. المحور السابع (البيئة والمحضن التربوي): وفيه نتحدث عن صناعة المحصن التربوي، وكيف نحصن المتربي من البيئات الفاسدة ونجعله ينشأ في بيئة تربوية آمنة، مع مراعاة التحصينات اللازمة أمام الفضاءات المفتوحة اليوم عبر الانترنت ووسائل التواصل.

إن هذه المحاور السبعة ليست للتقسيم النظري، بل هي كالتروس التي تعمل في المحرك في وقت واحد، وأي خلل في أحدها سينعكس سلباً على بقية التروس، ويتسبب في توقف حركة المحرك أو يضعفها بشكل كبير.

وفي مقالنا القادم إن شاء الله نبدأ الحديث عن المحور الأول لنحدد الغاية والهدف، ونرسم البوصلة لحماية المربي من التيه، لأن من لا يحدد هدفه يضيع جهده.
المصدر: المجلس الأوروبي للقرآن الكريم



هوامش:
(1) تفسير السعدي (1 / 926)
(2) من كلام الأستاذ عزام زقزوق. ضمن سلسلة “عَمَلِيَّاتُ العَقْلِ-المَفْتوح” (Open-Mind Surgeries) – حَلْقَة (21).



بقلم: د محمد محمود حوا
محاضر في جامعة السلطان محمد الفاتح الوقفية سابقا، ومدرب معتمد في الأكاديمية العالمية للتأهيل القرآني

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...