موقف المسلم من مصائب الأمّة (22)

موقف المسلم من مصائب الأمّة (22)

التصنيف: فقه الدعوة
الجمعة، ٢٤ صفر ١٤٤٨ هـ - ٧ آب ٢٠٢٦
18

دعاء خبيب بن عدي رضي الله عنه.
ومن ذلك إجابة دعوة خبيب بن عدي رضي الله عنه، وكان المشركون قد أسروه في عملية غدر دبرها بعض قبائل العرب، ثم باعوه لأهل مكة ليقتلوه انتقاما لبعض قتلاهم في موقعة أحد.
فلما خرج به المشركون إلى التنعيم ليقتلوه في الحل، رعاية منهم لحرمة الحرم، قال لهم خبيب: دعوني أصلي ركعتين. فتركوه فركع ركعتين فقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت. ثم قال: اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تبق منهم أحدا.(1)
وفي بعض روايات هذا الحديث أن خبيبا لما استقبل الدعاء، لَبَدَ رجل بالأرض خوفا من دعائه. وفيها: فلم يَحُل الحول ومنهم أحد حي غير ذلك الرجل الذي لبد بالأرض.(2)

دعوة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
ومن ذلك أيضاً دعوة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، على الوالي الظالم (زياد بن أبيه).
وذلك أن زياداً كان والياً لمعاوية رضي الله عنه على العراق، وقد نال أهلـَها من ظلمه ما نالهم، فكتب زياد إلى معاوية رضي الله عنه يقول له: إني قد ضبطت لك العراق بشمالي ويميني فارغة، فارع لي ذلك. وهو يُعرِّض له أن يستنيبه على بلاد الحجاز أيضا.
فلما بلغ ذلك أهل الحجاز جاؤوا إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فشكوا إليه ذلك، وخافوا أن يلي عليهم زياد، فيَعسِفهم كما عسف أهل العراق، فقام ابن عمر رضي الله عنهما، فاستقبل القبلة فدعا على زياد والناس يؤمنون.
جاء في دلائل النبوة للبيهقي أن ابن عمر قال في دعائه: اللهم إنك تجعل في القتل كفارة لمن شئت من خلقك، فموتاً لابن سمية لا قتلاً».
فطـُعن زياد بالعراق في يده - أي أصابه الطاعون فيها - فضاق ذرعًا بذلك، واستشار شريحًا القاضي في قطع يده، فقال له شريح: إني لا أرى ذلك، فإنه إن لم يكن في الأجل فسحة لقيت الله أجذم قد قَطَعْتَ يدك خوفا من لقائه، وإن كان لك أجل بقيت في الناس أجذم فيعير ولدك بذلك، فصرفه عن ذلك.
فلما خرج شريح من عنده عاتبه بعض الناس وقالوا: هلا تركته فقطع يده؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المستشار مؤتمن ".(3)
وذكِـر أن زياداً جمع مائة وخمسين طبيباً ليداووه مما يجد من الحر في باطنه، منهم ثلاثة ممن كان يطب كسرى بن هرمز، فعجزوا عن رد القدر المحتوم والأمر المحموم، ودفن بالثوية خارج الكوفة، وقد كان برز منها قاصدا إلى الحجاز أميراً عليها، فلما بلغ خبر موته عبد الله بن عمر قال: اذهب إليك يا ابن سمية، فلا الدنيا بقيت لك، ولا الآخرة أدركت.(4)
ونظائر ذلك كثير في كل عصر وجيل، ولا مطمع في استقصائه، ومن أراد أن يستزيد فليقرأ شيئاً من ذلك في (الفتاوى لابن تيمية)، عند كلامه على كرامات الأولياء،(5)
وليقرأ في كتاب (حياة الصحابة للكاندهلوي ) باب الدعاء.(6)
وفي كتاب (سُبُل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد) لمحمد بن يوسف الصالحي الشامي، المعروف بـ: (السيرة الشامية).(7)
فقد جاء في هذه الكتب وفي غيرها من عجائب إجابة الدعاء في هذه الأمة ما تهون عنده العجائب التي تروى عن بني إسرائيل.
وكل ذلك مما يحفز المسلم على الدعاء، ويغريه بالإقبال عليه إقبال الموقن، لا إقبال المتردد الذي يجرب ربه سبحانه، ولا إقبال المَلول الذي لا يلبث أن يستبطئ الإجابة فيدع الدعاء، فيحرم نفسه بركة الإجابة كما يحرمها أجر الدعاء.
وقد نهينا عن كلا الأمرين، عن دعاء المتردد ودعاء الملول.
فأما النهي عن دعاء المتردد، ففي صحيح مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِذا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلا يَقُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ. وَلَكِنْ لِيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ وَلْيُعَظِّمْ الرَّغْبَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ).(8)
وأما النهي عن دعاء المَلول، ففي صحيح مسلم أيضا من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أيضاً، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (لا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: (يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي. فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ).(9)
ومن المعلوم أن الإلحاح على الله بالدعاء من أسباب الإجابة، فإذا رأى العبد أن دعاءه لم يستجب فليحفزه ذلك على المزيد من الدعاء، متحرياً من نفسه شروطه القولية والقلبية.
وما أحسن قول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني لا أحمل هَمَّ الإجابة ولكن أحمل هّمَّ الدعاء.!

المبحث السادس: أمل، لا قنوط:
لعل من أهم عناصر موقف المسلم من المصائب المتتالية على الأمة، ومن تراجع الأمة المتواصل بخـُطاً واسعة متسارعة.. من أهم عناصر الموقف الإيجابي المثالي الذي يجب أن يتحلى به المسلم: ألَّا يُـْشِرع أروقة نفسه لرياح القنوط وعواصف اليأس والإحباط لتسكن في صدره وتستعمر نفسه.
أجل، إن اطـّراح القنوط ومدافعة الإحباط من أهم مقومات موقف المسلم في هذه الأزمان.
وذلك أننا نرى من سرعة الانحدار في هاوية الهوان ما لا يكاد يُصدق، إن كان في المجال الاقتصادي والعسكري، أو كان في مجال الفكر والتصور والانتماء، بل حتى على مستوى كينونة الأمة وذاتيتها، واستقلالها في هويتها ووجودها، مما لم يكن المرء يتصوره قبل قليل من الزمان.
وأحيانا ترى من جديد الهوان ما لم تكن تتصوره قبله ببضعة أيام، فكيف إذا ما قارنا الحال بما قبل عقد من الزمان؟!
وإن الانحدار في دركات الهزيمة على هذا النحو من السرعة الذي نرى ونسمع شواهده في كل نشرة أخبار، لمِمَّا يُمهد ويوطد لجيوش اليأس والقنوط أن تغزو نفوس المسلمين من خلال أسلحة الإعلام الموجه، المتمثل في الدراسات والتحليلات والتحقيقات التي تُرَسِّخ روح اليأس والهزيمة والإحباط .
ولذلك فإننا ،وفي هذا الظرف بالذات، نقول بملء أفواهنا، وملء نفوسنا وقلوبنا: لا لليأس والإحباط.
ولا نقول هذا بمنطق المكابرة أو تجاهل الواقع أو القفز على الحقائق، وإنما نقوله بمنطق اليقين الراسخ بقوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)}
وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا).(10)
هذه حقيقة معروفة ملموسة، لها حضور لافت في ثقافة الأمة وأدبياتها، وقد عبَّر عنها الحكماء بعبارات شتى، فقال بعضهم:

ما بين طرفة عين وانتباهتها ** يغيِّر الله من حال إلى حال.


وألطف منه قول آخر:

ولرُب نازلة يضيق بها الفتى ** ذرعاً وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ** فـُرجت وكنت أظنها لا تفرج


وألطف منهما قول ثالث(11):

وكمْ للّهِ من لطفٍ خفيِّ ** يَدِقُّ خفاه عن فهمِ الذكيِّ
وكم يُسْرٍ أتى من بعدِ عُسْرٍ ** ففرَّج كُربة القلبِ الشجيِّ
وكم أمرٍ تـُساءُ به صباحاً ** وتأتيكَ المَسرةُ بالعشيِّ
إِذا ضاقَتْ بكَ الأحوالُ يوماً ** فثقْ بالواحدِ الفردِ العليِّ
تشفـَّعْ بالنبي فكل عبدٍ ** يُجار إذا تشفع بالنبي
وَلاَ تَجْزَعْ إذا ما نابَ خَطْبٌ ** فكم للهِ من لُطفٍ خفي

القنوط من رحمة الله ضلال ومأثم عظيم، لما جاء فيه من الوعيد، ولما يورثه من القعود وترك العمل، وترك الأخذ بالأسباب المشروعة.
فأما الضلال والوعيد، فلأن الله تعالى قال في حكاية قول إبراهيم عليه السلام: {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ} [الحجر: 56]
وقال سبحانه في حكاية قول يوسف عليه السلام: {إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87]
وناهيك بهذا وعيداً
وأما أن القنوط يورث القعود، فلأن الإنسان إذا فقد الأمل في التصحيح والتغيير الإيجابي، رأى أن المحاولة عبث ومضيعة وقت، وأن من العقل أن لا يحاول، ولا يعمل على إصلاح أو تغيير.
وهذا هو أخطر ما في الأمر، وهذا الذي يحبه العدو ويتمناه، ويجهز له كتائب الدعاية والإعلام والفكر المضلل.

ثم إنّه يساند هذه الدعوة إلى نبذ اليأس واطـّراح الإحباط، كثير من الوقائع التي يرى فيها المسلم الفرَج العظيم بعد الشدة الخانقة، أو الرحمةَ الغامرة بعد اليأس المطبق، أو النصرَ المبين بعد الهزيمة المنكرة والعجز المهين.
وقد جاء في الذكر الحكيم نماذج من ذلك، منها ما هو على مستوى الأفراد، ومنها ما هو على مستوى الجماعة والأمة، كما نقلت لنا كتب التاريخ وقائع من الفرج بعد الكرب ومن كشف الغمة على مستوى الأمة، مما لا يدع لليأس موطئ قدم في النفوس المؤمنة.

أولاً: نماذج قرآنية:
إبراهيم عليه السلام.
فمن النماذج التي حكاها القرآن في ترسيخ مبدأ منافاة الإيمان للقنوط، ما كان من خبر إبراهيم عليه السلام، وقد بشرته الملائكة بولد على كِبَر سنه وعقمِ امرأته وعجزها، بشرتهما الملائكة بغلام، وسمَّوْه لهما، وبغلام يولد لذلك الغلام، وسمَّوْه لهما.
قال تعالى في حكاية ذلك: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) {قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73)} [هود]
وأقل ما قيل في عُمُر إبراهيم عليه السلام وقت البشارة أنه كان ابن مائة سنة. وقيل: كان ابن مائة وعشرين.
وأقل ما قيل في عمر زوجه سارة أنها كانت بنت تسعين سنة. وقيل كانت بنت تسع وتسعين.

ولم تكن سارة وحدها في التعجب من تلك البشارة، بل قد أظهر إبراهيم عليه السلام، التعجب أيضاً، كما حكت آيات سورة الحجر: {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52) قَالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (53) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ (56)} [الحجر]
ولم يكن سيدنا إبراهيم عليه السلام قانطاً، حاشاه وهو أبو الحنفاء وأحد أولي العزم، ولكنه تعليم لكل مؤمن أن لا يكون قانطاً من الرحمة والفرج ولو كانت الأسباب ضعيفة أو بعيدة أو معدومة.
ولذلك فإن إبراهيم عليه السلام قد بيَّن بجِلاء أنه لم يسأل عن قنوط، بل عن استغراب وتعجب من هذه القدرة الربانية المطلقة.
ولنقرأ مرة أخرى: {قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ (56)} [الحجر]
فالقنوط ضلالة تدل على مدى جهالة العبد بقدرة ربه ورحمته سبحانه. والخليل عليه السلام منزه عن ذلك ولا بد.

يعقوب عليه السلام:
وهذه واقعة أخرى من وقائع الفرَج بعد طول الكرب مما ذكره القرآن الكريم، وهي قصة يعقوب عليه السلام وقد فقد ابنه يوسف في واقعة كيدٍ كاده فيها إخوته الذين حملتهم الغيرة من يوسف على أن يلقوه في الجب لتخلُص لهم مودة أبيهم - بزعمهم - بعد أن كان يستأثر بها يوسف وأخوه بنيامين.
ثم فقـَد يعقوبُ عليه السلام من بعد يوسف ابنـَه الثاني الأثير لديه (بنيامين) وذلك في واقعة كيد أخرى كادها الله ليوسف هذه المرة بعد أن صار عزيزَ مصر وصاحب الأمر والنهي فيها.
وبمقتضى ذلك الكيد احتجز يوسف أخاه بنيامين في مصر، مما حال دون عودته إلى أبيه في الشام.
وقد عظـُم حزن يعقوب على ولديه وطال شوقه وبكاؤه حتى فقد بصره. {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف: 84]
ولكنه عليه السلام لم ييأس حتى بعد أن مرت عقود على فقد يوسف. فكان عليه السلام مدرسة في التمسك بأهداب الأمل ومقاومة القنوط.
قال سبحانه في حكاية قول يعقوب يخاطب أبناءه، بعد أن أبلغوه بفقد ابنه الثاني بنيامين: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87]
ومعنى قوله: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} أي لا تقطعوا الأمل بالفرَج.
وذلك أن المؤمن في الشدة ما ينفك يرجو الفرَج من الله، في حين يسرع إلى الكافر القنوط.

وقد تحقق ليعقوب عليه السلام مأموله، فقد جمع الله شمله بيوسف وأخيه بعد أن مضى على غيبة يوسف اثنتان وعشرون سنة - على أقل ما جاء في أقوال المفسرين - وقيل: بعد فقد يوسف بست وثلاثين سنة. وقيل: بأربعين سنة. وقيل بثمانين. وقيل بأكثر من ذلك.(12)

ففي هذا القصص الحق ما يرسخ مبدأ التحرر من القنوط واليأس دينياً، وذلك لأن القرآن جعل القنوط من صفات الضالين، كما سبق في قصة إبراهيم: {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ} [الحجر: 56]
وجعل اليأس من صفات الكافرين، كما في قصة يوسف: {وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87]}

فلا مكان لليأس عند المؤمنين في نصوص الدين.
كما أنه لا مكان له في وقائع تاريخ المسلمين، كما سنرى في الجزء التالي إن شاء الله.


هوامش:
(1) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدراً.
(2) فتح الباري لابن حجر، ط: دار المعرفة، جـ7، ص383.
(3) هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، جميعهم من حديت أبي هريرة رضي اللّه عنه.
(4) البداية والنهاية لابن كثير، جـ8، ص455
(5) الفتاوى، جـ11، ص276 وما بعدها.
(6) حياة الصحابة، الباب الخامس عشر، باب دعوات الصحابة. جـ3، ص325 وما بعدها.
(7) السيرة الشامية، جماع أبواب معجزاته صلى الله عليه وسلم بإجابة دعواته.
(8) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء، بَاب الْعَزْمِ بِالدُّعَاءِ
(9) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء، بَاب بَيَانِ أَنَّهُ يُسْتَجَابُ لِلدَّاعِي مَا لَمْ يَعْجَلْ .
(10) مسند الإمام أحمد، بِدَايَة مُسْنَد عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، الحديث رقم 2666
(11) الأبيات في الديوان المنسوب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ونسبها الحافظ ابن حجر في (الدرر الكامنة) إلى ابن البصيص نجم الدين المجود، حموي توفي سنة 716هـ . قلت: وهو أشبه. والله أعلم .
(12) انظر تفسير الطبري والقرطبي وابن كثير، سورة يوسف، الآية: 100


بقلم: إبراهيم يوسف منصور

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...