أيام من المحنة مع الشيخ المجاهد الشهيد محمد خير زيتوني 1944 - 1980م

أيام من المحنة مع الشيخ المجاهد الشهيد محمد خير زيتوني 1944 - 1980م

التصنيف: علماء مجاهدون
الجمعة، ١٥ شوال ١٤٤٧ هـ - ٣ نيسان ٢٠٢٦
796
محمد خير زيتوني...
محمد خير زيتوني...
الميلاد :- الوفاة :

التعريف بالشيخ محمد خير رحمه الله:
ولد الشيخ محمد خير زيتوني عام 1944م في حي (أقيول) بمدينة حلب، لأبوين صالحين تقيَّين.
والده: الشيخ عبد القادر زيتوني رحمه الله تعالى، من مواليد 1918م، كان يعطي الدروس في جامع (بانقوسا) في حال غياب الشيخ عبد الله سراج الدين رحمه الله عن الدرس.
وأما والدته فهي نديمة زيتوني رحمها الله، وهي شريفة النسب، من مواليد حلب 1925م.


دراسته وتعليمه:
‏درس الشيخ محمد خير زيتوني الابتدائية، والإعدادية، ودخل بعدها إلى المدرسة (الشعبانية)، وتلقى فيها العلوم الشرعية على أيدي كبار علماء حلب، وفي مقدمتهم الشيخ عبد الله سراج الدين، والشيخ أحمد قلاش، والشيخ بكري رجب، وغيرهم.. ولكن الشيخ محمد خير لم يكتف بالحضور عند مشايخ (الشعبانية)، وإنما كان يحضر عند أكثر علماء حلب وفي مقدمتهم الشيخ عبد الله علوان، والشيخ طاهر خير الله، والشيخ محمد ملاح، وغيرهم.. رحمهم الله جميعاً.
‏وبعد أن أنهى دراسته في المدرسة (الشعبانية)، انتسب إلى كلية اللغة العربية في جامعة الأزهر، وتخرج منها عام 1977م.


‏صفاته وأخلاقه:
‏كان رحمه الله أبيض الوجه، ذو لحية شقراء، وعينان زرقاوان، تغلب عليه الحركة، والنشاط، فكان لا يهدأ بين المساجد، والرحلات.. كان كريماً، يداعب ضيفه، ويقدم له الطعام مردداً قوله تعالى: (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ)..
كان يتكلم اللغة العربية الفصحى، ويأمر أولاده، وأهله بذلك، وينصح أصدقاءه، ومحبيه بذلك أيضاً، ويعدُّ ذلك من شعائر الإسلام..
‏كان متواضعاً متسامحاً ذو نفس صافية، لا تفارق البسمة شفتيه إلا إذا رأى منكراً، فكان يغضب غضباً شديداً حتى يزول ذلك المنكر.
‏كان شجاعاً مقداماً يجمع بين صفتين: الذلة على المؤمنين، والعزة على الكافرين..


مؤلفاته:
ترك الشيخ محمد خير رحمه الله عدة مؤلفات، أهمها:
1- كفاية المصلي: وهو أشهر كتبه، وقد قدم له الشيخ أحمد قلاش رحمه الله تعالى.
وقد تناول فيه المؤلف أحكام الصلاة، مقارناً بين المذهبين الحنفي، والشافعي.
2- رسالة المسجد في الإسلام.
3- سلسلة الأربعينيات.


وصية الشيخ لي:
كان الشيخ محمد خير رحمه الله قد أوصاني قبيل استشهاده بعدة أيام عندما كنت معه في سجن تدمر، بأن أعتني بمؤلفاته التي تركها مخطوطة بخط يده رحمه الله، وأكمل ما يحتاج منها إلى إتمام، ومنها: (كفاية المزكّي، وكفاية الصائم، وكفاية الحاج..).
فقد قال لي رحمه الله: أريد أن أوصيك بوصية يا أبا أسامة.
قلت: وما هي الوصية يا شيخ محمد؟
قال: إنني أشعر أن هؤلاء المجرمين ربما يغدروا بنا جميعاً، أو ببعضنا في أي لحظة، فإذا كتب الله لي الشهادة في سبيله، وكتب الله لك الخروج من السجن فأنت موكل، ومؤتمن على هذه المخطوطات التي كتبتها، تعتني بها، وتكملها، ثم تطبعها إن شاء الله تعالى.. ولك الشكر مني، والأجر والمثوبة من الله تعالى.
وشاءت الأقدار أن يستشهد الشيخ محمد خير رحمه الله تعالى، وشاء الله أن أخرج من السجن عام 1995م، ولما سألتُ عن تلك المخطوطات، وتواصلت مع الأخ الفاضل أسامة زيتوني حفظه الله، وهو الابن الأكبر للشيخ محمد خير رحمه الله، تبين لي أن هذه المخطوطات قد ضاعت، وذلك نتيجة المداهمات، والتفتيش المتكرر لبيت الشيخ، ولم أعثر على أيّ منها حتى الآن.


اللقاء الأول مع الشيخ محمد خير زيتوني رحمه الله:
كان لقائي الأول مع الشيخ محمد خير رحمه الله في عام 1968م، عندما كنت في زيارة مع عدد من زملائي في المدرسة للأخ الفاضل عبد الجبار الزيدي حفظه الله، وكنا سوية في الثانوية الشرعية (الخسروية)، وكان من جملة الحاضرين حينها الشيخ محمد خير رحمه الله تعالى، الذي طلب من الحضور أن يتعارفوا بينهم، وكان الشيخ محمد خير هو الذي يدير هذا التعارف حيث قدَّم لنا بمقدمة قال فيها:
(يا إخواني: إنه من المستحب في الإسلام إذا اجتمع عدد من الناس في مكان واحد، أن يتعارفوا فيما بينهم لتحصل الألفة، والطمأنينة فيما بينهم، وفي نفس الوقت هو تطبيق لسنة إلهية في الحياة إذ يقول الله تعالى: {وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا}.
ثم بدأ الشيخ محمد خير هو بنفسه، فقال: أنا أخوكم في الله محمد خير زيتوني، وكنيتي: أبو أسامة، وذكر أثناءها أن الكنية من السنة، ‏وذكر لنا بأن النبي عليه الصلاة والسلام كنيته: (أبو القاسم)، وهكذا الصحابة رضوان الله عليهم.. فأبو بكر الصديق اسمه عبد الله بن أبي قحافة، وكنيته (أبو بكر)، وعمر بن الخطاب كنيته (أبو حفص)، وعثمان بن عفان كنيته: (أبو عبد الله)، وعلي بن أبي طالب كنيته: (أبو الحسن)، وكنيته أيضاً: (أبو تراب)، كناَّه بها النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا بقية الصحابة رضي الله عنهم...
ثم قال رحمه الله: دعونا نكمل التعارف.. فكان كل واحد منا يذكر اسمه دون أن يذكر لنفسه كنية، وأغلبنا في تلك اللحظة لم يكن له كنية، لأننا لم نكن نعلم بهذه السنة النبوية، وكنا يومئذ في الصف الثاني الإعدادي.. لكن هنا بدأ كل واحد منا يختار لنفسه كنية.. فمنهم من يقول: أنا أكنّي نفسي أبا حفص، ومنهم من يقول: أنا أكنّي نفسي أبا أنس، وهكذا.. إلى أن وصل الدور عندي، فقال لي الشيخ محمد خير: وأنت يا حسن بماذا تكني نفسك؟، فقلت: أكني نفسي أبا أسامة..


لقاءات متفرقة:
مضت الأيام، والشهور بعد اللقاء الأول، وأنا أتابع الشيخ محمد خير في بعض دروسه، ومحاضراته في جامع (بلال بن رباح) في حي صلاح الدين بحلب، حيث كان الجامع يغص بالشباب المسلم المتحمس من طلاب المدارس، والجامعات، ومن عامة الناس، وكان الشيخ محمد خير يبعث فيهم روح الإسلام الصحيحة، ويحثهم على الالتزام، وإظهار عزة المسلم في كل مكان، وخاصة في زمن الانحلال، والبعد عن الدين القويم.


‏تكليفي بخطبة الجمعة:
وفي مرة من المرات وبعد سنتين تقريباً سألني الشيخ رحمه الله، لماذا لا تخطب الجمعة يا أبا أسامة؟ وقد وصلتَ إلى الصف العاشر في الثانوية الشرعية، فقلت: إنني غير مدرب على الخطابة. فقال: أنا أدربك يا أبا أسامة.. وبدأ يعلمني، ويدربني على الخطابة، كيف أبدأ خطبة الجمعة، وكيف أخاطب الناس حتى انتهى بنا المجلس أن كلفني بأن أخطب الجمعة مكانه في مسجده الذي يخطب هو فيه في منطقة (الشيخ سعيد) في ضواحي حلب.. وذهبت فعلاً، وخطبت فيه الجمعة، وصار الأمر بعدها والحمد لله سهلاً، ويسيراً.
‏وأردت يوماً أن أزوره في بيته مع مجموعة من الشباب في منطقة (أقيول) بحلب، فلما وصلنا، وقرعنا الباب، خرج إلينا ولده أسامة، وهو أكبر أولاده، وكان صغيراً يومها لم يتجاوز الخامسة من عمره. فقال لنا: من أنتم؟ فقلنا: نحن أصدقاء أبيك - وكان يتكلم اللغة العربية الفصحى – فقال: إن أبي في الحمام.. انتظروا قليلاً حتى أسأله.. فدخل البيت ثم خرج إلينا، وقال: إن أبي في الحمام، ويقول: إن شئتم أن تدخلوا إلى البيت حتى يخرج، أو تأتون في وقت آخر.. فقلنا: بل نأتي في وقت آخر..


‏في الخدمة الإلزامية:
التحق الشيخ محمد خير بالخدمة الإلزامية، وخلال فترة الجندية كان لا يهدأ في دعوة من حوله من المجندين إلى هذا الدين الحنيف، يعلمهم الوضوء، والصلاة، والصيام، وكل أحكام الإسلام.. مما جعل الضباط المسؤولين عنه يهددونه بالسجن دائماً، وقد دخل السجن عدة مرات.. ولكن الشيخ الداعية لم يكفَّ عن نشاطه، وحركته، ودعوته.. وقد تأثر به عدد كبير من العساكر، مما أدى به أن يتنقل أثناء الخدمة الإلزامية في أكثر من عشرين وحدة عسكرية، حتى سُرِّح من الخدمة عام 1970م.


اعتقاله:
‏في عام 1979م اعتقل الشيخ محمد خير، وتنقل بين فروع المخابرات، وتعرض فيها لأنواع من التعذيب، حتى انتهى به المطاف إلى سجن القلعة، ومكث فيه سنة تقريباً، يدعو فيه السجناء إلى الإسلام، يخطب فيهم الجمعة، ويؤمهم في الصلاة، ويقيم لهم النشاطات، والدروس.. وكانت هذه الفترة فترة مريحة نسبياً للشيخ رحمه الله.. لكن سرعان ما تم نقله إلى (كفر سوسة)، وفيها الإدارة العامة للمخابرات، حيث يتم تجميع السجناء هناك لترحيلهم إلى سجن تدمر العسكري.


(صورة الشيخ محمد خير زيتوني يتوسط عدداً من السجناء في سجن القلعة 1979م)


‏لقائي بالشيخ في كفر سوسة، وترحيلنا إلى سجن تدمر:
في تمام الساعة السادسة صباحاً بتاريخ 19‏/8‏/1980م، فتح السجان الرقيب (حسام) باب المهجع، حيث كنا في (كفر سوسة) في مبنى إدارة المخابرات العامة، وصرخ بأعلى صوته: (انتبه الجميع.. كل واحد يسمع اسمه يضب (يجمع) أغراضه، ويصفّ أمامي تنين تنين ورا بعض).
هنا بدأت الهواجس، والتوقعات في نفس كل واحد منا.. فبعضنا يقول: يبدو إخلاء سبيل إن شاء الله، وبعضنا يقول: يمكن يأخذوننا إلى سجن تدمر، حيث يتم تجميع سجناء الإخوان هناك..
ومنهم من يقول: انتبهوا يا شباب ممكن إعدام.. ولذلك يجب على كل واحد منا أن يتوضأ، ويصلي ركعتين سنة الشهادة..
وقال آخر: لنضع كل الاحتمالات أمامنا.. فلنتوضأ على كل حال، ونصلي ركعتين لله تعالى هما ركعتا سنة صلاة السفر، وبنفس الوقت هما ركعتا سنة الشهادة إذا كتب الله لنا الشهادة في سبيله، والله يختار الخير لنا جميعاً..


قراءة الأسماء في فرع كفر سوسة:
بدأت الأسماء تُقرأ، وبدأ السجناء يخرجون الواحد تلو الآخر إلى ساحة مبنى المخابرات العامة في كفر سوسة، وكان عناصر المخابرات يحيطون بنا من كل مكان وسط استنفار شديد من ضباط، وعناصر الفرع، وكان رئيسه حينئذ العقيد: (حسن حورية).
وبعد أن اكتملت قراءة الأسماء، وقد وصل العدد إلى (56) اسماً، وكان هناك ثلاث سيارات (ميكروباص) تنتظر السجناء، وصعد الجميع إلى الباصات، وكان السجانون يضعون قيداً مشتركاً في أيدي السجناء، كل اثنين في قيد واحد مع بعض، فكان من نصيبي - سبحان الله - أن وضعوا طرف القيد بيدي اليسار، ووضعوا الطرف الآخر من القيد باليد اليمين للشيخ محمد خير زيتوني رحمه الله، وهنا كانت المفاجأة السارة، والمذهلة بالنسبة لي، حينما عرفت أن شريكي بالقيد هو الشيخ محمد خير.. فقلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا شيخ.. فرد الشيخ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته بابتسامته المشرقة، وبوجهه الأبيض الوضاء، ولحيته الشقراء مصفوفة الشعر، وكأنها رُسِمت بيد رسام ماهر متمرس، وكان قد مضى على الشيخ أكثر من سنة في سجن القلعة لم يقص منها شيء، ولا من شعر رأسه، الذي تجاوز شحمتي أذنيه..
لقد منح اللهُ الشيخَ جمالاً في الخَلْق، والخُلُق، مما جعلني أنظر إلى الشيخ وكأني أمام لوحة فنية رائعة، رسمها أبرع الفنانين، والرسامين.. وبعبارة أخرى: شعرتُ وأنا أنظر إلى الشيخ محمد خير، وكأنني أنظر إلى عيسى بن مريم عليه السلام حينما ينزل من السماء في آخر الزمان بين غمامتين، وجبينُه يتقاطر عرقاً مثل الجُمان..


حواري مع الشيخ:
وبعد أن استقر جلوسنا في الباص، بدأتُ أتجاذب مع الشيخ أطراف الحديث بصوت منخفض، لأن عناصر المخابرات الذين يرافقوننا في الباص منعونا من الكلام، وخاصة مع شخص مثل الشيخ محمد خير رحمه الله، وما زلتُ أذكر بعض الكلمات التي سمعتها من الشيخ خلسة - وكان لا يتكلم إلا باللغة العربية الفصحى- حيث سألني كيف أصبحت يا أبا أسامة؟، فقلت: الحمد لله أنا بخير، ونعمة من الله. ثم قال لي: كيف همتك؟، إياك ووساوس الشيطان.. فإن الله معنا، وناصرنا ولو بعد حين..
وبعد دقائق قليلة، أمر رئيس الفرع سائقي الباصات بالتحرك، بعد أن اكتمل العدد، وترتبت الأمور.. ثم انطلقت الباصات، وشقت طريقها في شوارع دمشق، لكن إلى أين؟ لا ندري..
كان في كل باص أربعة من عناصر المخابرات المسلحين يرافقوننا، واحد منهم يقف على الباب الأمامي من الباص، والثاني على الباب الخلفي، واثنان يتجولان داخل (الباص).
ولما تجاوزت الباصات حدود مدينة دمشق باتجاه الشمال، قلت: إلى أين تتوقع نحن ذاهبون يا أخي أبا أسامة؟، فقال لي رحمه الله: هناك احتمالان. إما إلى حلب حيث السجن المركزي هناك، وإما إلى تدمر حيث السجن الحربي، وعلى كل حال لن نخاف، لأن الله معنا، ولن يخذلنا.
وعندما وصلنا إلى مدينة حمص، توجهت الباصات شرقاً، باتجاه طريق (الفوسفات)، حيث وصلنا بعدها إلى مدينة تدمر..


الشيخ ينشد:
في هذه الفترة، وأثناء السفر، كان سائق الباص قد فتح المذياع بصوت عالٍ على بعض الأغاني القومية، والوطنية.. ولكن الشيخ محمد خير أراد أن ألا يسمع تلك الأغاني، فراح يردد، ويترنم ببعض الأناشيد الإسلامية، التي كان ينشدها بعض المنشدين المعاصرين أمثال المنشد أبي الجود حفظه الله، والمنشد الحاج أحمد بربور رحمه الله، وغيرهما.. ولم يكتف بذلك، بل طلب مني أن أشاركه الإنشاد بصوت عالٍ، وبعدها بقليل راح جميع السجناء في الباص يرددون معنا الأناشيد التي كنا نرددها.. ومن هذه الأناشيد:

الدين لنا والحق لنا ** والعدل لنا والكل لنا
أضحى الإسلام لنا ديناً ** وجميع الكون لنا وطنا


وبعدها رددنا أنشودة أخرى وهي:

صلى الله على محمد ** صلى الله عليه وسلم
إنما الإسلام قوة ** وجهاد وفتوة
ونظام وأخوة ** واتباع لمحمد (صلى الله عليه وسلَّم)


حاول عناصر المخابرات الذين يرافقوننا في الباص، أن يمنعونا من النشيد عدة مرات، فكنا نخفض أصواتنا تارة، ونرفعها تارة أخرى، حتى تركونا في نهاية المطاف، حيث سمعتُ أحدهم يقول للآخر: (دعهم يغنوا على كيفهم ما بيعرفوا وين رايحين..)
طبعاً هذه العبارة ما عرفنا معناها إلا عندما دخلنا إلى سجن تدمر، ورأينا جحيمه، وسعيره، ولظاه..


الوصول إلى سجن تدمر:
وصلت الباصات بعد ساعة تقريباً إلى مدينة تدمر، وراحت تتخطى الحواجز العسكرية الواحد بعد الآخر وسط الصحراء المترامية الأطراف، متجاوزة التحصينات الكبيرة من المدرعات، والمدافع، والمتاريس المحاطة بأكياس الرمل، إلى أن وصلنا إلى باب السجن الحربي الرهيب.
خرج مدبر السجن لاستلام السجناء الجدد - ونحن منهم- وكان يدعى المساعد أحمد عيسى من مرتبات الشرطة العسكرية، وكان الإخوة في السجن يلقبونه آنذاك ب: (أبي جهل) بسبب ظلمه، وإجرامه بحق السجناء.. وأذكر مثالاً على إجرامه: أنه عندما وصلنا، ونزلنا من الباص، جئتُ أشكو إليه رئيس السجانين في فرع كفر سوسة، الذي أخذ مني مبلغاً من المال مقابل فاتورة من المشتريات لي، وللسجناء الذين معي، وكان من عادتي أن أجمع بعض المال من الشباب، لشراء بعض الحاجيات هناك.. ولكن رئيس السجانين أخذ مني المال، ولم يأتنا بالمشتريات.. وما كدتُ أكمل كلامي إلا وبادرني بصفعة قوية على وجهي، لم أضرب مثلها في حياتي، أفقدتني الوعي، والسمع، ووقعت على الأرض.. وهنا تذكرت المثل القائل: (كالمستجير من الرمضاء بالنار).


الدخول إلى ساحة التفتيش:
بعد أن اكتمل نزولنا من الباصات، وجدنا عدداً كبيراً من جنود الشرطة العسكرية قد تجمعوا أمام باب السجن، وبدأوا بنزع القيود التي بأيدينا، وأدخلونا واحداً واحداً في ممر ضيق داخل السجن، وقد وقف على طرفي الممر زبانية السجن من الشرطة العسكرية، كل منهم يمسك بسوط عريض أسود، وانهالوا على رؤوسنا بالضرب الشديد المبرح، وهم يصرخون، ويزمجرون كي نسرع للوصول إلى ساحة السجن الكبيرة، التي يتم فيها التفتيش، والتعرف على الأشخاص..
‏صاح أحد زبانية السجن بأعلى صوته: (الجميع وجوهكم إلى الحائط، والكل يخلع لباسه كاملاً، والكل يغمض عينيه..) وهنا ارتفعت أصوات هؤلاء الزبانية بالسب، والشتم.. وبدأت الضربات تنهال علينا كالمطر على الظهور، وعلى الرؤوس، وعلى الأرجل، كما ارتفعت أصوات السجناء بالصياح من الألم، ولسع السياط، وسمعنا مدير السجن يطلب مزيداً من عناصر الشرطة العسكرية ليساعدوا رفاقهم من زبانية السجن في التنكيل، والتعذيب، والسب، والشتم، والنطق بكلمات الكفر التي لا تخطر على بال إنسان عنده ذرة من دين، أو إنسانية.. وكانوا عندما يفتشون سجيناً يصادرون كل ما عنده من مال، أو كتب، أو مصاحف، أو ساعات، أو قصاصة أظافر، أو إبرة خياطة، أو مقص صغير، أو قلم، أو نظارة، أو عقاقير طبية إن وجدت.. ولا يتركون للإنسان إلا ما يستر عورته من قميص ممزق، أو سروال مهترئ، أو بيجامة بالية.. وهذا اللباس القليل المتبقي يُمنَع السجين من لباسه أثناء التفتيش، بل يبق عارياً كما ولدته أمه.


عقوبة الدولاب:
وإذا فرغ السجين من التفتيش يأتي دور عقوبة (الدولاب) وهو فرض عين في سجن تدمر على كل من يدخل هذا السجن، ويسمى بـ: (حفلة الاستقبال)، حيث ينحني السجين ليدخل رأسه، ورجليه في فتحة دولاب السيارة، بحيث ترتفع قدماه إلى الأعلى، ويبقى ظهره على الأرض، ويقف ثلاثة أو أربعة من زبانية السجن حول السجين، وينهالون عليه ضرباً بالسياط على قدميه، لينال حظه من لسعات السياط المؤلمة، وقد تصل إلى مئة، أو مئتين، أو ثلاثمئة سوطاً، بالإضافة إلى الركل بالأرجل على جسده، وهذا يرجع إلى نفسية الجلادين، ومدى حقدهم الدفين في نفوسهم، والانتقام من هذا السجين الضعيف المغلوب على أمره.


تفتيش الشيخ محمد خير رحمه الله:
وبعد ساعة أو أكثر من الزمن، جاء دور الشيخ محمد خير رحمه الله في التفتيش، حيث تقدم أحد زبانية السجن الحاقدين، وقد رأى الشيخ يلبس جبة العلماء المسلمين، وانتشرت لحيته الطويلة الشقراء فوق صدره، فقال لزميله: (يبدو أن هذا حاخام كبير، من حاخامات اليهود الكبار، فتعال نتعرف عليه..) واجتمع عدد من زبانية السجن عند الشيخ، والتفوا حوله، حيث كان يجلس على الأرض، وقد وضع يديه خلف ظهره، وأسند رأسه إلى الجدار، ولكنه لم يخلع كامل ثيابه كما طلبوا، بل أبقى على سرواله الشرعي، الذي تعود الشيخ على لباسه في حياته، فكان سرواله يستر ما بين سرته وركبته.
وهنا تقدم سجان آخر، وقال مستهزئاً: (إيش اسمك أنت يا حاخام؟)
فقال الشيخ بكل جرأة، وشجاعة: أنا لستُ حاخاماً، أنا إمام مسجد، وخطيب جمعة -وكان الشيخ محمد خير لا يتكلم إلا باللغة العربية الفصحى-
فقال أحد الزبانية: لماذا لم تخلع لباسك كله أيها الحاخام الجاسوس؟
قال الشيخ: (أولاً أنا لستُ حاخاماً، ولستُ جاسوساً، ولن اخلع ثيابي لأن هذا حرام..) ولكن لغة الحوار، والمناقشة، مع هؤلاء لا تجدي، ولا تفيد.. هنا بدأ الزبانية بالضرب العنيف، والمبرح على رأس الشيخ، وعلى وجهه، وعلى صدره، وبطنه، ورجليه، ويديه، وظهره.. مع السب، والشتم، والضحك، والسخرية، والنطق بكلمات الكفر، الذي لا يستطيع الإنسان المسلم سماعها بحال من الأحوال..
كنتُ أختلس النظر إلى الشيخ من طرف عيني، حيث كنتُ أجلس بجواره تماماً، وأنا أنتظر دوري بعده في التفتيش، وكنتُ أشاهد كيف كان الشيخ يمسك بأطراف سرواله، حتى لا تظهر عورته، والدماء تسيل منه من كل مكان.. والشيخ يردد بصوت عالٍ: (الله أكبر.. الله أكبر.. الله.. الله..)، والجلادون منهمكون في الضرب على رأسه، وظهره، ورجليه، وكل جسده، حتى اطمئنوا إلى أن الشيخ قد فقد وعيه، وغاب عن الشعور، وأصبح جسداً هامداً، ولكن أنفاسه لم تنقطع..
هنا توقف الجلادون عن الضرب، فخلعوا عنه ثيابه كاملة، وسط مزيد من السب، واللعن، والسخرية، والضحك.. هذا يبصق عليه، وهذا يركله برجله.. إلى أن نادى أحدهم: (بلدية شيلوه (احملوه) إلى المهجع) – (البلدية: هم سجناء في نفس السجن، لكنهم ليسوا سجناء سياسيين، وإنما هم سجناء قضائيون، اقترفوا ما ينافي الأخلاق، من سرقة، ولواط، وهروب من الجيش وغيرها.. -


دوري في التفتيش:
هنا تفرغ الجلادون لمحاسبتي، وتفتيشي، فنزلت في الدولاب وأخذتُ نصيبي من التعذيب، والإهانة، والضرب.. ثم دخلنا جميعاً إلى المهجع رقم (8) في الساحة الثانية من السجن، وقد تجاوزت الساعة الواحدة ظهراً، وقد استغرق استقبالنا حوالي خمس ساعات، ثم أغلق الجلادون علينا باب المهجع وتركونا، وانصرفوا.
‏كنا أول دفعة تدخل سجن تدمر الحربي بعد المجزرة الشهيرة التي نفذتها سرايا الدفاع بتاريخ 27/6/1980م، وراح ضحيتها حوالي /1000/ من سجناء الإخوان المسلمين. وبقي السجن فارغاً فترة شهر تقريباً، ليبدأ بعدها ملؤه من جديد.
‏كانت لحظات رهيبة مليئة بالخوف، والرعب، والألم، والتوجس حول المستقبل.. الكل داخل المهجع كان يلملم جراحه، ويمسح الدم عن أعضائه، وجسده.. وكانت الجراحات تتفاوت من سجين لآخر.. فمنهم من قام يمشي مباشرة بعد قفل باب المهجع، ومنهم من جلس يدلك قدميه ليخفف عنها الورم، والانتفاخ، ويتحامل على نفسه ليدربها على المشي، ومنهم من فقد سمعه، ومنهم من فقد إحدى عينيه، ومنهم من فقد الوعي تماماً، وهو ملقى في زاوية من زوايا المهجع يحتاج إلى من يتعرف عليه، ‏وقد تبدلت ملامحه بعد هذا التعذيب، والتنكيل، فزبانية السجن كانوا قد حلقوا شعر رؤوس السجناء ولحاهم، وشاربهم، ومنهم من حلقوا له حاجبيه تشفياً، وانتقاماً، ومنهم الشيخ محمد خير الذي كان شعره، ولحيته معلماً مميزاً من بين كل السجناء..


إدخال الطعام:
‏لم يمض ساعة من الزمن، وإذ بباب المهجع، يُفتَح فجأة، حيث سمعنا مدير السجن يصرخ بأعلى صوته: (تنين سخرة يطلعوا يدخلوا الطعام).. ولما أدخل الطعام، وجدناه عبارة عن (جاط) أي: وعاء وُضع فيه برغل مطبوخ، و(جاط) آخر وُضع فيه ماء بندورة مطبوخة أيضاً. وهنا صاح مدير السجن: (اسمعوا.. معكم خمس دقائق يجب أن يكون الجاط ممسوح على الآخر، وإلا فالدولاب ينتظر الجميع..)
هنا أكل السجناء الطعام على مضض برغبة، وبغير رغبة حتى فرغ جاط البرغل، وجاط المرقة..


البحث عن الشيخ في المهجع:
في هذه اللحظات انتبهنا أنه قد حان وقت أداء صلاة الظهر، وتلفت الجميع يميناً، ويساراً يسألون عن الشيخ محمد خير.. وبدأوا يتساءلون: هل هو معنا في المهجع، أم إنهم أدخلوه إلى مهجع آخر..
أما أنا فبدأتُ أتفحص وجوه السجناء في المهجع واحداً بعد الآخر بحثاً عن الشيخ محمد خير، فلم أره بادئ الأمر، ولكني سرعان ما سمعت صوتاً ينادي: أبا أسامة.. أبا أسامة.. تعال إليَّ أريدك..
نظرتُ إلى صاحب الصوت وإذ بالمفاجأة المؤلمة المحزنة حين تأكدت أن المنادي صاحب الصوت هو الشيخ محمد خير رحمه الله..
‏لقد حلقوا شعر رأسه، ولحيته الشقراء الجميلة، وشاربه، وانتفخ وجهه، وظهرت بقع الدم على جبينه، وعينيه، وكانت المفاجأة أكبر حينما نظرت إلى ظهره، وقدميه.. لقد انسلخ جلد ظهره، وكانت الدماء تسيل من كل مكان في جسده، من ظهره، وصدره، وقدميه، وعضديه.. لم أستطع النظر إليه، ورحت أقول: قاتلهم الله.. أخزاهم الله.. ماذا فعلوا بك يا شيخ؟.. لكن الشيخ المؤمن الصابر المحتسب، قال لي وهو يبتسم: (يا أبا أسامة لا تجزع، ولا تحزن.. لقد لاقى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من التعذيب، والتنكيل أكثر من ذلك، وصبروا، واحتسبوا، ونشروا هذا الدين حتى وصل إلينا والحمد لله.. ونحن على طريقهم إن شاء الله.. نسأل الله أن يقبلنا، وأن يرزقنا الشهادة في سبيله..
كان الجو حاراً، والذباب منتشر في كل مكان، وكان الشيخ بحاجة إلى من يقف بجانبه فهو لا يستطيع الوقوف على قدميه المتورمتين من آثار الضرب، وجراحه التي تنزف بحاجة إلى من يضمدها، ويعتني بها.. لكن الجميع كانوا يعانون من نفس المشكلة، فكل واحد منا يمسح جراح نفسه، ويدلك قدميه ليستعين شيئاً فشيئاً على الوقوف، والمشي.. لكن ماساة الشيخ كانت أكبر، وأشد من الجميع.. إلا أن روح الشيخ السامية، والموصولة بالله سبحانه كانت تظهره وكأنه الأخف جراحاً، ومعاناة..


همة نادرة:
ولا زلتُ أذكر هذا الموقف المؤثر، والمشجع في نفس الوقت.. ففي اليوم الأول الذي تم فيه الاستقبال، مع ما فيه من أذى، وتعذيب، وبعد أن أمسى المساء، وأقفل باب المهجع، وساد سكون نسبي في السجن، قمت لأتفقد حال الشيخ، وفجأة وقع بصري على الشيخ متمدداً على شقه الأيمن، لأنه لا يستطيع أن يلامس ظهره الأرض، من شدة الجراح، والبثور التي ظهرت على جسد الشيخ.. وبدأت أدعو الله تعالى أن يخفف عن الشيخ هذا الحال، ولما رآني قادماً باتجاهه، فرح، وتهلل وجهه، وصاح مبتسما أين أنت يا أبا أسامة؟ ألا تعلم أني مشتاق إليك؟ وإلى صوتك الجميل.. هات أسمعني شيئاً مما تحفظ من القرآن، لعلنا ننسى ما قد حلَّ بنا، فالقرآن أنيس المسلم في كل مكان، في الرخاء، والشدة، والبيت، والسجن، وفي كل مكان.. أليس كذلك يا أبا أسامة؟ .. قلت: بلى، وبدأت أتلو على مسامع الشيخ بصوت منخفض بعض الآيات الكريمة التي كنتُ أحفظها من سورة الأحزاب، وكان الشيخ يصحح لي إن أخطأت في القراءة، أو في الأداء، وكان حريصاً على أن تكون القراءة صحيحة مجوَّدة على أتم وجه.. ولم يكتف الشيخ بسماع الآيات، بل كان يقف عند بعض الآيات يستوحي منها المعاني، والدروس، والعبر التي تفيدنا في محنتنا، ودعوتنا، ولا سيما عندما وصلت إلى قوله تعالى: (إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا)
‏هنا قال لي الشيخ: ألا ترى يا أبا أسامة أن حالنا في هذه الأيام يشبه حال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غزوة الأحزاب في شدة البلاء؟، ثم قال: ولكن الله معنا، وسينصرنا على هؤلاء الطغاة كما نصر نبيه، والصحابة على أعدائهم.. هنا بدأ السجناء في المهجع يقتربون منا شيئاً فشيئاً، ليستمعوا هذه الكلمات الطيبة الصادرة من قلب مؤمن صادق واثق بنصر الله، وتأييده..
حاول الشيخ عدة مرات أن ينهض ليستوي جالساً، لكنه لم يستطع، فكان يستميحنا عذراً، لأنه يحدثنا وهو مستلقٍ على الأرض بسبب الجراح، والآلام التي أصابته.


شباب المهجع في حوار مع الشيخ:
هنا بدأ بعض الشباب يطرحون على الشيخ بعض الأسئلة التي تدور في أذهانهم، حيث قال أحدهم: يا شيخ إلى متى سيستمر هذا الحال علينا، ونحن ننتقل من تحقيق إلى تحقيق، ومن سجن إلى سجن، ومن عذاب إلى عذاب؟
‏قال الشيخ: اسمعوا مني يا شباب.. نحن عندما انتسبنا إلى هذه الدعوة علمنا بأن طريقها وعر، وشاق، وليس مفروشاً بالورود، والرياحين.. وأن نهاية هذا الطريق هي إحدى الحسنيين: إما النصر، والتمكين في الدنيا، وإما الشهادة في سبيل الله، وبالتالي إلى جنة عرضها السماوات والأرض مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وخالد، وأبي عبيدة، رضي الله عنهم أجمعين..
ثم تابع الشيخ محمد خير يقول: يا شباب ألم نكن ننشد، ونهتف دائماً: الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا. يا شباب: إنما هي أيام معدودات ستمضي، وتنقضي، ويثبت لنا فيها الأجر إن شاء الله، ونحن على يقين بأن الله معنا، وسينصرنا ولو بعد حين.. أما قرأنا قول الله عز وجل: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا)
ثم أردف قائلاً: هذا وعدُ الله يا شباب ولن يخلف الله وعده، فاستبشروا بنصر الله، وأبعدوا عنكم وساوس الشيطان، فإنه عدو المؤمن الأول..
كانت كلمات الشيخ تسري في قلوب السجناء، فتملؤها بالطمأنينة، والرضى بقضاء الله وقدره، وتبعث فيها الأمل، والتفاؤل بنصر الله، وتأييده، وحفظه..


القيام لصلاة العشاء:
هنا انتبه الشيخ أن صلاة العشاء قد حان وقتها، ولم يكن معنا ساعة نتعرف من خلالها الوقت، ولم نكن نسمع الآذان.. فطلب الشيخ محمد خير من أحد الشباب أن يؤذن وكان ذا صوت شجي، وجميل، وكان هذا الشاب يدعى أبا أنس وهو محمد رستم، وكان طالباً جامعياً، في السنة الثانية طب أسنان.. ثم قام الشباب لأداء الصلاة، ولكن قسماً منهم لم يكن يستطيع الوقوف للصلاة من شدة الأذى الذي لحق بهم في حفلة الاستقبال، فأفتاهم الشيخ بجواز الصلاة جالساً، ولكنه لم يسمح لنفسه إلا أن يصلي واقفاً، رغم شدة جراحه، وتورم قدميه.. ثم تحامل على نفسه، ووقف خلف الإمام يركع، ويسجد بصعوبة بالغة..
وما أن انتهت الصلاة حتى رفع الشيخ صوته بقوله بعد الصلاة: (اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام).. وراح يذكرنا بالتسبيحات بعد الصلاة ثلاثاً وثلاثين، وكذلك التحميد، والتكبير.. ولما فرغنا من الأذكار بعد الصلاة، بدأ الشيخ بالدعاء بصوت عالٍ يدعو على الظالمين، والحكام الطغاة المتجبرين، وأن يفرج الله عن السجناء المظلومين، ويطلق سراحهم، وأن ينصر الإسلام، والمسلمين أينما كانوا.. وكان الشباب في هذه اللحظات يعتريهم الخوف الشديد، لآنهم يخشون أن يصل صوت الشيخ إلى مسامع زبانية السجن، فيتخذونها ذريعة، لمزيد من التعذيب، والتنكيل.. لكن الشيخ لم يظهر عليه شيء من علامات الخوف، والرعب، حيث كان مثالاً في الشجاعة، والجرأة، والتوكل على الله.


مذاكرتي للقرآن الكريم مع الشيخ رحمه الله:
‏وبعد الفراغ من صلاة العشاء قام الشباب وانتشروا في أطراف المهجع، وبقيتُ وحدي مع الشيخ اساله عن حاله، وصحته، وجروحه، فقال: الحمد لله دائماً، وأبداً.. المهم أن يكون الله راضياً عني، وتائباً عليَّ، وبعد ذلك الكل يهون.. وراح يردد قول الرسول صلى الله عليه وسلم يوم رجع من الطائف، (اللهم إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي..).
‏سكت الشيخ قليلاً ثم قال لي: كم تحفظ يا أبا أسامة من القرآن الكريم؟
قلت: أجزاء قليلة متفرقة من القرآن الكريم..
قال: ما رأيك أن تبدأ بالحفظ من الآن؟ فهذه فرصة ذهبية لحفظ القرآن كاملاً، أليس كذلك يا أبا أسامة؟
قلت: بلى.. ولكن ننتظر أياماً قليلة حتى تذهب عنا هذه الآلام، ونرتاح قليلاً من الجراح التي أصابتنا..
‏قال الشيخ: لا يا أبا أسامة.. هذه من حبائل الشيطان، الذي يسوّف للإنسان، ويؤجله حتى يمضي عمر الإنسان بدون فائدة..
قلت: إذن نبدأ من الآن، ونتوكل على الله..
‏قال لي الشيخ: أنا متأكد أنك تحفظ سورة (يس)، فعلينا أن نبدأ بالسورة التي بعدها، وهي سورة (الصافات).. وهنا بدأ الشيخ بالاستعاذة، والبسملة، ثم قال ردد معي:
(وَالصَّافَّاتِ صَفًّا. فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا. فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا. إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ...) إلى أن قرأ عشر آيات من بداية السورة، ثم قال: هاتِ اسمعني، وأنا أصحح لك.. ولم يمض عشر دقائق، حتى استطعتُ والحمد لله أن أحفظ الآيات الأولى من سورة الصافات. ثم قال الشيخ لي: هذه بداية طيبة مباركة يا أبا أسامة، وسنتابع الحفظ كلما سنحت لنا الفرصة، حتى لا يضيع الوقت بدون فائدة.. والله سيسألنا عن كل وقت يضيع منا..
‏هنا تلفت الشيخ يمنة ويسرة، ثم قال لي: أين هذا الشاب الذي أذَّن فينا لصلاة العشاء؟ حقا إن صوته جميل.. هاتِه، ونادِ عليه لعله يسمعنا شيئاً من الأناشيد الإسلامية..
‏قلتُ: لعلك تقصد الشاب أبا أنس محمد رستم.. ها هو قريب منا.. ثم ناديتُه، وقلت: أبا أنس إن الشيخ يريدك.. فلما أقبل إلينا، قال له الشيخ: هاتِ يا أبا أنس، أسمعنا من هذه الأناشيد الإسلامية فإنها تنعش القلب، والروح، ونحن الآن بأشد الحاجة لذلك..
وما كاد أبو أنس يفكر في النشيدة التي يريد إنشادها، حتى بادره الشيخ بنشيدة:

هلل الفتح المبين ** يا جنود المسلمين
رغم أنف الكافرين ** رددوا الله أكبر


هنا بدأت أنا، وأبو أنس، والشيخ محمد خير نردد هذه الأنشودة الجميلة الحماسية، ووصل صوتنا إلى جميع أنحاء المهجع، مما جعل الشباب يلتفون حولنا من جديد، لسماع هذه النشيدة، وغيرها من الأناشيد، ومنها قصيدة الشاعر محمد منلا غزيل رحمه الله التي يقول فيها:

بعقيدتي بالحق بالإيمان يعصف في دمي
بالنور بالإعصار جياشاً بوهج الأنجم
بالروح تزخر بالهدى بهدى النبي الأعظم
بسنا القلوب الظامئات إلى اللقاء الملهم
سنعيدها غراء إسلامية يا امتى


وهنا ساد جو من الراحة الإيمانية بين الشباب، مما أنساهم شيئاً من الجروح، والأتراح التي لحقت بهم خلال النهار، لا سيما بعد أن اطمأن الجميع أن باب المهجع مقفول، وباب الساحة الخارجية مقفول أيضاً، والصوت لا يصل إلى إدارة السجن التي تبعد خمسين متراً عن المهجع..


الشيخ محمد خير يؤمنا في صلاة التراويح:
أيام قليلة مضت، وجروح الشيخ بدأت تتماثل للشفاء، وكنا في هذه الفترة نعيش شهر رمضان المبارك، من عام 1980م
‏فأراد الشيخ أن يؤمنا في صلاة العشاء، وصلاة التراويح، حيث صار بإمكانه الركوع، والسجود.. وأذكر أنه وقف الشيخ يؤمنا في إحدى ليالي العشر الأخير من رمضان.. وبعد أذان العشاء، والإقامة، وقف الشيخ إماماً، وراح يقرأ بصوت عالٍ، وجميل.. وبعد قراءة الفاتحة، بدأ بسورة (ق)، ونحن في حالة خوف أن يصل الصوت إلى مسامع زبانية السجن، فهذه - في نظرهم- جريمة لا تغتفر، لأن الصلاة عندهم ممنوعة أولاً، وصلاة الجماعة ممنوعة ثانياً، وقراءة القرآن ممنوعة ثالثاً.. فكيف إذا كانت الصلاة بجماعة، وفيها يقرأ القرآن بصوت عالٍ، ومسموع.. فهذه -في نظرهم- جريمة لا تُغتفَر تستحق أقسى العقوبات.. ولكن الشيخ غير مبالٍ بذلك، وهو مسترسل بالقراءة، ويطيل بالركوع، ويطيل بالسجود، ويفعل ذلك في صلاته كلها.
ولما انتهت صلاة فرض العشاء، قال الشيخ: قوموا إلى صلاة ركعتي سنة العشاء، ونكمل بعدها صلاة التراويح عشرين ركعة إن شاء الله..
ولما طلب أحد الشباب من الشيخ أن يخفض صوته بالقراءة، ظهرت علامات الغضب على وجه الشيخ، وقال: علامَ الخوف يا شباب؟ ألسنا على الحق؟ أليس الله معنا؟ ماذا يريد هؤلاء المجرمون أن يفعلوا بنا أكثر مما فعلوه؟ لقد اعتقلونا، وسجنونا، وعذبونا، وسلخوا جلودنا، وكسروا عظامنا، وبعد ذلك ماذا يريدون منا؟ هل يريدون أن يقتلونا ويذبحوننا؟ إذن هي الشهادة في سبيل الله أسمى أمانينا.. خسئوا، وخابوا والله.. والله.. سنصلي، ونصوم، ونقرأ القرآن، وليفعلوا بنا ما بدأ لهم.. وراح يردد قول الشاعر المسلم:

مسلمون مسلمون مسلمون ** حيث كان الحق والعدل نكون
نرتضي الموت ونأبى أن نهون ** في سبيل الله ما أحلى المنون


‏ثم قام الشيخ يصلي بنا صلاة التراويح عشرين ركعة، يفصل بين كل ركعتين باستراحة خفيفة، على طريقة أهل مدينة حلب في صلاة التراويح، حيث يستريحون بعد كل ركعتين بذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد كل أربع ركعات يقرأون سورة الإخلاص ثلاثاً..
واستمر الحال على هذا الشكل حتى فرغنا من صلاة العشاء، والتراويح.. وبعدها بدأ الشيخ بالتسبيحات، والاستغفار، عقب الصلاة، خاتماً بالدعاء على الظالمين، والمجرمين، وأن يتقبل الله منا الصلاة والدعاء..
وبعدها كالعادة ناداني، ونادى أبا أنس، لننشد بعض الأناشيد الإسلامية وهو يشاركنا على قدر ما يستطيع، مرددا بعض الهتافات، والشعارات التي تضفي على الجو حالة من الحماس، والاندفاع، عسى أن يخفف عن الشباب بعض العناء الذي كانوا يعانون منه.. وكان من هذه الهتافات ما يردده الإخوان خلال احتفالاتهم: (الله غايتنا.. محمد زعيمنا.. القرآن دستورنا.. الجهاد سبيلنا.. الموت في سبيل الله أسمى أمانينا.. ثم يختمها بقوله: الله أكبر ولله الحمد..).


حلول عيد الفطر:
استمر الأمر في شهر رمضان على هذا الحال، حتى جاء العيد.. ولكن أي عيد حلَّ علينا وسط التعذيب، والتنكيل، والرعب..


صبيحة يوم التنفيذ:
انتهت أيام عيد الفطر.. وبعدها بيومين فقط، وبينما نحن نائمون ليلة السبت 3‏/9‏/1980م، وفي تمام الساعة الرابعة صباحاً، سمعنا أصواتاً، وضجيجاً خارج المهجع، وسمعنا صوت مدير السجن وقد فتح بيده باب المهجع، ثم صرخ بأعلى صوته: (الكل استيقاظ.. أغمض عينيك.. وجهك للجدار.. اسمعوني جيداً، كل واحد يسمع اسمه يضب (يجمع) أغراضه، ويطلع لعندي وبدون أي فوضى، وبدون أي كلام، أو همس..)
هنا بدأ بقراءة الأسماء، وكان الجو مريباً، ومرعباً، حيث أقدام جنود السجن تضرب الأرض بقوة، والكل يذهب، ويتحرك بسرعة، ونسمع أصوات الجنود وهم يقولون: (حاضر سيدي.. أمرك سيدي.. نُفّذَ الأمر سيدي..) وسط حالة من الاستنفار الشديد داخل السجن.. علمنا بعدها أن رئيس السجن الرائد (فيصل كنعان)، ومدير السجن، وسرية التعذيب، بالإضافة إلى أعضاء المحكمة الميدانية، ورئيس المخابرات العامة وغيرهم من رؤساء وأجهزة المخابرات في دمشق، قد حضروا إلى السجن في ذلك اليوم.


محاولة للتضليل والتمويه على الجريمة:
أراد المساعد مدير السجن أن يوهمنا بأن هؤلاء الذين قُرئت أسماؤهم من السجناء سيخرجون إخلاء سبيل، وذلك من خلال بعض الكلمات التي سمعناها منه، حين سأله أحدهم: هل نأخذ معنا كل أغراضنا؟، فقال: (لا حاجة لكم بكل الأغراض.. خذوا بعضها، واتركوا لزملائكم بعضها الآخر.. أنتم بعد قليل ستخرجون خارج السجن.. احملوا معكم الأشياء الخفيفة فقط).
كان الواحد من هؤلاء الذين ذكرت أسماؤهم يخرج فيأتي السجان فينزع عنه قميصه، ويمزقه نصفين، النصف الأول يعصب به عيني السجين، والنصف الثاني يربط بها يديه.. وهنا اذكر أن بعض هؤلاء السجناء خرج عاري الصدر، ومنهم خرج لا يستر جسده إلا سروال قصير مهترئ.. وذلك بعد أن صادروا منا أغلب حاجاتنا، ولباسنا في حفلة الاستقبال عند دخولنا إلى السجن..


النداء على الاسماء:
كان الاسم الأول الذي نودي عليه هو اسم الشيخ محمد خير زيتوني، فخرج رحمه الله تعالى عاري الصدر، لأن جروحه لم تكن قد شُفيت في صدره، وظهره، ورجليه.. وكان من عادته أن يمشي رافع الراس، عالي الجبين، لا ينصاع لأوامر السجانين الذين كانوا دائما يضربونه، طالبين منه أن يغمض عينيه، ويحني رأسه، ويضع يديه وراء ظهره.. فكان رحمه الله يغمض عينيه، ويضع يديه وراء ظهره، ولكنه يأبى أن يحني رأسه، أو ظهره.. وكان يقول: رأسي لا ينحني الا لله الذي خلقه، وصوّره..
خرج الشيخ من المهجع، ومعه أربعة عشر شاباً من خيرة شباب الدعوة، يتقدمهم الشيخ محمد خير وسط الصراخ، والسب، والشتم من السجانين..
وأذكر عدداً من هؤلاء الشباب الأبطال الذين خرجوا مع الشيخ محمد خير.. ومنهم:
1- محمد نادر كرزون 2- محمد عبد الرحمن خوجة 3- عبد الرحمن رواس قلعجي
4- محمد حسين رستم 5 - محمد يحيى باروت 6- خالد مدكوك 7- أحمد عوض
8- محمد عبد الرزاق حنون 9- محمد نبيه وفائي 10- عامر رمضان عبود.. وغيرهم رحمهم الله جميعاً.
ربط زبانية السجن هؤلاء السجناء الأبطال بحبل واحد، بحيث لا يستطيع الواحد منهم أن يهرب، أو ينفرد بتصرف ما.. ثم عصبوا عيونهم، وكبلوا أيديهم، لا يدرون إلى أين يسيرون.. يقودهم الجنود إلى مكان مجهول.. ورجال المخابرات، والشرطة العسكرية في السجن يحيطون بهم من كل مكان.. إلى أن وصلوا إلى الساحة الثانية في السجن، وهناك أوقفوهم، وجعلوا وجوههم باتجاه الجدار..


اللحظات الأخيرة:
مضت ساعة من الزمن، والصمت يخيم على السجن، ما عدا صوت أقدام جنود الشرطة العسكرية، التي لم تنقطع ذهاباً، وإياباً، تتجول بين إدارة السجن، والساحة الثانية من السجن التي يقف فيها السجناء، بالإضافة إلى كلمات السب، والشتم، واللعن التي يوجهها زبانية السجن إلى السجناء المساكين، كما يتخللها لكمات بالأيدي، وركلات بالأجل لكل من يحاول أن يتحرك، أو يتنحنح.. إلى أن وصل رئيس السجن، وعدد من ضباط المخابرات، يرافقهم عدد كبير من الجنود المسلحين..
بدأ العقيد سليمان الخطيب -رئيس المحكمة الميدانية- يقرأ الأسماء مرة ثانية بصوتٍ عالٍ قائلاً: حكمت المحكمة الميدانية بالإعدام شنقاً حتى الموت على الأسماء المذكورة..
وهنا سمعنا صوت الشيخ محمد خير وهو يصيح بأعلى صوته: (الله أكبر.. الله أكبر ولله الحمد.. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.. الله أكبر، والعزة للإسلام..).
هذه الهتافات من الشيخ أثارت الحماس في نفوس بقية السجناء المحكوم عليهم بالإعدام، وعلت أصواتهم بالتكبير، والتهليل.. حتى ظهرت علامات الرعب، والارتباك على وجوه رجال السجن، والمخابرات.. فأشار رئيس السجن إلى الجنود أن أسكتوهم.. فراحوا يضربون السجناء ضرباً شديداً مبرحاً بالسياط، وأخمص البنادق، وقد سمعنا الجنود على سطح السجن، وهم يجهزون رشاشاتهم لأي احتمال طارئ، أو تصرف قد يصدر من السجناء.


تجهيز المشانق:
كانت ساحة السجن قد امتلأت بأعواد المشانق المصفوفة أمام جدرانها الأربعة.. وهنا بدأ زبانية السجن يسحبون السجناء واحداً تلو الآخر باتجاه المشنقة المخصصة له، ليلقى كل منهم وجه ربه الكريم، وينال شرف الشهادة في سبيل الله، بوجه أبيض منوَّر، وبنفس راضية مطمئنة، وتتأهب أرواحهم لملاقاة وجه ربهم الرحيم، وكأني (برضوان) الملك الموكّل بباب الجنة يقول لهم: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ).
وماهي إلا ساعة من الزمن، حتى فرغ زبانية السجن، ورؤساؤهم من مهمتهم الآثمة. وبعد الانتهاء من مراسم الإعدام، طلب رئيس السجن من جنوده أن يقدموا الضيافة إلى الضباط الموجودين، ومرافقيهم، حيث راحوا يوزعون عليهم الحلوى، وكؤوس الخمر يحتسونها، وقد ظهرت عليهم علامات الارتياح، والسرور، يتبادلون الابتسامات، والضحكات، وكلمات التهاني، والتبريكات بانتهائهم من القضاء على أول دفعة من المجرمين -حسب زعمهم-.
وبعد دقائق أشار مدير السجن إلى أحد الجنود ليفتح باب السجن، حيث دخلت سيارة شحن عسكرية (زيل)، ليوضع فيها أجساد هؤلاء الشهداء، وكان عمال السجن (البلدية)، يحملون كل جسد من رأسه، ورجليه، ويرمونه في صندوق السيارة.
وهنا أذكر حالة مأساوية لا أنساها ما حييت.. وهو أن سائق السيارة العسكرية -وهو من زبانية السجن- كان يفتح المسجلة في السيارة على أغنية للمغنية (أم كلثوم) تقول فيها: (الليلة عيد.. عالدنيا سعيد..) وبصوت عالٍ يجلجل في كل ساحات السجن..
هنا تذكرت قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ. وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ. وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ. وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَضَالُّونَ).
وبعد أن امتلأت السيارة بأجساد الشهداء الطاهرة، وفي مقدمتهم جسد الشيخ المجاهد البطل محمد خير، ليواريهم الثرى في (وادي عويضة) وسط صحراء تدمر، وكنا نسميه (وادي الشهداء)، لأنه ضمّ بين رماله عشرات الآلاف من الشهداء في الفترة من عام 1980 إلى عام 2000م
رحم الله الشيخ محمد خير في الأولين.. ورحمه الله في الآخرين.. ورحمه الله يوم يقوم الناس لرب العالمين، وجمعنا به في عليين، مع الأنبياء، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
وعزاؤنا في هؤلاء الشهداء، هو بشارة الله سبحانه وتعالى في محكم آياته وهو أصدق القائلين:
(وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ).


وكتبه: حسن ياقتي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين