الأستاذ المربي عاطف محمد أسعد البيانوني

الأستاذ المربي عاطف محمد أسعد البيانوني

التصنيف: علماء دعاة مربون
الجمعة، ١٤ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ - ١ أيار ٢٠٢٦
133
عاطف محمد أسعد البيانوني...
عاطف محمد أسعد البيانوني...
الميلاد :- الوفاة :2026 - 04 - 17

إنا لله وإنا إليه راجعون، الله اؤجرنا في مصيبتنا ، وأخلِف لنا خيرًا منها
قبل قليل ليلة الجمعة ٢٩ شوال ١٤٤٧ انتقل إلى رحمة الله تعالى خالي وأستاذي وأحد الثلاثة مِن أهل الفضل الذين لهم أعظم الأثر في تزكيتي وتقويمي العالم الداعية المُربي الجليل أبو سعد عاطف بن محمد أسعد بن حمَّادة بن حسن بن بكري بن أحمد البيانوني أصلًا الحلبي نشأة وإقامة ..
إنني راضٍ بقضاء المولى وقدرِه .. وعزائي أنه ذهب إلى دار هي خير من هذه الدار .. وأملي بالله أن شيخي من أهل الجنان ..

لكن الحزن إنما يكون على حالنا إذْ نفتقده .. فما قيمتنا بعد علمائنا وكبارنا ؟ !
ولمَن يلجأ الإنسان في عالَم الناسِ بعدهم ؟ !

لقد بدأتْ تَلمذتي عليه في حلب حين أكرمَنا الله به فجاء من الأردن زائرا حلب سنة ١٤٢٦، بعد أن كان ممنوعا من دخول سورية بسبب جهاده ضد نظام الأسد المجرم، وظل ممنوعا نحوا من خمس وعشرين سنة ..
فكانت جلساته جلساتٍ لم أكن وجدت لها مثيلًا في اللذة قط.. فكان ما درّسنا إياه وما حكاه لنا في تلك الجلسات الماتعة من قصصه التربوية المدروسة المقصودة منقوشًا في عقلي وقلبي
ثم درَّسنا وإخوتي بالتماسٍ من والدي ـ حفظه الله وجزاه عنا خير الجزاء ـ كيفية كتابة موضوع التعبير، وفن التلخيص، وكيفية تحليل النصوص الأدبية وفهمها .. ولا تزال شواهد كل مسألة درستها عليه كأن الدرس كان أمس
ثم عاد إلى حلب ليستقر فيها استقرارا تامًّا سنة ١٤٢٩ (على ما يغلب على ظني) ومن ذلك الحين بدأتْ جلساتي الخاصة عليه
فكانت زياراتي له في البيت تستغرق على الأقل ٣ ساعات ، وقد تمتد خمس ساعات أو ستًّا ... عبَبْتُ فيها من بحر علمه وحكمته وتزكيته وتوجيهه
فيها درست عليه علم التخطيط التربوي
وعلم طرائق التدريس وأساليبه
وبداياتي في علم التقويم التربوي
ونبذا منوعة من علم نفس النمو وعلم النفس التربوي وغير ذلك من علوم التربية
ودرست عليه علم الرسم (قواعد الكتابة والإملاء)
ودرست عليه التحليل الأدبي في وقت كنت أحتار من الضياع الذي أجده في مذاهب الجامعيين وتأثر بعضهم بالغرب تأثرًا أجنبيا عن ثقافتنا في فهم الأدب ومذاهبه
ودرست عليه فنونا شتى من فنون الكتابة الأدبية (التلخيص مرة ثانية ، والتقرير، وغير ذلك من فنون الكتابة دراسة دقيقة مع التدريب والأسئلة والمناقشات)
وكان له عليَّ أعظم الأثر في علوم النحو والبلاغة والنقد الأدبي
وأعظم من ذلك كلِّه عندي فهم النفس والعلاقة بالله وفهم الحياة والناس، لقد كان المرشد الأعظم لي بعد أبوَيَّ جزاهما الله عني خير الجزاء.
بل إنَّ بعض ما أعطانيه من دروس كان بذرة لسلسلة تربوية كاملة .. ومجموعة مقررات تزكوية صارت تدرَّس اليوم بحمد الله .. وكانت نورًا لي في طريقي في فهم التزكية والدعوة والتبليغ.
لقد افتقدته نحو سنة أو أقل وذلك منذ خروجي من مناطق النظام في حلب .. إلى أن خرج هو منها .. ثم لما التقينا حين وصل إلى عينتاب عادت صلتي به .. فكانت جلستي معه من أول مرة عدة ساعات ... ولا أزال أذكره كأنه أمامي وأنا أرى الوهن باديًا عليه من تعبه وما عاناه وما لاقاه في مناطق النظام .. فقد كان بيته القديم قريبًا من الجبهة بين النظام والمجا.. هدين .. ثم خرج سالما بحمد الله ..
ما جئته بمشكلة خاصة في نشأتي ولا سلوكي مع ربي أو مع الناس ولا في استشارة تربوية مما كان يعرض لي في المدارس أو في المسجد ولا مشكلة اجتماعية من شتى المشكلات التي تُعرَض علي وأَقْدر أن أُسهم فيها برأي أو حلّ إلا وكنت أجد عنده أكثر الآراء سدادًا وحكمة
وكان له أعظم الأثر في مسيرتي ورسم حياتي ، وكيفية معاملة ما كان يعرض لنا مِنْ تفصيلات أيام الثورة ممّا كانت تطيش له عقول كثير من الكهول قبل الشّبّان ...
أما الدعوة والتزكية فقد وجدتُ عنده والله من الحكمة العميقة والفهم الدقيق للدعوة ما لم أجده عند أحدٍ مِن مَن عرفت .. هو الذي فهّمني معنى التربية .. هو الذي فهّمني كيف يمكن أن يأخذ المزكّي بيد المتزكّي خطوة خطوة .. وجدت عنده من زكاوة النفس مع قوة العقل وسرعة البديهة ما قلّ ما يكون مجتمعا في الشيوخ الأجلة
وكنت إذا جئته في تاريخ مدينة حلب الدعوي والاجتماعي غير المدون وفي الخبرة الاجتماعية وفهم طبائع الأسر والعلائق وجدت عنده خزينة معارف وتجربة
لقد كان إذا قيل لي اذكُر إنسانا تجد فيه خبرة الكبار بحقّ مع الحكمة أوِ اذْكر مَن تراه مثالا لـ«صاحب العقل» أو مَن تراه مثالا للـ«حكيم» لكان أولَ مَن يتبادر اسمُه إلى ذهني.
فإذا جئت إليه في فهم الواقع الدعوي في حلب خاصة وسورية عامة وجدت عنده من المعرفة والخبرة ونوادر الأخبار ما لم أجده عند أحد، وكان بحمد الله قد بدأ من سنين يكتب تجربته الدعوية في كتاب خاص للنشر.
وهو من الصنف العبقري المبدع من العلماء .. الذي لا يدخل إلى علم أو فنٍّ إلا وكان له فيه لمسات خاصة وانتباهات ولفتات لا يجدها غيره، لذلك كم عرض عليَّ مِن فكرة وقال لي: سأعمل عليها، وقال لي في بعضها: لعلك تعينني فيها .. وكنت أجد الأيام تمرّ ولم يخرج شيء من ذلك .
ولأني منذ عقلت أكره أن نترك إنصاف العظماء في حياتهم ثم نندبهم بعد وفاتهم، فقد كنتُ ألحّ عليه كثيرًا وأحاول قدر الاستطاعة المتابعة ليكرِّس جهده في تفريغ هذه الخبرات العظيمة التي عنده ليستفيد منها أكبر قدر من الناس ، فكانت أول خطوة بحمد الله أن أُنشئت منصتُه في يوتيب وصوَّر سلاسل عديدة ، بمعونة ابنه الحبيب أخي الأستاذ سعد وفقه الله وجزاه خير الجزاء. (سأضع عنواناتها وروابطها في أول تعقيب)
وحاولت أن أعرِّفَ كلَّ مَن أعرفهم مِن مَن يلوذ بي من الطلاب والطالبات به ليتابعوا منصته في يوتيب ، بل قررتُ بعض سلاسله على بعض الطلبة الأحبة ليلخصوها حلقة حلقة .. لأني لم أجد ما يسدّ مسدّها في ما عرفت من الكتب والمحاضرات.
وجمعت بعضهم به، فتلقّوا عنده محاضراتٍ كاملة خصَّهم بها قبل إلقائها العام الذي سيخرج به إلى الناس .. كسلسلته في فهم القضاء والقدر ثم سلسلته في «طبقات المجتمع الحلبي» وهي موجَّهة إلى العاملين في الدعوة والإصلاح .
واستمرت جلساتي المطولة معه مع كل المسؤوليات التي أعيشها، فكنت إذا ذهبت إليه أشعر أني دخلت إلى الغرفة التي سأنشحن منها، لأخرج بأفكار وخطط وأعمال تشحنني أشهرًا ..

وكان عنده من العلم في شتى الفنون ما أجد نخبة المسلمين قبل عامتهم أحوج ما يكون إليه .. وعنده من الفهم التزكوي ما تحتاجه الأجيال عامة .. وعنده من الفهم لنظام الأسد وكيف تمكنوا من بلادنا وأخطاء المسلمين في معاملة الأحداث ما لم أجده في كلام أحد مِن مَن كتب المذكرات ... وعنده كثير من الكلام الذي يأبى العاملون في السياسة من المسلمين عادة الاعتراف به .. مع أن نصائحه عصمتني ثم كانت سببًا لأجتهد على كل مَن عرفت من الإخوة الذين أظن فيهم الإخلاص كي لا يذهبوا وقودًا لتحركات لا تخدم الدين وإنما تخدم تخبطات بعض العاملين .. فكنتُ أجِدُ منه القرار الحكيم المَقنع للعقل والقلب ، ثم أعرض ذلك على بعض أهل العلم من الذين أثق بعمقهم وتحقيقهم للمسائل فكنت أجد كلامه ـ وهو غير متخصص في الفقه السياسي ـ متماشيًا مع كلامهم .. موافقا لما كنت أسمعه من أهل تلك التخصصات من رأي شرعي .. وعلى رأسهم شيخنا العلامة العبقري صلاح الدين الإدلبي حفظه الله بخير وعافية ، فكان لذلك أعظم الأثر في وضوح رأيي لتفصيلات الأحداث وفهمي للمعاملة الصحيحة لها .. في وقت كنت أرى كثيرا من التخبط في الساحة ، وكان في ذلك مثالٌ هو عندي غاية في الوضوح والبيان على إحدى الكلمات التي كان يكرِّرها ـ آنس الله روحه ـ بأن الحقائق والحِكَم لا يمكن أن تتصادم إحداها بأختها .. بل إنها تمشي كالخطوط المتوازية إذا أخذتَ إحداها فإنك تراها مدى حياتك لا تتناقض وشيئًا من أخواتها وإن توسعت معارفك ما توسَّعت.

فكانت المبادرة ليبدأ بإخراج بعض الكتب التي قد قصَّ علي فكرتها ، فكانت طليعة الأعمال كتابة قصص ترددنا في اسمها ، فقد سمَّاها أولًا ـ جعل الله الفردوس مسكنَه ـ «أقسمتُ أن أروي».. ثم استقر القرار على تسمية المجموعة القصصية «حين تحكم العصابات» .. وكان من عجائب القدر أن انتهى من كتابتها وصارت عندي لتُنقَل إلى الحاسوب وتنسَّق للطباعة قبل تحرير سورية بنحوِ شهرين .. فنسّقتها ودقّقتها وطبعتها الطبعة التجريبية ودفعتها إليه .. فراجعها كاملة ودوَّن ملحوظاته وتصحيحاته التي يراها ..
ولما انتهيتُ من كتابة الكتاب بادرت بمجموعة أخرى كان قد عملها ، فاشتغلت بها ... ثم جاءتني عوائق أخرتني عن إتمامها ، وأسأل الله التوفيق لخدمة تراثه على النحو الذي يرضاه ربُّنا ... فإني أجد عنده من الذخائر الشيء العظيم ، ولا أُراني خدمت علمه وما كان عنده بعشرة بالمئة ممّا أحبّ أن أعمل . .
ولما رأيته في آخر زيارة في شهر شعبان كأني تعمدتُ أن أخفي عنه خبر اتفاقي مع دار النشر لتصدر المجموعة القصصية .. لأنه قد بقي قليل من التصحيحات الأخيرة التي كان قد دفعها إليَّ .. وكنت أحب أن أفجَأَه بها مطبوعة بين يديه لعلي أسرُّ قلبه بذلك فيكون ذلك محفِّزًا ليخرج بعض ما في حوزته من درر ثمينة ..
وفي تلك الجلسة أعاد عليَّ حديثه عن مجموعة قصص أخرى يرى تدوينها وهي «جيل الثورة» كيف صنعه الله على عينه .. ليخرج في وقتٍ كان آل الأسد قد ظنّوا أنهم قد أخضعوا الشعب لأجل مئة سنة قادمة .. في حينَ كان ربنا يصنع لهم أجيالًا من حيث لم يحتسبوا ... وقصَّ عليَّ نُبذًا من ذلك .. كنت سمعت منه بعضها من قبل في عينتاب بعيد التحرير ... وسعدتُ بأنني سجلت ذلك كله كعادتي معه في السنين الأخيرة .. ثمَّ التقطنا الصورة المصاحِبة ، وودعته وعانقته وكان ذلك آخر العهد به على أمل أن أعود لزيارة حلب في شوّال هذا إن يسر الله .

ثم كنت أحاول مرارا أن أتصل به أو أستشيره فلم أكن أصل إليه لانشغالٍ عرض له يتعلق بإكساء بيته الجديد .. فبقيت على التواصل الكتابي أسأله مرارًا فيجيبني عن بعض ذلك ، وأطمئن عليه وأطلب منه الدعاء ، وكانت آخر مراسلة بيننا ليلة الاثنين الماضي (٢٥ شوال ١٤٤٧) بعد محاولات عديدة للاتصال دون أن أصل ، وأجابني كتابةً ودعوتُ له .

وظل مستمرا على عادته بإرسال التصبيحات البديعة كل فجر مع ما يختاره من أبهى الورود والمناظر، آنس الله روحه كلَّ آنٍ بمقعده من الجنة ، ثم أتانا نبأة وفاته بُعيد صلاة العشاء هذه الليلة .. ليلة الجمعة.

ـ وبعدُ، فإنَّ عندي من الكلام عنه ما يملأ مجلَّدًا على الأقل فأسأل الله أن يوفقني لكتابة ذلك ، وكنت قد تحدثت عنه قليلا في محاضرات «عن مَن أخذت العلم؟» بما يحتمله المقام، وكان من الذين لهم النصيب الأكبر في إعدادي لسلسلةٍ طالما وعدت بها الإخوة والأخوات في سلسلة التأهيل التربوي وعنوانها «كيف ربَّونا؟» .. لأني وجدت إشاعة ذلك فريضة علينا معشر الذين تربَّوا عند أهل الفضل، وهم لا يزدادون حين الاختلاط بالحياة إلا معرفة بفضل مَن ربَّوهم .. وبعظيم نعمة المولى سبحانه إذ أكرمنا بذلك .. مع أنِّي إذا نظرت إلى ما عندي أجد أن ما كنت أحب اكتسابه من الحكمة والفهم والتزكية منه ومن أمثاله كبقلٍ في أصول جبل شامخٍ .. فكان من عذري أن أنقل لإخواني وأخواتي ما رأيت من عظمة المزكّين لعلي أكون أحسنتُ إذ أجعلهم لا ينخدعون بي وبأمثالي مِن مَن قد يُظَنُّ شيئًا .

اللهم إني أسألك أن تنفعني بما علمتني ، وأن تأجرنا في مصيبتنا بفقده ، وتخلفنا خيرًا منها ، وأن توفقني لخدمة ما أكرمتَه به من علم وحكمةٍ على أتمٍّ وجهٍ يُرضيك عني ، وأسألك كما أكرمتني ومتعتني بمجالسه المباركة في الدنيا أن تجعلنا وأحبتي من جيرانه في جنة الفردوس مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسُن ألئك رفيقًا .

وصلَّى الله وسلم وبارك على رسوله الأمين محمد وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين .


بقلم: نور الدين محمد جميل العطار

ليلة الجمعة 29 شوال 1447

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين