رحيل المهاجر العثمانيّ (مصطفى نزار دميرجي)

رحيل المهاجر العثمانيّ (مصطفى نزار دميرجي)

التصنيف: علماء دعاة مربون
الجمعة، ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ - ١٥ أيار ٢٠٢٦
108
مصطفى نزار دميرجي...
مصطفى نزار دميرجي...
الميلاد :- الوفاة :2026 - 05 - 04

• لم يدرِ هذا الغلام الصغير أنّ والده قد عاد مرتين إلى قريته الصغيرة سَنجار قرب أنقرة منذ أن هاجر فارّاً بدينه إلى حلب، بتهمة تعليم القرآن، فكان الوالد ينظر من ثقب الباب إلى ابنه باكياً ثم يمضي عنه ولا يحتضنه خشية أن يتسرّب خبر عودته إلى داره فيعتقل، وظلّ هذا الغلام يفتقد أباه سنوات، حتى ساقه جدّه " الحاج نوري" إمام المسجد في رحلة شاقّة إلى والده في عام 1955.


• كان والدُه الشيخُ يونس دِمِرجي طالبَ علمٍ فانتسب إلى المدرسة الشعبانية بحي الفرافرة، وهي إحدى المدارس العثمانية التي أنشأها العثمانيون في حلب مثل الخسروية والعثمانية والبهائية، قبل أن يصدر قرار بإغلاقها زمان الوحدة المصرية السورية، فانتقل إلى الخسروية، وتلقّى العلم عن مشايخ حلب، منهم الشيخ محمد أبو الخير زين العابدين، وأخوه الشيخ عبد الرحمن زين العابدين، والشيخ عبد الله سراج الدين، والشيخ عبد الوهاب سكر، والشيخ بكري رجب، والأستاذ أمين الله عيروض، والشيخ محمد الملاح، والأستاذ سامي بصمه جي... ومن المفارقات المباركة أنّ أحد شيوخه هو الشيخ أحمد القلّاش كان شيخي أيضاً إذ تلقّيتُ عنه كتابَه "تيسير البلاغة" في المدينة النبوية بعد منتصف الثمانينات.


• كان الشيخ يونس فقيراً يحتاج للعمل إلى جانب دراسته الشرعيّة التي هاجر لأجلها، فعمل بالأجرة في خان البرتقال، ثم عمل حارساً في مَصْبنة محمد نجيب جبيلي بباب قنّسرين، وأثناء عمله بالمصبنة جاءت أسرته مع الجدّ الذي عبر بهم الحدود في ليلة 25/12/1955 من منطقة قرقخان إلى منطقة عفرين السورية، وهناك في قرية مجيد آغا قرب راجو التقى أسرته كاملةً لأول مرة بعد خمس سنوات من الفراق، وسكنت الأسرة المكوّنة من الوالدين والأبناء الثلاثة: محمد ثابت "الكبير"، ومحمد أمين "الصغير"، ومصطفى نزار "الأوسط" في غرفة واسعة بالمصبنة نحو سبعة عشر عاماً قبل أن ينتقلوا إلى حي الجلوم في دار أوسع قليلاً، ولم تكن الشمس في تلك الغرفة تزورهم أبداً لعدم وجود منفذ لها، وقد تحولت هذه الغرفة إلى صالة ومضافة وغرفة ومطبخ وحمّام ببعض التعديلات الفاصلة التي لا تؤثّر على نظام الغرفة القديم إلا أنّ روائح الصابون وآثار الزيوت كانت تحيط بدارهم لا تفارقها لتذكّرهم دائماً بأنهم في مَصْبنة.


• لم يكن مصطفى نزار معروفاً بهذا الاسم في قريته التي غادرها وهو في عمره الغضّ التاسع، فقد كان له اسم آخر على اسم أحد الأنبياء القدماء المذكورين، واختاروا له اسم "مصطفى نزار"، واستخرجوا له أوراقاً ثبوتية بحيلة ذكيّة، وهو الاسم المركّب الذي ظلّ يُعرَف به إلى يوم وفاته، لأنّ الجدّ الحاج نوري لم يكن يعترف بأي ورقة رسمية حتى لو كانت جواز سفر أو شهادة ميلاد.


• تحوّل الشيخ يونس الذي بات من المشايخ المعروفين إلى مهنة تليق باهتماماته فافتتح متجراً للكتب قرب قلعة حلب مع شريك له، كانت تستجلب الكتب العربية من مطابعها في لبنان، ويبيعها الشيخ بربح يسير، وهي مكتبة الفرقان التي كان يعرفها معظم العلماء وطلبة العلم، ويتحدثون عن دورها في نشر العلم والمعرفة، فقد كان الشيخ يونس يحب الكتب جدّاً، ويشتريها بما فضل من ماله اليسير، وينكبّ على قراءتها ومشاركة أولاده في قراءتها.


• عاش مصطفى نزار في بيئة علمية حلبية، فالتحق بالثانوية الشرعية "الخسروية"، وهي عثمانيّة المبني والمعنى، وكان الأوّل فيها، ثم التحق بكلية الشريعة بجامعة دمشق، وكان الأول في جميع سنوات الدراسة فيها، ونال درجة الماجستير في التفسير من جامعة الأزهر العريقة؛ وكان إذ ذاك يتلقّى عن والده اللغة العثمانية التي مهر فيها مهارة فائقة، وكان يحدّثني عن تمكّنه من لسانها ولغتها وأسرارها، ويفتح لي في منزله صفحات من المعاجم العثمانية القديمة التي تعشّقها وعاش في روحها، مع تمكّنه أيضاً في علوم العربية وفنونها؛ ومن الشواهد عن تمكّنه لي اللغة العثمانية أن دار بحوث ودراسات المدينة المنورة لمّا أعلنت إدارته عن رغبتها في تعيين مترجمين خبراء في هذه اللغة لقسم الأرشيف العثماني تقدّم لها اثنان، هو وأستاذ مصريّ قدير، فكان الشيخ مصطفى واثقاً أنّهم سيختارونه لأنّه يعرف التعامل مع روح اللغة العثمانية وتاريخ تطورها وعلاقتها باللغات الأخرى عن معايشةٍ، وترجم الشيخ مئات الوثائق المهمة في تاريخ المدينة، وظل الشيخ مهتماً بهذا التراث ومرجعاً فيه حتى إنّه أسّس له جمعية ثقافية للعناية به في تركيا (Füruzan Derneği)، ويأتيه طلاب الدراسات العليا لاستشارته في هذا المجال والاستفادة من خبرته؛ وله أيضاً معجم لغوي عربي عثمانيّ كتب جزءاً كبيراً منه إلا أنّه لم يتمّه، فلعلّ أحداً يكمل ما بدأه الشيخ.


• كان الشيخ يونس دمرجي وأبناؤه من ذوي الأصول التركية مشهورين في نواحي قلعة حلب بلباسهم العثماني القديم الذي يزيّن رؤوسهم "الطربوش مع الشاش"، وكانوا متعلّقين جدّاً بهذا التقليد العثماني الذي يميّز طلبة العلم في العهد العثماني.


• ولمّا ضاقت الأمور في سوريا في نهاية السبعينات بذوي الديانة والالتزام اضطر الشيخ مصطفى لمغادرة حلب، وفرّ بدينه كما فعل والده من قبلُ فخرج منها عام 1980، ولحقه أخواه عام 1981، ثمّ انتقل الشيخ مصطفى نزار إلى المدينة النبوية معلّماً عام 1982، فدرّس في العديد من مدارسها نحو ربع قرن، درّس أوّلاً في الثانوية التجارية سنوات طويلة، ثم درّس في مدارس الخندق الأهلية، وعمِل على استقدام والدَيه الكبيرين بكل طريقة ممكنة، ولاسيما بعد وفاة أخويه المعلّمين الصالحَين في حادث سيارة بطريق الدمّام – شقراء، وهو الحادث الذي أوجع العائلةَ وأحزنها دهراً أوائل الثمانينات؛ ثم انتقل الشيخ للعمل في مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة، وظل الشيخ مقيماً في المدينة النبوية حتى عاد إلى إسطنبول عام 2013، وظل يتردد إلى منزله بالمدينة النبوية حتى عام 2017، واستقر في منطقة الفاتح بإسطنبول حيث يحيط به التراث العثماني العريق، وكتب الله لي أن أكون قريباً من محل سكناه، وأحظى بلقائه مرات؛ وهناك أيضاً تفرّغ للعمل في مشاريع وقفية عديدة، وكان على رأس وقف الأمّة في التأسيس.


• وقد عرفه الناس قريباً من أستاذه نجم الدين أربكان، وكان أربكان يحب أن يكون الشيخ مصطفى إلى جواره للترجمة في أثناء زيارته للسعودية في حجٍّ أو عمرة أو زيارة، حتى وصفوه بأنه المترجم الخاص للبروفيسور نجم الدين أربكان؛ وظلّ الشيخ مصطفى نزار مع أربكان منذ عام 1986 حتى وفاة أربكان في فبراير 2011.


• عاش الشيخ أبو أحمد مصطفى نزار دمرجي نحو ثمانين عاماً حتى توفّاه الله في إسطنبول مساء الثلاثاء 18 من ذي القعدة 1447 الموافق 4/ 5 / 2026 بعد أن اشتدت عليه أمراض الضغط والسكر وأدواء الشيخوخة، ونُقل جثمانه إلى قريته سَنجار مقاطعة كَهْرمان كازان – ولاية أنقرة، ودفن الأربعاء بعد صلاة الظهر ، عاش خلالها بابتسامته النقيّة البيضاء، وسلامة صدره، وكمال تهذيبه، وحلاوة لسانه، وعظيم معرفته، وجميل تديّنه، وترك ذرّيةً كريمةً عاملةً فاضلةً، وإرثاً ما يزال مكنوناً يحتاج إلى من يبحث فيه ويستخرجه؛ رحمه الله رحمة واسعة وتقبّله في الصالحين، ورفع منزلته إلى الفردوس الأعلى، وعظّم أجر أهله وزوجه وأبنائه وبناته وأسباطه وأحفاده وإخوانه وتلاميذه ومحبّيه في هذا الفقد العظيم، وأحسن عزاءهم.


ترجم له: دكتور أسامة الأشقر

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين