
نعت وزارة الثقافة في دمشق الشاعر عبد الله عيسى السلامة، الذي توفي منذ يومين، في العاصمة الأردنية عمان. أقيم للراحل السلامة تأبين في جدة. هذه الكلمة ألقيتها في التأبين، وفاء للصديق للراحل السلامة.
السلام عليكم
أبدا بالاستعارة من الراحل مصطفى السباعي في تأبين الأمير الكبير شكيب أرسلان حيث رثاه بقصيدة مطلعها:
سلام عليك أبا غالب...... أمير البيان أمير القلم!
وأقول:
سلام عليك أبا ياسر أمير البيان أمير القلم.
أبدأ من ذكرياتي الشخصية مع الراحل السلامة. تعرفت إليه في الأشهر الأخيرة من عام 1980، في المملكة الأردنية الهاشمية، فانعقدت بيني وبينه أواصر من الود والاحترام، وزادها عمل مشترك استمر عشر سنين تقريبا. وفوق أنه كان يكبرني سِنَّا بأحد عشر عاما، فقد كان يكبرني قدْرا وعلما وثقافة، ولاسيما في مجاله الرحب: اللغة العربية والبيان والفكر والسياسة. والحق أن الراحل كان موسوعة كبيرة في الفصاحة واللغة القوية المتينة، الأمرُ الذي يَظهر في شعره ونثره على حد سواء، إضافة إلى مطالعاته الغزيرة في مختلف مجالات الفكر والسياسة والحياة العامة في سورية. وأجزم هنا أننا كنا مع الشاعر عبد الله السلامة، قلما نحتاج إلى معجم أو مرجع نعود إليه، فقد كان حاضر اللغة، وحاضر المعلومة، وحاضر المعاني، وحاضر الشواهد القرآنية والشعرية، فضلا عن تمكن من البيان والإفصاح.
وأزعم على الصعيد الشخصي أيضا، أن الشاعر السلامة، كان قمة في الأدب والتواضع والخجل الفطري. هو حَيّيٌ ومتواضع إلى حد يشعرك بالمساواة معه، أو أنه يتعلم منك، مع أنه قامة متفردة، وقيمة متفردة كذلك رحمه الله تعالى.
وقد كان لنا لقاءات أسبوعية أو أكثر أحيانا نتداول فيها شؤون العمل، ولاسيما النصوص السياسية والفكرية المرشحة للنشر. وكان في هذا العمل مرجعا متمكنا بكل ما في الكلمة من معنى. الحق أنني تعلمت منه الكثير، وناقشته في الكثير، وكان دائما متواضعا كبيرا. وأشعر أنه من حقه عليَّ أن أذكر له هذا، فأنا بكل مودة أقول له: إنني تعلمت منك الكثير يا أخي أبا ياسر.
وأريد أن أنتقل من الخاص إلى العام لألاحظ أولا أن المرحوم الشاعر، بادَرَ بخلاف كثيرٍ من ذوي القراءات الغزيرة والثقافة الواسعة في الوسط الإسلامي، إلى الانتقال من ساحة القراءة إلى ساحة الكتابة والتأليف، أي إلى ساحة الفعل وليس الاكتفاء بالانفعال والاستقبال. بل إلى ساحة العمل والتأثير الثقافي. وتعلمون أيها السادة أن الانتقال من ساحة القراءة إلى ساحة الكتابة يحتاج لأمور عدة، أهمها الرغبة في العمل، والشغف بالإنجاز، وبشكل خاص فإنه يحتاج إلى الشجاعة والجرأة، وهو ما كان سهلا يسيرا على الشاعر السلامة، إذ لربما ساعده في ذلك ما حظيت به حلب وربما سورية كلها في أول السبعينيات من حراك ثقافي على مختلف الأصعدة. وربما يتذكر بعضنا أن تلك الفترة شهدت حركة تأليف وترجمة وندوات ثقافية، انتهت بعد فترة وجيزة للأسف، لأسباب ليس هذا مكانها.
ومن الشأن العام أيضا، أمورٌ تلفت الانتباه في الساحة الثقافية السورية والعربية عموما، وهي سيطرة الاتجاهات اليسارية على مختلف مناحي الحياة الثقافية، ضمن شللية متفاهمة منسجمة، مشفوعة بسيطرة حكومية نافذة في معظم الأحيان، في الأقل منذ الستينيات.
هذا الأمر الخطير حرم الاتجاه الإسلامي من الحضور في المجال العام، وجعل إنجازاته غير مرئية أو مشهودة. وهذا قلل من فرص التفاعل مع الجمهور، وقلل من فرص تحسن الأداء أيضا. فالإنجازات الثقافية الإسلامية في مختلف المجالات تكاد تكون مقتصرة على الجمهور الإسلامي، وهي نادرا ما انتقلت إلى المجال العام. وموضع الشاهد هنا ضرورة الاعتراف بأن الشاعر السلامة ليس له وجود ملحوظ في الساحة السورية العامة، وما أظن أحدا من خارج الساحة الإسلامية قد سمع به! ودليلي على ذلك أنه حين أعلن عن فوزه بلقب شاعر عكاظ عام 2009، ونيله جائزة ذلك العام من الأمير الشاعر خالد الفيصل، استنكر ناس كُثُرٌ فوز ما سمَّوه (شاعرا مجهولا) بالجائزة ذلك العام. والحقيقة أن أولئك المنتقدين بعيدون كثيرا عن الساحة الإسلامية، بل إن معظمهم ليزدريها ويتنمر عليها! إنها لحقيقة أن الجو الثقافي العربي يسيطر عليه اليسار العربي منذ الخمسينيات، وما تزال هذه السيطرة متواصلة مهيمنة، تحتمي بالسلطات السياسية في معظم الأحيان. والشاعر الراحل أبان في قصيدته التي ألقاها بين يدي الأمير الفيصل، عن قوة فائقة جدا في المعاني والصياغات والأفكار واللغة، يندر أن يصل إليها إلا كبار الشعراء. ومع ذلك فلن تجد اسمه في كتاب مدرسي عربي، ولا في مجلة ثقافية رسمية، ولن تجد محطات تلفزيونية تحتفي به، وهذا حال معظم الشعراء والكتاب ذوي الاتجاه الإسلامي. انظر فقط كيف تغير الحال قليلا في سورية اليوم: لقد نعت وزارة الثقافة السورية شاعرنا السلامة، وهذا لم نكن لنحلم به لو كانت وزارة الثقافة واتحاد الكتاب العرب، على ما هما عليه قبل سقوط النظام.
ثمة أمر آخر، في مجال الحديث عن المرحوم الشاعر عبد الله السلامة، هو قيمته الفنية من الناحية الشعرية والإنتاج الأدبي بشكل عام. وأنا هنا لست في مقام الناقد الأدبي، إذ هذا أمر لا أستطيعه بكل صراحة، فأنا مجرد متذوق للشعر. لكنني بسببٍ من اطلاعي على شعره ونثره، أود أن ألفت انتباه الإخوة الحضور إلى أمر مهم جدا في إنتاج أخينا الشاعر والأديب السلامة، هو العمق الفكري الفلسفي. وهذا ما تجده في شعره ورواياته وقصصه سواء بسواء. ولعل هذا مع فصاحته واختياراته القوية من الألفاظ والصور، جعل شعره بعيدا إلى حد ما عن سهولة التناول والانتشار.
خذ من شعره مثلا، من ديوان الظل والحرور المطبوع عام 1985 وهو يتحدث عن الريشة!
ريشةٌ من جُنح صَقر أدركتْ معنى الحياة
أُلقيتْ من شاهقٍ بين أَكفِّ النائبات
فإذا العيشُ صراعٌ وإذا الزادُ فُتات
وإذا الناس حيارى في بحور الظلمات
وإذا الأرواحُ تُرْديها الرياحُ الجائحات
وإذا الصهباء كأسٌ من دموع النائحات
ويمكنك أيضا التأكد من ذلك إذا تأملت قصائد أخرى مثل قصيدته (تأملات) في ديوانه المعاذير المطبوع عام 1992 والتي مطلعها:
لكل غدٍ غدٌ يقضي عليه ويستلب الأعنَّة من يديه
كذا تتوالد الأيام قسرا وكل ابنٍ يغيِّبُ والديه
* *
أهذي حكمة الأيام فينا تُبيدُ الشيخَ منا والجنينا
تمر بنا ليالٌ مفرداتٌ ونلمحها وقد عبرت سنينا
تُكبِّلنا بما نجني وتمضي فتوشك أن تذوّبَنا حنينا
أنُخصِب وهي تُخصبُ ثم يقضي بنوها العابثون على بنينا
وأود أيضا أن أنوه بكتابات الراحل أبي ياسر في مجال الرواية مثل الثعابيني التي هي واحدة من رواياته الفلسفية الطويلة، كذلك الغيمة الباكية فهي واحدة من الروايات الجميلة حقا، وتملؤها العاطفة والمحبة. وله رحمه الله مجموعة قصصية، تشرفت بالمشاركة فيها، وكانت بعنوان: خط اللقاء. وكان من المشتركين فيها المرحومان الأستاذان محمد الحسناوي ومحمد السيد.
ولا بد أن أشير هنا إلى حفل تكريمه في اثنينية المرحوم عبد المقصود خوجة، عام 2011، وقد أسعدني حضورها. لقد كانت كلمةُ صاحبِ الاثنينية ضافيةً وافية، مشيدة عن حق بأعمال شاعرنا الراحل.
ولقد كان من إبداعاته قصيدته العظيمة في رثاء الشهيد الفلسطيني محمد الدرة، والتي نال فيها جائزة مؤسسة البابطين الشعرية عام 2001، ومنها هذه الأبيات الحنونة الباكية المستفزة معا:
قَدَراً قَدَرتَ فما محاك الماحي هيهات: أنت الروحُ للأرواح
أنت الشهادةُ والشهيدُ وشاهدٌ يروي لمن في الأفْقِ ما في الساح
أنت البراءةُ كلها، وأقلُّها أَن طرتَ فوق الغيم دون جناح
غدروا، كذلك يفعلون مخافةً من أن يُشابَ فسادُهم بصلاح
وأما قصيدته عن (التضامن العربي) التي ألقاها بين يدي الأمير الشاعر خالد الفيصل، فأطربه وجعله يتمايل معها، فهي من عيون الشعر العربي حقا، وقد كنت تمنيت أن ألقيها على مسامعكم كاملة، لما فيها من قوة وجمال وجلال.
وأختتم بحادثة غريبة جدا، وهي عودة إلى (الشخصي)، وأعترف بأنها (تؤرقني) حتى اللحظة حين أتذكرها! بل إنها تؤلمني فعلا وأحب ألا أتذكرها. بطل هذه الحادثة هو الراحل السلامة نفسه، وما أظن أنكم مصدقي!! كنت مع الشاعر نمشي في مكان لعله جبل الهاشمي في عمَّان. سبقني بخطوات قليلة، وحدثت نفسي فيما بينها وبين نفسي، برأي في عملٍ أُسند إلى المرحوم، ورأيته يومها بعيدا عن تخصصه. ووالله ما مضى خطواتٍ إلا والتفت إلي يقول: حدثني قلبي أن صديقا سدد لي سهما في صدري فأصابني في مقتل!
رحم الله الأخ العزيز عبد الله عيسى السلامة، ورزقه الرضوان والرضى، وعفى عنا وعنه، وغفر لنا وله، إنه سميع قريب مجيب، والحمد لله رب العالمين.
بقلم: وليد جداع
جدة السبت 13/حزيران/2026
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين