التقديم للبحث:
يُعَدُّ كتاب «الخلاف العلمي: أسبابه، شروطه، آدابه» للدكتور ماجد الدرويش دراسةً علميةً تأصيليةً تتناول قضيةً من أهم قضايا الفكر الإسلامي المعاصر، وهي قضية الاختلاف بين العلماء، وما يرتبط بها من ضوابط شرعية وآداب علمية تكفل بقاء الاختلاف في دائرة الاجتهاد المشروع، وتحول دون تحوله إلى نزاع وفرقة وتعصب. ويهدف المؤلف إلى إعادة تصحيح المفاهيم المتعلقة بالخلاف، من خلال التفريق بين الخلاف المحمود القائم على الاجتهاد والنظر والاستدلال، والخلاف المذموم القائم على الهوى والعصبية وسوء الفهم، مع بيان الآثار المترتبة على كل منهما في واقع الأمة.
استهل المؤلف دراسته ببيان مفهوم الخلاف لغةً واصطلاحًا، مبرزًا أن لفظ الخلاف يُستعمل في معنيين مختلفين؛ أحدهما يدل على المنازعة والمشاقة والتضاد، وهو الخلاف المذموم، والآخر يدل على الفقه المقارن ومعرفة مذاهب العلماء وأدلتهم، وهو المعنى الذي درج عليه الفقهاء عند إطلاقهم علم «الخلاف». ومن هذا المنطلق قسّم الخلاف إلى قسمين رئيسين: خلاف التنوع الذي يثري الاجتهاد ويُعدُّ من مظاهر سعة الشريعة، وخلاف التضاد الذي يؤدي إلى الفرقة والخصومة إذا تجاوز حدوده الشرعية.
ثم يعرض المؤلف مجالات الاختلاف وأسبابه، موضحًا أن الاختلاف أمرٌ فطري تقتضيه طبيعة العقول وتفاوت المدارك وقوة الاستنباط، وأنه وقع حتى بين الصحابة رضي الله عنهم في بعض المسائل الفقهية والعقدية دون أن يقدح ذلك في أخوتهم أو عدالتهم. ويؤكد أن الخطأ الاجتهادي لا يستلزم التبديع أو التكفير، مستشهدًا بأقوال كبار الأئمة كابن تيمية والمازري والغزالي والذهبي وغيرهم، لإثبات أن دائرة الاجتهاد أوسع من دائرة التضليل، وأن الأصل هو حمل أقوال العلماء على أحسن المحامل ما دامت منطلقة من أصول معتبرة.
ويُفرد المؤلف مساحة واسعة لبيان ضوابط الخلاف المقبول، فيقرر أن الاختلاف المشروع لا يكون إلا إذا استند إلى أدلة شرعية معتبرة، ولم يصادم نصًا قطعيًّا من كتاب أو سنة أو إجماع، وكان منضبطًا بقواعد الاستدلال وأصول الفقه، وصادرًا عن أهل الاجتهاد المؤهلين. كما يؤكد ضرورة الالتزام بالمذاهب الفقهية المعتبرة وأصولها في فهم النوازل، وعدم التسرع في الخروج على ما استقر عليه اجتهاد الأمة بغير مستند علمي راسخ.
أما في حديثه عن أسباب الخلاف المحمود، فيُرجعها إلى طبيعة اللغة العربية وما تحمله من دلالات متعددة، وإلى اختلاف مناهج الأصوليين في التعامل مع الأدلة، وإلى تفاوت العلماء في قوة الفهم والاستنباط، مع إيراد أمثلة تطبيقية من مسائل الفقه وأصوله توضح كيف نشأت المذاهب الفقهية المختلفة من منطلقات علمية معتبرة، لا من أهواء شخصية أو نزعات مذهبية. ويبرز من خلال هذه الأمثلة أن تنوع الاجتهاد يمثل ثراءً علميًا يعكس مرونة الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
وفي المقابل، يناقش المؤلف أسباب الخلاف المذموم، فيجعل من أبرزها البغي والكبر والعصبية، وإنزال الاجتهادات البشرية منزلة النصوص القطعية، والجهل بأصول الشريعة وقواعد الاستنباط، مع الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال السلف التي تحذر من هذه الآفات. كما يربط بين هذه الأسباب وبين ظاهرة التكفير والغلو واستباحة الدماء، مبينًا أن الانحراف في فهم النصوص الشرعية كان من أبرز أسباب ظهور الفرق المتشددة قديمًا وحديثًا، وأن علاج ذلك يكون بالعلم الراسخ والرجوع إلى مناهج أهل السنة والجماعة في الفهم والاستدلال.
وينتقل بعد ذلك إلى بيان شروط الاجتهاد والخلاف المشروع، مؤكدًا أن باب الاجتهاد لا يفتحه إلا من استكمل أدواته العلمية، من معرفة القرآن والسنة وأصول الفقه واللغة العربية وسائر العلوم الموصلة إلى فهم النصوص، مع التحذير من ظاهرة التصدر للفتوى اعتمادًا على الوسائل التقنية أو مجرد الاطلاع على الكتب دون التأهل العلمي. ويعزز هذا المعنى بنقول عن أئمة الإسلام كأبي حنيفة والشافعي والأوزاعي، تؤكد خطورة القول على الله بغير علم، وضرورة التواضع أمام مكانة الاجتهاد.
ويختم المؤلف دراسته بفصل نفيس عن أدب الخلاف، يبين فيه أن الأخلاق هي الضابط الحقيقي للاختلاف العلمي، وأن من أهم آدابه: عدم تبديع المخالف أو تضليله في مسائل الاجتهاد، وعرض الأقوال بأمانة وإنصاف، واحترام الرأي الآخر، وإمكانية العمل بقول المخالف عند الحاجة إذا كان قوله معتبرًا، مع الاقتصار في الرد على مناقشة القول دون التعرض لشخص القائل. ثم يدعم هذه المبادئ بسلسلة من النماذج المضيئة من سيرة الأئمة؛ كالإمام الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وسفيان الثوري وغيرهم، مبينًا كيف جمعوا بين قوة المناظرة وصفاء الأخوة، وكيف حافظوا على وحدة القلوب رغم اختلاف الأنظار.
ومن الناحية المنهجية، يمتاز الكتاب بالاعتماد على التأصيل الشرعي والاستدلال بالنصوص القرآنية والحديثية، مع الإفادة من أقوال أئمة المذاهب وكبار المحققين، والرجوع إلى طائفة واسعة من المصادر الأصيلة في الحديث والفقه وأصول الفقه والعقيدة والتراجم، مما أكسب الدراسة قوةً علميةً وعمقًا منهجيًا. كما يجمع أسلوب المؤلف بين التأصيل النظري والتمثيل التاريخي، فيربط القواعد المجردة بالوقائع العملية والنماذج التطبيقية، وهو ما يجعل الكتاب مناسبًا للباحثين وطلبة العلم والخطباء والدعاة وكل من يشتغل بالعلوم الشرعية.
هذا الكتاب يسعى إلى ترسيخ ثقافة الخلاف المنضبط، وإحياء منهج السلف في التعامل مع المسائل الاجتهادية، والتأكيد على أن وحدة الأمة لا تعني إلغاء التنوع الفقهي، وإنما تعني حسن إدارة الاختلاف وفق قواعد العلم وآداب الشريعة. ومن ثم فهو يعد مرجعًا مهمًا في بيان فلسفة الاختلاف في الإسلام، وضوابطه، وآثاره، وآدابه، ويقدم رؤية متوازنة تجمع بين احترام النصوص الشرعية، وتعظيم مكانة الاجتهاد، والمحافظة على وحدة المسلمين وأخوتهم العلمية والدينية.
بقلم: د. ماجد الدرويش
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

