التعريف بالكتاب:
يُعَدّ كتاب «مزاوجة القرآن بين سنن الله في الأنفس وسننه في الآفاق» عملاً علميًا تدبريًا متميزًا، يسعى إلى الكشف عن منهجية قرآنية دقيقة في عرض السنن الإلهية؛ حيث يربط القرآن الكريم بين سنن الله الجارية في النفس الإنسانية، وسننه الكونية والتاريخية في الآفاق والأمم والحياة. وقد صدر الكتاب في طبعته الأولى بإسطنبول سنة 1447هـ/2025م، في نحو أربعٍ وستين صفحة.
وينطلق المؤلف من ملاحظة تدبرية عميقة مؤداها أن القرآن الكريم لا يذكر سنن النفس البشرية منعزلة عن سنن الكون والحياة، بل يعرضهما في صورة متماسكة متآزرة، حتى تبدو آيات القرآن كأنها «سبيكة واحدة يمهد أولها لآخرها ويؤكد آخرها أولها في تناغم واتساق». ومن هنا جاءت فكرة الكتاب التي تقوم على تتبع هذا النسق القرآني المطرد، والكشف عن غاياته المعرفية والتربوية والحضارية.
ويؤكد المؤلف في مقدمته أن القرآن الكريم ليس كتاب مواعظ مجردة أو أحكام متفرقة، بل هو كتاب منهجي شامل، له طرائق دقيقة في العرض والتقديم والتأخير والربط بين القضايا؛ بما يحفز العقل على التأمل، ويدعو النفس إلى التدبر، ويقود الإنسان إلى الفهم والتنزيل والعمل. ولذلك يقرر أن التدبر الحقيقي للقرآن لا يقتصر على تحصيل الأجر والثواب، وإنما يتجاوز ذلك إلى استنطاق السنن، وفهم قوانين الله في الكون والإنسان والتاريخ.
ويبرز الكتاب عناية خاصة بمفهوم «السنن الإلهية»، ويقرر أن هذه السنن – سواء أكانت كونية أم بشرية أم تاريخية – مترابطة ترابطًا وثيقًا في وحدة نظامية متناسقة، يأخذ بعضها بحجز بعض، حتى ينتظم العالم كله وفق ميزان محكم لا اضطراب فيه ولا خلل. ومن هنا يعقد المؤلف مقارنات دقيقة بين مظاهر النظام في الكون، وبين النظام الذي يحكم حركة المجتمعات والأمم والنفوس، ليؤكد أن الذي قدّر حركة الشمس والقمر، هو نفسه الذي قدّر سنن النصر والهزيمة، والهداية والضلال، والعمران والانهيار.
ومن القضايا اللافتة في الكتاب تأكيده أن أول ما نزل من القرآن الكريم جمع بين قراءة «المسطور» وقراءة «المنظور»، أي بين الوحي والكون؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾. فالوحي يدعو الإنسان إلى قراءة النص الإلهي، كما يدعوه إلى قراءة الآفاق والأنفس والتاريخ، حتى يكتمل وعيه بالحقائق الكبرى.
كما يبرز الكتاب بصورة واضحة منهج القرآن في الجمع بين «دليل الخلق» و«دليل الهداية»، فكما أن الله تعالى هو خالق الكون ومدبره، فهو أيضًا هادي الإنسان ومرشده، ولذلك يكثر القرآن من الربط بين الخلق والهداية في مواضع كثيرة؛ لأن الحياة بلا هداية تؤول إلى الضياع والاضطراب، مهما بلغ الإنسان من التقدم المادي أو الحضاري.
وقد اعتمد المؤلف في دراسته على المنهج الاستقرائي والتحليلي والتفسير الموضوعي، فتتبع موارد السنن في القرآن الكريم، ثم حاول استنباط خصائص هذا التزاوج بين سنن الأنفس والآفاق، وبيان غاياته وآثاره في بناء الوعي الإنساني. كما يذكر أنه عكف سنوات طويلة على مشروع تفسيري سنني، أحصى فيه ما يزيد على ألف ومئة وسبعٍ وستين سنة من سنن الله في القرآن الكريم.
وينقسم الكتاب بعد المقدمة إلى مبحثين رئيسين:
الأول: يتناول غايات ومقاصد منهجية القرآن في المزاوجة بين سنن الأنفس والآفاق.
والثاني: يعالج آثار هذه المنهجية ونتائجها في الوعي والسلوك والتدبر والحركة الحضارية.
ومن أبرز النماذج التطبيقية التي يعرضها المؤلف تحليله لآيات من سورة يس، حيث يبين كيف جمعت السورة بين الحديث عن سنن البشر في التكذيب والإعراض والجزاء، وبين الحديث عن سنن الكون في الأرض والليل والنهار والشمس والقمر والحياة والموت. ويرى أن هذا التزاوج القرآني ليس مجرد تنويع أسلوبي، بل هو بناء معرفي مقصود يربط الإنسان بالكون، ويجعله يدرك أن الجميع خاضع لسنن الله المحكمة.
ويمتاز الكتاب بلغة علمية أدبية رصينة، تجمع بين روح التدبر القرآني وعمق التأمل الحضاري، مع كثرة الاستشهاد بالآيات وأقوال العلماء والمفسرين، وربط القضايا القرآنية بالواقع الإنساني والمعرفي المعاصر. كما يتميز بأسلوب تحفيزي يدعو القارئ إلى إعادة اكتشاف القرآن من زاوية السنن الإلهية، وإلى تجاوز القراءة التجزيئية إلى القراءة الكلية المتماسكة.
وخلاصة القول: فإن هذا الكتاب يمثل محاولة جادة في ميدان الدراسات السننية والتفسير الموضوعي، ويقدم رؤية قرآنية واعية للعلاقة بين الإنسان والكون، وبين الهداية الربانية وحركة الحياة، بما يفتح للقارئ آفاقًا واسعة في التدبر والفهم والإدراك الحضاري لرسالة القرآن الكريم.
بقلم: د. رمضان خميس
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين
