حدث في السابع عشر من رجب وفاة السلطان محمد الثالث


|||عدد مرات المشاهدة189 زيارة|0 تعليق

كاتب المقال: الأستاذ محمد زاهد أبو غدة

في السابع عشر من رجب من سنة 1012=1603 توفي في إستانبول، عن 37 سنة، السلطان محمد الثالث بعد حكم دام 9 سنوات، واتسم حكمه بضعف مركز السلطان وانتشار الفساد وتسلط الصدر الأعظم ورجال الديوان، والنفوذ الكبير لوالدته صفية وتدخلها في شؤون الحكم، مع اندلاع سلسلة من العصيانات والتمردات العسكرية.

 

ولد الأمير محمد سنة 976 في مغنيسا لما كان والده أميراً عليها، وقبل شهور من وفاة جد والده السلطان سليمان القانوني، وهو الذي أسماه محمداً تيمناً بالسلطان محمد الفاتح، وعاش أيام جده سليم الأول، وبعد وفاته سنة 982 تولى أبوه السلطان مراد الثالث الحكم، وفي سنة 990 وعلى عادة أهل زمانه، احتفل السلطان مراد بختان الأمير محمد لما بلغ من العمر 14 سنة، قال المحبي في خلاصة الأثر: وصنع لذلك فرحاً لم يقع في زمن أحد من الخلفاء والملوك، وامتدت الولائم والفرجة واللهو والطرب مدة 45 يوماً... وأغدق النعم العظيمة... جعل صواني صغاراً من ذهب وفضة، وملأ الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، وألقى ذلك لأرباب الملاهي وغيرهم من طالبي الإحسان، وجعل بعد ذلك دشيشة لأجل فقراء المدينة الشريفة، ووقف عليها أوقافاً كثيرة، وحصل بها النفع التام لأهل المدينة.

 

وفي آخر سنة 992 جعل السلطان مراد الثالث ابنه الأمير محمد أميراً على سنجق صاروخان وقاعدتُها مغنيسا، وهي شمالي إزمير، وبقي كذلك مدة 11 سنة حتى وفاة والده سنة 1003،  فجاء من مغنيسا إلى استانبول وتسلم مقاليد الحكم، وأمر بقتل كل إخوته الذكور وكان عددهم  19 أخاً.

 

ورث السلطان محمد الثالث عن والده دولة عظيمة كبيرة، تمتد أملاكها والدول الخاضعة لها من المحيط الأطلسي إلى حدود الصين، ومن الحبشة إلى البوسنة، وشمل نفوذها بولندا وليتوانيا، ولكن هذه الدولة العظيمة كانت تواجه مشاكل كبيرة داخلية وخارجية كان من شأنها أن تطيح بها، ولكنها صمدت بفضل متانة أساساتها وقوة بنيانها، ولأن منافسيها من الدول الأوروبية لم يكونوا بعد أقوياء لدرجة يستطيعون معها هزيمتها أو إخضاعها.

 

فقد تحولت الدولة العثمانية من دولة خلافة وجهاد، ذات سياسات عملية ومقتصدة، إلى دولة إمبراطورية مسرفة، تهتم كثيراً بمظاهر العظمة الجوفاء، وتسلل كثير من الوصوليين الطامعين إلى مناصب الدولة، فلم يكن لهم هدف إلا إثراء أنفسهم، فباعوا المناصب وظلموا العباد وأفقروا البلاد دون رقيب أو حسيب، وزادوا في انتشار رقعة الفساد وتغلغله.

 

وانعزل السلطان عن الرعية وممارسة الحكم وقيادة الجيوش، فقد كان السلطان سليم الأول وابنه من بعده مراد الثالث قد هجر تقاليد السلاطين السابقين، فلم يخرج أي منهما على رأس جيوشه إلى الغزو، وأمضى السلطان مراد سنواته الأخيرة في عزلة عن الناس لا يكاد يغادر قصر طوبقبو، معتمداً في المشورة على الحريم وفي الحكم على كبار الموظفين، وكانت المؤامرات التي يحيكها هؤلاء للسيطرة على السلطان وتوجيهه كما تقتضيه مطامعهم الفاسدة، أحد الأسباب التي جعلت السلطان لا يغادر القصر.

 

وفتح السلطان مراد الثالث المجال لوالدته السلطانة نوربانو، ثم لزوجته ووالدة ابنه محمد؛ السلطانة صفية، للتدخل في شؤون الدولة وتعيين الوزراء وكبار الموظفين، فانبثق باب آخر للفوضى في القرارات، وللرشوة والفساد في تولي الوظائف، وذهبت هيبة السلطنة وعظمة الدولة، وصار الحكم في يد أمهات السلاطين وزوجاتهم، وانتقل ذلك لعهد السلطان محمد الثالث، حين تسلطت والدته صفية على شؤون الحكم وأمور الديوان، وذلك بالتعاون مع بعض رجال الحاشية وكبار الموظفين.

 

وكانت التقاليد أن يعين السلطان الأمراء الصغار من أبنائه أمراء على الولايات والسناجق، ولكن محمد الثالث أبطل هذا التقليد، خشية أن يخرج منهم منافس أو منشق، وجعلهم يعيشون حبيسي القصور السلطانية وحرمهم من اكتساب الخبرة السياسية والإدارية، فلم يعد فيهم ذو خبرة في إدارة الدولة وشؤون الحكم.

 

وزاد الأمر سوءاً أن الدولة العثمانية، وهي في هذه الحال من الاضطراب والفساد ونقص الأموال، خاضت حرباً طويلة الأمد مع إمبراطورية الهابسبورج، دامت 13 سنة، من أيام السلطان مراد حتى أيام السلطان أحمد ابن السلطان محمد الثالث.

 

وانتهز هذه الأحوال أعداء السلطنة في الخارج والأمراء الطامعون في الداخل، فبدأت حركات التمرد والاستقلال في البلقان والأفلاق والأناضول كما سنرى.

 

وحال تسنمه العرش أمر السلطان محمد الثالث بإعدام وزير من وزراء والده وهو إبراهيم باشا الملقب دِلي، أي المجنون، وكان ظالماً غاشماً جشعاً طالما مدَّ يده إلى أموال الناس وحريمهم، ثم عزل السلطان الصدر الأعظم سنان باشا قوجا، وكان في التسعين من العمر، وجعل محله فرهاد باشا السردار، وكان في الستين من العمر، وكان هذان الوزيران قطبين متنافرين تحزب حول كل منهما مجموعة من رجال القصر.

 

وكانت الدولة العثمانية تواجه تمرداً في رومانيا يقوده أمير الأفلاق ميخائيل، الملقب بالشجاع، والذي كان قد استدان أموالاً طائلة من أتراك رومانيا، وبذل الرُشا الوفيرة حتى عينه الصدر الأعظم في هذا المنصب، ثم ما لبث جمع دائنيه قبل سنتين بحجة أنه يريد سداد بعض ديونه، ثم أمر فأحرق المكان عليهم، وأعلن تمرده على الدولة العثمانية، متسبباً في مجازر للأتراك في أنحاء رومانيا، وبعد ذلك تحالف ميخائيل  لمواجهة العثمانيين مع أمير ترانسلفانيا المجري سيجيسموند باتوري الذي اتخذ نهجاً معادياً للعثمانيين وخالف نهج سابقيه في الموازنة بين النفوذ العثماني وبين نفوذ آل هابسبورج.

 

وأرسل السلطان الوزير فرهاد على رأس جيش إلى رومانيا لقتال ميخائيل، ولكن ما لبثت مكايد الحاشية أن فعلت فعلها، فبعد قرابة 3 شهور عزله السلطان من منصب الصدر الأعظم، وجعل محله سنان باشا.

 

وكانت الحملة العثمانية في الأفلاق سلسلة من الهزائم المتوالية، فقد حصل ميخائيل على العون من آل هابسبورج في الإمبراطورية الألمانية المقدسة، بعد أن قام البابا كلمنت الثامن بحض حكام ترانسلفانيا ومولدافيا والأفلاق وموسكو على ضم صفوفهم لمواجهة العثمانيين، وطلب من البندقية وملوك ألمانيا وإسبانيا دعمهم، وأمدهم هو بمبلغ 600.000  سكودو فضة، وسمي هذا المسعى بالتحالف المقدس للبابا كلمنت الثامن.

 

وقاد الحملة العثمانية الجديدة الصدر الأعظم سنان باشا، وعسكر في مدينة روُسِة على الضفة الجنوبية لنهر الدانوب، في شمال بلغاريا اليوم، وحافظ الأمير الأفلاقي ميخائيل على أسلوبه السابق في قتال الجيش العثماني، والقائم على تجنب المواجهة المباشرة  واتباع أسلوب الإغارة والكر والفر، فقد كان العثمانيون يتفوقون عليه عشرة أضعاف من حيث العدد.

 

ونجح هذا الأسلوب في معركة كالوجيرني التي وقعت في جنوبي رومانيا في 17 ذي الحجة 1003= 23/8/1595، فقد انسحب ميخائيل بقواته من أمام الوزير إلى الضفة الأخرى من النهر بهدف استدراجه إلى معركة في أرض مستنقعات، وتعقب الجيش العثماني المنسحبين، ولما حاول العثمانيون عبور النهر قصف ميخائيل الجسر بمدفعيته، واضطرهم إلى التراجع تحت وطأة نيرانه، وعاود العثمانيون الهجوم محاولين تطويق قوات ميخائيل، ونجحوا في عبور النهر من مناطق بعيدة عن نيران مدافعه، فلما رأى ذلك ميخائيل انسحب بقواته خارج الطوق تاركاً مدافعه وراءه، ثم أعاد تجميع قواته خلال ساعات وشن هجوماً ذا شعبتين شنت إحداها قوات لم تخض القتال السابق فكانت في أوج قوتها، وهاجمت الجيش العثماني، واستطاعت زحزحته حتى وصلت لمواقعها السابقة، بل واستطاعت استعمال مدافعها التي خلفتها من قبل، فقصفت العثمانيين المنسحبين، أما الشعبة الأخرى فهاجمت معسكر الجيش العثماني فسببت مزيداً من الإرباك والفوضى في صفوف المنسحبين، وانجلت المعركة عن خسارة كبيرة للعثمانيين تقدرها بعض المراجع بأكثر من 10.000 إصابة مقابل 1.000 قتيل في صفوف قوات الأفلاق.

 

ومع ذلك انسحب ميخائيل في جنح الظلام، لأنه كان يدرك أنه رغم كسرة العثمانيين فإن الميزان العددي لا يزال في صالحهم، وأنه لن يستطيع أن يضمن النصر إن هو واجههم في معركة مفتوحة متصلة، ولم يحالو التحصن في مدينتي بوخارست وترجوفيشت والدفاع عنهما، بل انسحبت قواته منهما فدخلهما سنان باشا واستقر فيهما وبدأ في تحصينهما.

 

وكان ذلك خطأً آخر ارتكبه سنان باشا، فقد ترك عدوه يلتقط أنفاسه ويستعد لجولة أخرى، وهي الجولة التي استأنفها ميخائيل بعد شهرين بعد أن وصله المدد من حلفائه، فهاجم العثمانيين على حين غرة وهزمهم في 3 معارك متتالية، كانت آخرها معركة جورجيو في جنوب رومانيا، والتي وقعت في 21 صفر 1004= 26/10/1595، والتي انسحب بعدها سنان باشا وما بقي من قواته إلى جنوبي الدانوب.

 

وفي نفس الوقت قام الكونت الألماني كارل فون مانسفيلد بحصار قلعة إستِرجون الاستراتيجية الموقع، والتي كان السلطان سليمان القانوني قد فتحها قبل 52 سنة، ودام حصاره لها شهرين حتى استسلمت الحامية العثمانية في 25 ذي القعدة 1003= 2/9/1595 بعد معارك مدمرة تركت البلد وقلعتها أطلالاً مهدمة.

 

وإلى جانب خسارة أراضي شاسعة، كانت للحملة العثمانية الفاشلة آثار سيئة على المدى الطويل، فقد سقط فيها عدد كبير من القتلى في صفوف كتائب الصاعقة، وهي القوة الضاربة الرئيسية في الجيش العثماني، وبسبب الفوضى والتخبط السائد لم تقم قيادة الجيش بتعويض هذه القوات في المستقبل، واضطر العثمانيون للاستعانة محلها بخيالة تتار القِرِم، والذين لم يكونوا منظمين أو منضبطين مثل هذه الكتائب، ولذا سببوا للدولة مشاكل عديدة.

 

وعزل السلطان الوزير سنان باشا بعد هذه الهزيمة، وجعل محله أستاذه لالا محمد باشا، ولالا تعني المعلم، ولكنه توفي فجأة بعد أسبوع من تعيينه، فأعاد السلطان سنان باشا لمنصب الصدر الأعظم، وطلب منه الإعداد لحملة أخرى، ولكن سنان اشترط أن يكون السلطان على رأس هذه الحملة، ويذكر أن سناناً قال قولاً يبين الحضيض الذي أدى إليه التنافس بين كبار الحاشية، فقد قال تأييداً لطلبه: إن سبب الفشل السابق أنه لو صار الصدر الأعظم قائداً للجيش، فإن نائبه، الطامع في منصبه، لن يساعده بإمداده بالجنود والعتاد، بل سيسعى لفشله حتى يحل محله، وفي المقابل كذلك، سيسعى الصدر الأعظم لفشل قائد الجيش حتى لا ينتصر فيكون منافساً له.

 

ولم يشارك سنان باشا في الحملة فقد توفي بعد 4 شهور، في 4 شعبان سنة 1004 تاركاً وراءه ثروة هائلة، فقد كان هذا الوزير، الذي صار والي دمشق وبنى فيها جامعه المعروف باسمه، شرهاً للمال يجمعه من كل الوجوه، ولذا ذمه مؤرخو الأتراك ذماً شديداً.

 

وعين السلطان في منصب الصدر الأعظم، واليه على مصر وزوج أخته عائشة؛ الداماد إبراهيم باشا، والداماد تعني الصهر، وكان رجلاً قديراً مدبراً، عمل في أول أمره مع الوزير العظيم محمد باشا صُقُلّي، فساس الأمور بحكمة وروية ونظام، وطلب منه السلطان إعداد حملة عسكرية تسترجع الخسارات التي جرت في عهد أسلافه، فعمل على ذلك.

 

وبعد قرابة شهرين خرج من استانبول الجيش العثماني وعلى رأسه السلطان محمد الثالث، وكانت تلك أول مرة منذ قرابة 30 عاماً يقود فيها السلطان الجيش العثماني، وبعد قرابة 4 شهور وصلت الحملة إلى الأراضي النمساوية، وفي هذه الأثناء كانت قوات هابسبورج بقيادة الأرشيدوق ماكسميليان الثالث قد حاصرت قلعة خطوان، في وسط شمالي هنغاريا، واقتحمتها وقتلت كل سكانها من المسلمين بما فيهم النساء والأطفال، وبعد ذلك بقليل حاصر العثمانيون قلعة أكري Eger في شمالي شرق هنغاريا، واقتحموها بعد 3 أسابيع، وانتقاماً من إبادة أهل خطوان أمر السلطان محمد الثالث بقتل كل من بقي من حامية إكرى والبالغ عددها 7.000 جندي من المرتزقة، وبعد هذا الفتح تلقب السلطان محمد الثالث بفاتح أكري.

 

وأثناء سيره إلى ميدان المعارك في سنة 1005 أصدر السلطان محمد الثالث مرسوماً بتعيين أسعد ابن معلمه سعد الدين جان على قضاء القسطنطينية، ولكن والدته السلطانة صفية اعترضت فعزلته، قال المحبي في خلاصة الأثر: ففوض إليه قضاء قسطنطينية، فبينما هو في أثناء الطريق إذ ورد إليه خبر أن والدة السلطان قد امتنعت من تنفيذ هذا الإعطاء، وسَعَت على رد هذه الولاية، وولت قاضى استانبول السابق، لكون السلطان فوَّض إليها أمر ذلك، وأنها تعزل من أرباب الدولة من أرادت، وتولي من أرادت، فاضطربت أرباب المناسب لهذا.

 

وكان التعيين والعزل والتخبط بينهما سمة ذلك الوقت، ففي السنوات التسع التي حكم فيهن السلطان محمد الثالث تغير منصب الصدر الأعظم 12 مرة، وجرى ذلك مع منصب شيخ الإسلام، فقد عين السلطان الشيخ صنع الله بن جعفر في منصب شيخ الإسلام سنة 1008، ثم عزله بعد سنتين في سنة 1010، ثم أعاده للمنصب بعد سنة ونصف في سنة 1011 فمكث فيه شهراً ثم عزل، ثم أعاده السلطان أحمد في أول سنة 1013 ثم عزله بعد سنتين، ثم أعاده بعد 3 أشهر، ثم عزله بعد قرابة سنة ونصف.

 

وبعد مرور سنة من الهزائم التي سبق ذكرها وقعت معركة هاجوفا أو سهل كيريسزتز، في شمال هنغاريا، في 4 ربيع الأول 1005= 26/10/1596،وانتصر فيها العثمانيون انتصاراً مبيناً أعاد لهم اعتبارهم، ومكنهم من استرجاع ما خسروه في الحملة السابقة، وكان يقود الطرف الآخر الأرشيدوق ماكسميليان الثالث وسيسجسموند ملك ترانسلفانيا.

 

وانتزع العثمانيون الانتصار انتزاعاً من مخالب الهزيمة بعد معركة دامت يومين، واستخدمت فيها الأسلحة النارية من بنادق ومدافع استخداماً واسعاً استطاع بفضله النمساويون المتخندقون أن يدحروا كل الهجمات العثمانية في اليوم الأول، وأراد السلطان محمد أن ينسحب ولكنه استشار معلمه شيخ الإسلام سعد الدين محمد بن حسن جان، المتوفى سنة 1008، الذي وجهه أن يقاتل حتى الرمق الأخير، فتابع القتال في اليوم الثاني، ولكن بدا أن الدائرة قد دارت على العثمانيين، وهرب كثير منهم غير عابئين بصيحات السلطان لهم للثبات والقتال، واستطاعت قوات العدو الوصول إلى مخيم السلطان ورفعت علمها عليه، واستولت على صناديق الذهب فيه، وحوصر السلطان في حرسه ووزرائه، ثم انقلبت الأمور حين أرادت مجموعة من جنود النمسا مهاجمة المخازن السلطانية ونهبها، فتصدى لهم القيمون عليها من سلاحدارية وبلطجية وطباخين وسواس ومساعديهم، وانقض هؤلاء على جنود النمسا بما وصلت إليه أيديهم من مطارق ومغارف وأخشاب، ففر هؤلاء من هذه المفاجأة غير المتوقعة، ونادى مناد بين جنود السلطان: إن العدو يهرب، فسرت فيهم روح جديدة وكروا على العدو، تساعدهم المدفعية فشنوا هجوماً جديداً استطاع سحق القوات المعادية.

 

وبرز في الهجوم الأخير وزيران من وزراء السلطان هما سنان باشا جِغالا، وحسن باشا الخادم، فقد قاد سنان باشا جغالا الكرة على الأعداء وتعقبهم حتى تبينت هزيمتهم، وأجرى السلطان تغييرات في ديوانه، فعزل الصدر الأعظم إبراهيم باشا وجعل محله سنان جغالا باشا، وعزل خانَ التتار كراي خان وجعل محله أخاه فتح كراي خان، وعيّن حسن باشا والياً على بلغراد.

 

وسنان باشا جغالا مولود في مسينا في إيطاليا لأسرة من نبلاء جنوة، أُسِرَ هو ووالده في جربة في تونس، وأخذوا إلى استانبول، وافتدى والده نفسه وعاد إلى إيطاليا، أما هو فآثر البقاء ودخل في سلك الجيش العثماني، وترقى في مناصبه حتى صار قائد الأسطول، وزوَّجه السلطان سليم الثاني اثنتين من حفيداته، ولم يتمتع بالوزارة سوى 40 يوماً فقد كرهه رجال الجيش بسبب إدخاله الإصلاحات على الجيش العثماني بغرض إعادة الانضباط إلى صفوفه، وتوجس منه خيفة رجال القصر لكونه غريباً عنهم، فعملوا حتى عزله السلطان وأعاد إبراهيم باشا.

 

أما حسن باشا الخادم فتذكر المراجع التاريخية أنه كان ظالماً مرتشياً: لم يشكر نِعمَ الله عليه، ولم يتوسل ببدائع الخير إليه، بل همَّ بتوسيع باب الارتشا، وأخذ بالأخذ من الناس كيف يشا، رمى غرض الرُشا فأصاب، ودعاه داعي البغي فأجاب. وكان حسن باشا يثبت مكانته من خلال الهدايا التي يغدقها على والدة السلطان، والتي رأينا مصدرها، واستمر نجمه في صعود حتى جعله السلطان محمد صدراً أعظماً في سنة 1006، ثم عزله بعد ستة أشهر وأمر بقتله.

 

وفي منتصف سنة 1009 قام الصدر الأعظم والقائد الأعلى إبراهيم باشا الداماد بمحاصرة قلعة قانيجة وفتحها، ولم تنجح نجدة ألمانية كبيرة في استرجاعها، وكانت قلعة ذات موقع استراتيجي يتحكم في طرق المواصلات والنقل، قال المحبي: كان فتحاً عظيماً... وسر بها المسلمون وزينت البلاد لهذا الفتح ثلاثة أيام.

 

ولأهميتها التعبوية والنفسية صمم الألمان على استرجاعها وجاؤوا في ربيع الأول من سنة 1010 وحاصروها مدة شهرين، دون أن ينجحوا في اقتحامها، وحشد الجيش الألماني لاسترجاع القلعة 100.000 جندي و47 مدفع حصار، بقيادة الأرشيدوق فرديناند، إمبراطور المستقبل، البالغ من العمر 23 سنة،  وفي المقابل كانت القوات العثمانية تتكون من 9000 جندي و100 مدفع دفاع، يقودهم حسن باشا الترياقي، البالغ من العمر 80 سنة، والذي خاض أول معاركه في زمن السلطان سليمان القانوني، وسمي الترياقي لحبه الشديد للقهوة.

 

وكان الألمان يطلقون على القلعة 1.000 قنبلة يومياً، ورغم أن قائد الجيش العثماني لم يكن بعيداً عن القلعة إلا أنه لم يجسر على فك الحصار عنها خوفاً من التعرض لهزيمة لم تكن في الحسبان، وصمد حسن باشا مع جنوده، وكان يوهم العدو أن الجيش العثماني القريب سينتهز الفرصة ويهجم عليهم حينما يبدأون هجومهم على القلعة، وكان يضع في جيوب جنوده من الوثائق التي تفت في عضد الأعداء إن هم أسروا أو قتلوا جنوده، ودخل فصل الشتاء البارد فأصبح الحصار صعباً على الألمان، وصار جنودهم يتوقون لرفع الحصار والعودة إلى بلادهم، وفي اليوم السبعين من الحصار شن حسن باشا هجوماً ليلياً على القوات الألمانية فدب الذعر في قلوبهم إذ ظنوا أنه الهجوم العثماني الكبير، فانسحبوا في فوضى تامة، وتركوا وراءهم مدافعهم وذخائرهم وتجهيزاتهم، وبحنكة القائد تعقبهم حسن باشا الترياقي حتى صاروا داخل الأراضي النمساوية، وزينت استانبول لهذا النصر غير المتوقع، ومنح السلطان محمد الثالث رتبة المشير للقائد حسن باشا الترياقي.

 

وإضافة إلى هذه القضايا الخارجية الهامة والجو الملبد بالمكائد في حكومته، واجه السلطان محمد الثالث فتناً داخلية خطيرة أطلت برأسها بسبب ضعف هيبة السلطان، ومنها الفتنة التي تزعمها عبد الحليم المعروف قَرَه يازجي، وهي حلقة من سلسة عصيانات عرفت بالتمرد الجلالي، وقصته أنموذج لهؤلاء الخارجين، نوردها مع الاختصار:

 

كان عبد الحليم من المتطوعة الذي يعرفون بالسكبان، ثم تقرب من الأمير درويش الرومي والي صفد، فجعله رئيساً عنده، ثم عزل السلطان الأمير درويش وولى مكانه الأمير علي الجركسي، فشجع عبد الحليم الأمير درويش على التمرد وألا يسلم البلد، وجرت فتنة ومعارك، انتهى أمرها أن رحل الأمير درويش إلى استانبول حيث عده السلطان من المفسدين في الأرض فأمر بصلبه.

 

وأما عبد الحليم وأنصار الأمير درويش فساروا إلى كِلِّس بإشارة من أميرها المتمرد حسين بن جانبولاذ، فتصدى لهم نائب السلطان بحلب، وهرب عبد الحليم ثم استولى على مدينة الرها أو أورفا، وانضم إلى متمرد آخر هو حسين باشا والي الحبشة السابق، فلما جاءت الجيوش السلطانية للقضاء على التمرد، فاوضهم عبد الحليم واتفق معهم أن يعطوه الأمان ويبقى في أورفا مقابل أن يسلم إليهم حسين باشا ليكون مصيره الإعدام في استانبول.

 

ولم تقتصر الفتنة على الأناضول، بل وصلت إلى استانبول، وينقل المحبي في أخبار سنة 1010: وكثرت الجلالية بدار السلطنة، وبالغوا في التعدي والشقاوة، فاجتمع العلماء وذهبوا إلى خليل باشا القائم مقام، وأقاموا النكير عليه، وذكروه ما يفعله القوم من خرق حرمة الشرع، فعرض ما قالوه على السلطان، فكان جوابه لكل شيء وقت وزمان!

 

وبعد شهور قليلة من استسلامه بالأمان أعلن عبد الحليم تمرده من جديد، وسار إلى عينتاب فأرسل السلطان وزيره حسن باشا لقتاله، فهزمه هزيمة منكرة، وتعقبه إلى سامسون على شاطئ البحر الأسود، فحاصره حسن باشا، وما لبث عبد الحليم أن مات في سنة 1010، وتفرق أصحابه فانضوت منهم طائفة، تحت قيادة أخيه المدعو دلي حسن، إلى متمرد آخر يدعى رستم كان في ملاطيا، فأرسل له السلطان حسن باشا صُقُلي فهزمه هذا المتمرد وقتله، وحيث كانت الجيوش العثمانية منخرطة في معاركها على الجبهة الأوروبية مع النمسا فقد اضطرت الدولة إلى مراضاته فصفحت عنه وجعلته والياً على البوسنة، فسافر إليها بأتباعه وجنوده واضمحل شأنه وباد عسكره في المعارك مع دولة المجر والنمسا.

 

وأعقب هذا التمرد تمرد آخر في آخر سنة 1010 وقع في استانبول قام به جنود الخيالة المعروفين بالسباهية، والذين احتجوا على معالجة الديوان السلطاني للتمرد الجلالي، وبخاصة أن أغلب القادة الذي أرسلوا لقمع التمرد لم يُختاروا لكفاءتهم بل لما دفعوه من رُشى للصدر الأعظم ورجال الحاشية ونساء الحريم، ولذلك لم يقبلوا أن يتحدثوا إلا مع السلطان لاعتقادهم أن الحاشية من حوله لا تنقل له حقيقة ما يجري في الأناضول.

 

ويذكر المحبي في الدرر الكامنة أن السباهية اجتمعوا: وطلبوا أن يرتب السلطان ديوانا يحضر فيه أعيان العلماء ليعرضوا على السلطان بعض أمور بالمشافهة، فجمع إليه السلطان المفتي صنع الله والقائم مقام وقاضي العسكر ونحو ثلاثين مدرساً وعالماً، ثم دخل ثلاثة من زعماء السباهية، وذكروا أن رؤوس العساكر خلت منهم بلاد الأناضول، فكان ذلك سبباً لاتصال الطغاة بهذه البلاد، وما ذاك إلا من إهمال وكلاء الدولة ومسامحة المقربين للسلطنة. وتبين في الاجتماع أن محور الفساد يقوم على رجلين أحدهما غضنفر آغا مدير القصر السلطاني وعثمان آغا المسؤول عن الحريم، فأمر السلطان بقتلهما على الفور.

 

وفي واقعة تدل على قوة نفوذ السلطانة صفية والدة السلطان محمد الثالث نجا من الإعدام الصدر الأعظم حسن باشا بعد أن برر موقفه بأن أبرز رسائل من السلطانة الوالدة تطلب منه ألا يخبر السلطان بأي أخبار تشغل تفكيره، وهو ما يؤكد صحة موقف السباهية.

 

وبعد شهور سقطت مدينة ستولني بلغراد في يد الألمان، وهي مدينة سيكشفهيرفار في وسط هنغاريا، وكان الملوم عن ذلك حسن باشا يمشجي قائد جبهة الحرب مع الألمان، والذي استرجعها بعد سقوطها بشهور، وعاد يمجشي إلى استانبول، لتلاحقه دسائس حاشية السلطان، الذين حركوا عليه السباهية بعد أن استصدروا فتوى من شيخ الإسلام تنسبه إلى التقصير وسوء التدبير في أمور الحرب، واجتمع السباهية في ميدان من ميادين استانبول مطالبين في الظاهر بمحاسبة حسن باشا يمشجي، ومهددين بالتمرد، ولكن السلطان استعان بالإنكشارية في القبض على رؤوس الفتنة وقتلهم، فخمدت بعد أن كادت تطيح بعرشه.

 

وفي آخر سنة 1011 بلغ السلطان محمد الثالث أن ولده الأكبر محمود، وكان عمره نحو 18 سنة، يتآمر للإطاحة به، فقد كتب الولد رسالة إلى أمه يخبرها أن أحد الصالحين قد بشره أن والده سيموت بعد 6 أشهر، وسيصبح هو السلطان. وبث الأمير الشاب مكنون صدره لأمه واستياءه من والده الضعيف الذي سيطرت عليه الجدة صفية والتي كانت تتدخل عبر قهرمانتها اليهودية في الديوان الهمايوني، ولا تراعي أية مصلحة إلا جشعها في تكديس الأموال، وقال إنه إن تسلم السلطنة فسيكف يد جدته عن التدخل في شؤون الحكم، ويعيد السلطنة إلى سابق أبهتها وعظمتها... ووقعت الرسالة في يد جواسيس جدته السلطانة صفية، فأعطتها لوالده وحرضته على قتله، فأحضره وتحقق من ذلك، ثم أمر بإعدامه.

 

وبسبب كل هذه الاضطرابات والفوضى، نقض الشاه عباس الصلح وبدأ في الهجوم على الأراضي العثمانية فأمر السلطان بإرسال جيش من استانبول وآخر من حلب ليواجه هذا الخطر الداهم على الحدود الشرقية، ولكن السلطان مالبث أن توفي بعد شهر من ذلك في السابع عشر من رجب، وتولى الحكم بعده ابنه أحمد البالغ من العمر 14 سنة.