مطلوب إستراتيجية عربية وإسلامية لمواجهة الإلحاد والشذوذ

«إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»؛ أي أن من الناس من لا يصلحه إلا قوة السلطان؛ وذلك للتأكيد على ضرورة ردع المخالفين والشاذين بالقانون والقضاء، وليس فقط بالقرآن والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.

من هنا تأتي أهمية الحوار مع المستشار د. محمد إبراهيم، المحامي بالنقض والدستورية العليا، أحد أبرز من لاحق الملحدين والشواذ والمنحرفين بسيف القانون وميزان العدالة.

قمتم بالعديد من الملاحقات القضائية ضد الملحدين والشواذ، فما المادة القانونية التي تستند إليها في رفع هذه الدعاوى القضائية؟

جرائم الإلحاد والشواذ تندرج قانونياً تحت جرائم ازدراء الأديان؛ لأنه لا يوجد دين يبيح الإلحاد أو الشذوذ، كما أن هناك نصوصاً قانونية وطنية ودولية تجرم ازدراء الأديان والمقدسات بوجه عام، ففي قانون العقوبات المصري تنص المادة (160) «.. مع عدم الإخلال بعقوبة أشد، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات وغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تزيد على خمسة آلاف جنيه كل من شوش على إقامة شعائر ملة أو دين أو رموز أو أشياء أخرى لها حرمة عند أبناء الملة»، وتشدد العقوبة في أحداث الفتنة أو زعزعة الوحدة الوطنية بالسجن 7 سنوات مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد.

وتندرج جريمة ازدراء الأديان تحت الباب الثاني من الكتاب الثاني من قانون العقوبات تحت بند الجرائم المضرة بأمن الدولة من جهة الداخل، كما استندت فيما تقدمت به من بلاغات إلى أنها من الجرائم المنصوص عليها في المادة (98) من قانون العقوبات المصري التي تنص على أنه «يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر ولا تجاوز 5 سنوات أو بغرامة لا تقل عن 500 جنيه ولا تجاوز ألف جنيه لكل من استغل الدين في الترويج أو التحييز بالقول أو بالكتابة أو بأي وسيلة أخرى لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو التحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الضرر بالوحدة الوطنية أو بالسلم الاجتماعي».

تجريم دولي

قلتم: إن ازدراء الأديان مجرم دولياً، فما النصوص الدولية التي تنص على ذلك التي يمكن من خلالها ملاحقة الملحد دولياً؟

هذه الجريمة تخالف قواعد القانون الدولي والاتفاقيات الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي كفلت حرية الاعتقاد لكل إنسان ولكنها تجرم ازدراء الأديان، والتعدي على المقدسات، بل جعل منها جريمة حرب، كما جرم الإساءة للمعتقدات الدينية للآخرين؛ لأن هناك فارقاً بين حرية الرأي والتعبير عنه، وازدراء الأديان، فوفقاً لاتفاقيات جنيف الأربع الصادرة عام 1949، والبرتوكولين الملحقين بها عام 1977، عد القانون الجنائي الدولي مخالفة الاتفاقيات السابقة جريمة حرب، كما نصت المادة (8 الفقرة الثانية أ)، والفقرة التاسعة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية جريمة ازدراء الأديان والاعتداء على المقدسات جريمة ضد الإنسانية، وذلك لأنها تعتبر من الاضطهاد والتمييز بسبب الدين، ويمكن عن طريق الدول الأطراف في المحكمة الجنائية الدولية المنصوص عليها في المادة (112) من النظام الأساسي تعد جريمة ازدراء الأديان جريمة ضد الإنسانية.

لن أتوقف عن التصدي للملحدين والشواذ المعادين للأديان والفطرة

ما هو أول بلاغ قمتم به ضد الملحدين؟

كان هذا منذ أكثر من 10 سنوات ضد أحد المواقع الإلكترونية الشهيرة التي تنشر إعلاناً مغرياً عن اتحاد الملحدين العرب، وأنه يقدم فرص عمل للمنضمين إليه، وفرصاً للهجرة للخارج مع تقديم تسهيلات مع التعريف بما يملكه الاتحاد من قناة ومجلة وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي والتأثير، مما يعد استفزازاً لأهل الأديان السماوية وخاصة المسلمين.

تحايل الملحدين

ماذا تم في هذا البلاغ؟

للأسف، تم حفظ البلاغ؛ لأن هذا الموقع الإلكتروني المشبوه لم يكن له عنوان في مصر لإرسال إعلان له بالبلاغ الذي تقدمت به ضده، وكان هذا متوقعاً؛ لأن مثل هذه المواقع الإلكترونية والاتحادات الإلحادية المشبوهة تتخذ الاحتياطات التي تمنع من ملاحقتها قضائياً، فهم شياطين الإنس يخططون لنشر الضلال والفتنة دون أن يعلنوا عن أماكنهم لأنهم يعرفون أنهم على باطل، وأن السلطات لن تتركهم يعيثون في الأرض فساداً.

قمتم بتقديم بلاغ ضد إعلامي مصري أنكر رحلة الإسراء والمعراج، فما حيثياته؟

استندت في البلاغ أن المبلغ ضده دأب بصفة دورية ومسلسلة ومعروضة على العامة من خلال البرنامج الذي يقدمه على الطعن في ثوابت الدين والتطاول على الصحابة وتشكيك الناس في عقيدتهم وفروضهم الدينية، واستغلال التطاول على الدين في الترويج لأفكاره ومعتقداته المتطرفة والمغلوطة الموجهة للجماهير، قاصداً من ذلك خلق حالة من الاضطراب والفرقة والتشتت وفتنة العامة وتشكيكهم في معتقداتهم وثوابتهم الدينية دون امتلاكه لأي دليل أو سنداً صحيحاً، قاصداً من ذلك إثارة الفتنة والإضرار بالأمن العام وتكديره بمفهومه الواسع الأمن المجتمعي والأسري والديني والسلام الاجتماعي، كما فعل بإنكاره وتشكيكه في رحلة الإسراء والمعراج الواردة في كتاب الله.

قدمت بلاغات ضد الملحدين العرب

هل تعتبر جريمة إنكار الإسراء والمعراج نوعاً من الإلحاد وازدراء الأديان قانوناً؟

بالتأكيد، وكتبت في البلاغ أن المشكو في حقه عبر برنامجه بقلب كله سواد واستكبار غلفه بكره للدين، وعقل امتلأ بكل ما هو متطرف وشاذ اعتنقه واستقر بوجدانه وعقله، روج أفكاراً متطرفة ليواصل استمرار نشاطه في معاداة الدين والتشكيك في ثوابته، فإنكار رحلة الإسراء والمعراج ليست أمراً عادياً، وإنما إنكار وتشكيك وتكذيب مثلما فعلها من قبله كفار قريش مع النبي صلى الله عليه وسلم منذ ما يجاوز 1400 عام.

لا اجتهاد مع النص

قد يقول المشكو في حقه: إنه اجتهد ولم يرد نصٌّ فيها، فما ردكم؟

قال الفقهاء: لا اجتهاد مع النص، وقد توافر القصد مع سبق الإصرار على التشويش على إقامة إحدى الشعائر الدينية التي تتمثل في الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج بأفكاره المتطرفة المغلوطة، ويأتي هذا بعد مرور هذه القرون على إجماع علماء الأمة على حدثي الإسراء والمعراج، يظهر علينا بين الحين والحين من يشكك في هذين الحدثين أو أحدهما، ولا يمكن وصف المشكك في الإسراء أو المعراج إلا بالجهل المطبق أو رفض ما نطق به القرآن الكريم، أو معاداة الإسلام وإنكار معلوم من الدين بالضرورة، حيث نص على الإسراء في سورة حملت اسم الحدث: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (الإسراء: 1)، ونص القرآن على المعراج في سورة «النجم»، فقال الله تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى {1} مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى {2} وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى {3} إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى {4} عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى {5} ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى {6} وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى {7} ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى {8} فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى {9} فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى {10} مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) (النجم)، وليس هذا فقط، وإنما الأخطر هو إنكار لفريضة الصلاة التي فرضها الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم وأمته خلال هذه الرحلة المباركة، استناداً إلى ما أورده علماء التفسير والحديث والسير نقلاً عن صاحب الحدثين صلى الله عليه وسلم.

لكن البعض يبرر ذلك باختلاف آراء المؤسسات الدينية، ما ردك؟

تضمن البلاغ الذي تقدمت به تأكيد دار الإفتاء المصرية أن رحلة الإسراء والمعراج حدثت قطعاً؛ لأن القرآن أخبرنا بذلك، ولا يجوز إنكارها بحال من الأحوال، وأن القرآن أكد في آياته الكريمة ثبوت الإسراء والمعراج ورؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لجبريل في المعراج، أن جمهور العلماء اتفق على أن الإسراء حدث بالروح والجسد؛ لأن القرآن صرح به لقول الله تعالى: (بِعَبْدِهِ)، والعبد لا يطلق إلا على الروح والجسد، وجمهور العلماء من المحققين اتفق على أن المعراج وقع بالجسد والروح يقظة في ليلة واحدة.

وذكرت في البلاغ أن ما يراه البعض من أن المعراج كان بالروح فقط أو رؤيا منامية، فإن هذا الرأي لا يعول عليه؛ لأن الله عز وجل كما أسرى به بجسده وروحه وتعجب العرب وقتها كان دليلاً على القيام بالرحلة روحاً وجسداً، فلو كانت رؤية منامية ما كانت تستحق التعجب منهم.

الشذوذ اعتداء على الشرائع السماوية والأعراف الإنسانية

تضمن البلاغ نص فتوى المركز العالمي للفتوى بالأزهر، إن معجزة الإسراء والمعراج من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم المتواترة والثابتة بنص القرآن الكريم في سورتي «الإسراء»، و«النجم»، وبأحاديث السُّنة النبوية المطهرة، وفي الصحيحين والسنن والمسانيد ودواوين ومصنفات السنة التي انعقد على ثبوت أدلتها ووقوع أحداثها إجماع المسلمين في كل العصور بما لا يدع مجالاً للتشكيك، وأن كل ما ورد في القرآن الكريم وسُنة النبي الكريم الثابتة من المسلَّمات التي لا يقبل الخوض فيها مطلقاً ولا يقبل تفصيل أحكامها وبيان فقهها من غير المتخصصين.

الردع والقانون

كان يمكن الرد على المشكو في حقه وأمثاله بالحجة، وليس بالاتهام بازدراء الأديان أو التهديد بالحبس، ما تعليقك؟

الرد بالحجة والبرهان لا شك أنه مطلوب، ولكن مع الذين يقصدون الوصول إلى الحق، ولكنه وأمثاله لا يحتاجون للرد، وإنما يحتاجون لقوة القانون لتحاسبهم وتردعهم عن هذا الإجرام وبث سمومهم الفكرية في المجتمع.

ما قصة مقاضاتكم، لوزير ثقافة سابق في دولة عربية؟

قدمت البلاغ ضد وزير الثقافة المصري الأسبق «ج. ع» عندما فوجئت به أثناء لقائه ببرنامج «الحكاية» مع المذيع عمرو أديب ينتقد الدستور الذي جعل الإسلام ديناً للدولة، ووصف التعليم الأزهر بالديني مع أنه يجمع بين التعليم التقليدي والديني، واتهم الأزهر وجامعته بالعنصرية؛ لأنه لا يسمح لغير المسلمين بالالتحاق به، وحصر اختصاص الأزهر في الإشراف على التعليم الديني من انتهاك فج للدستور الذي حدد اختصاص الأزهر في التعليم والقيام على الشأن الإسلامي ليس في مصر فقط ولكن في العالم أجمع.

كذلك تحدث «ج. ع» عن فضيلة شيخ الأزهر بما لا يليق، حيث قال: «عندنا واحد اسمه وزير تربية وتعليم وواحد اسمه شيخ أزهر»! وقوله: إن الأزهر ليس له علاقة بالإفتاء، ثم أعطى حق الفتوى لكل مسلم عاقل، منتهكاً للشرع والدستور معاً، بل جاء في كلامه ما يوقع الفتنة بين نسيج الوطن المسلم المسيحي ويوغر صدور غير المسلمين، ويضر بعلاقات الدولة المصرية مع دول العالم، حيث طالب بخضوع التعليم الأزهري لسلطة وزير التربية والتعليم؛ وهو ما يعني إلغاء التعليم الأزهري.

ملاحقة الشواذ

قمتم بملاحقة قضائية للقائمين على حفل «مشروع ليلى» اللبناني في القاهرة عام 2017، فما دوافعكم لذلك؟

الشذوذ الجنسي -أياً كانت تسميته- والإلحاد وجهان لعملة واحدة؛ لأن كلاً منهما مرفوض فطرياً، وأخلاقياً، وعرفياً، واجتماعياً، ولهذا قدمت بلاغاً ضد القائمين على هذا الحفل الماجن الذي تم فيه رفع أعلامهم، ويدعون أنهم يؤمنون بأفكار تحررية وتنوع جندري يحمل في طيه اختلافاً في الميول والتوجه الجنسي أو المنتمين إلى «مجتمع الميم»، ورفعوا ما يطلقون عليه علم الفخر بألوانه المعروفة، وتم القبض آنذاك على 76 شخصاً، يعرفون أنفسهم بمثليي الجنس، وعدد من النشطاء الداعمين للقضية، ومخالف لأحكام الدستور والقانون، والترويج لأفكار ومعتقدات تلك الجماعة المنحرفة والتحريض على الفسق والفجور في مكان عام، ورفع علم «رينبو» في الحفل، أليس هذا اعتداء على الشرائع السماوية والأعراف الإنسانية السوية، ويجب أن يحاسب جميع من شارك فيه ومن سمح به.

ما المطلوب من آليات للتصدي لتيار الإلحاد والشذوذ وغيرهما من جرائم ازدراء الأديان؟

مطلوب إستراتيجية عربية وإسلامية برعاية الجهات المعنية مثل البرلمان العربي بسن عقوبات مشددة ورادعة، وكذلك اتحاد المحامين العرب ليقوم بدوره في مواجهة هذه الموجة الإلحادية، وما يتفرع منها من شذوذ وخلافه تحت مسميات خادعة وبراقة مثل الحرية والتحضر، وكذلك تشديد العقوبات الرادعة، وسرعة الفصل في هذه القضايا التي تهدد الأمن والسلام المجتمعي.

 

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين